المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التى سرقت أبى(قصة قصيرة)



elhadjlehbib
06-02-2009, 12:31 AM
التى سرقت أبى (قصة قصيرة)
الحاج ولد لحبيب



الساحات وسط العاصمة تعج بالمتسولين المنقسمين إلى مجموعات تصطف بطريقة مبعثرة على جنبات الطريق المؤدى إلى السوق الكبير، أتأمل شجارهم على ورقة نقدية رماها أحد المارة، فى النهاية يتدخل أكبرهم سنا لترطيب الجو فينتهى العراك وتجحظ أعين الصغار فى إنتظار الحل أو العراك مجددا.
أسأل نفسى لماذا هم هكذا، لماذا يتوددون للمارة ويتظاهرون بالعجز، أصر على البحث عن جواب لسؤال واحد، هل لهؤلاء أصل، أين ذووهم، أعود لأقول ما من أحد إلاوله أهل.
أستغرق فى تفكيرى يباغتنى أبى بالسؤال: ماذا تريد "دراعة" أم قميص و بنطال ؟
ـ لم أسمع ماذا
ـ بما ذا تفكر
ـ لا،لاشيء آه دراعة دراعة..
تتدخل هى لتقول ما أعتادت قوله "هه، ربما يفكر فى اللعب مع المتسولين..
جميلة جدا أمى الجديدة لكن أحمر الشفاه يشعرنى بالتقزز،أحبذها دون أحمرشفاه ودون لسان إن أمكن ذلك، أشردفى التفكير مرة أخرى،لكن ليس فى المتسولين فلكم أحسدهم حياتهم لا مكان فيها للتفكير،حياة آلية، الإيستقاظ مبكرا،أخذ طست الطماطم الفارغ المعد للعطايا المحتملة،وبسرعة إلى أى منعطف أو رصيف

أفكر فى أمى الجديدة لماذا تعاملنى بهذه القذارة،ترى ماذا فعلت لأعيش هذ ا العذ اب ، أمام أبى تتظاهر بالحنان لكنها لاتفلح، وهل يفلح الذئب حين يتقمص دور الحمل، تجلدنى بلسانها كل حين ، تلعب بالكلام لتشعرنى بالدونية أمام أبى، تلعب بلسانها ومخارج كلامها لتقتحم الأبواب المشرعة فى نفوس كل الرجال.الغريزة.
أما هو فيعيش بيننا كالمعتوه ، لا يعلم أن حربا تدور فى بيته ، طرفاها إبنه البكر وزوجته الحسناء، لطالما تألمت حين أوقن أنى هزمت ، لكن العالم لا يسعنى حين أنتصر فى معاركى البدائية، آخر إنتصاراتى كان فى المطبخ ، سكبت الماء المخلوط بالصابون على البلاط الأملس ، خرجت من المطبخ وأنا أدعو الله أن لا يكون أبى ضحية شرك نصب لغيره. تناهى إلى مسمعى صوت إرتطام ردفيها بالبلاط ، فهرولت نحوها مسرعا ربما للتشفى، لا أخفى أنى خفت عليها لكنه خوف ممزوج بالفرح، فى تلك اللحظة نادتنى بصوت مبحوح" أسندنى" فأسندتها بصعوبة فاقمها ضحكى المكبوت مراعاة لحالتها المحرجة.

نمت دون أرق فى ذلك المساء بعد تحقيق فتحه أبى حول الحادثة أقفل بلا خيط واحد يوصل إلى الفاعل،فى الصباح إيقظتنى بأسلوبها الخشن "إنهض،الخبز،الزبدة،النعنا ع،ضحكت سرا وأنا أتأمل مشيتها كالبطة العرجاء من أثر الإنزلاق على البلاط ، تذكرت أمى التى طردها أبى منذ عام، كانت تجلب الخبزوالزبدة وتوقظنى بحنانها الفطرى لتقول ما إعتادت قوله هى الأخرى"الصلاة يا ولدى ثم الإفطار".
لاحظت توقف سيارة المرسيدس، نزلنا فى السوق المكتظ بالباعة واللصوص ، إنه العيد ولن يكون عيدى مع المرأة التى تكرهنى وتنغص علي براءة عمرالصبا، هكذا حدثتنى نفسى.
إتجهت هى إلى محلات البذخ والعطورالغالية ، شعرت أن أبى يريد اللحاق بها ، أخذنى من معصمى وسلمنى للبائع الجلف وقال : "دراعة" على مقاسه سأعود بعد قليل ومضى خلفها...
يحدجنى البائع بعيون مرتابة ، أرمى عيونى بخجل على بضاعته المتناثرة فى أرجاء المحل ، أتظاهر بالأهتمام بدراعة ليست على مقاسى ولن يدفع أبى ثمنها حتى...، ينهرنى البائع ويشير "هناك ستجد ما تريد " أبتسم بلا شهية وأهز رأسى المثقل بالهم.
أذعنت للبائع وبحثت فى الصندوق الزجاجى النظيف عن "لباس العيد"، فى الزجاج أرى وجه أبى العريض بلحيته المتناثرة وشعره الممشط بطريقة صبيانية، يربت على كتفى ويسأل البائع"ماذا أخذ؟
ـ لاشيء ، يجيب البائع ممططا شفتيه
أصرخ كأرخميدس بصوت خافت وجدتها "الدراعة" على مقاسى بالضبط ، سماوية اللون ، ملمسها ناعم،يعود أبى إلى عادته القديمة ويساوم البائع حتى الرمق الأخير فى النهائية يفتح محفظته الجلدية الهترئة ويسدد للبائع المطأطىء خجلا مبلغ 5300 أوقية ثمن الدراعة ، يرد البائع مجاملا "ينزلك البركة" ويمرريده علي رأسى بعد كل هذا الجفاء.
وعادت أمى من جديد محملة بالملاحف والشنط والعطور، أعرف جيدا أين ستذهب هذه الأشياء ، إلى أنساب أبى ، رأيتهم يفعلون ذلك فى الأعياد ، وهاهى ترمقنى بعيونها الجارحة وتبتسم بفتور :
أرنى ماذا إشتريت ، دراعة ؟
نعم دراعة ، سلمتها ثوبى الجديد وعاودتنى الأسئلة ، ماسر هذا التغيير المفاجيء؟ هل أخطأت التقدير كل هذه الشهور حين لازمنى كره هذه المرأة الغامضة و الماكرة ،لا لم أخطيء تكرهني نعم تكرهنى...، تضع يدها علي رأسى الحليق وتقول وقد إخترقنى أريج عطرها الدافيء : ثوبك جميل لكنك أجمل ، سنذهب يوم العيد إلى البحر...!
ترى عن أي شيء تبحث يا أبى ؟ لم أعد أحتمل هذا المكان المعتم ، ودعنا البائع مبتسما وخرجنا أخيرا من السوق المكتظ بالباعة المتجولين والكسالى والفضوليين ، أمام السيارة الرابضة جنوبى السوق توقف أبى وقال بنبرته الرجولية : ستبقى فى السيارة ـ فوجئت ـ سنعود بعد قليل ، لاتخرج من السيارة...ومضى معها..
أجلس خلف المقود الذى طالما إستفزنى وتمنيت الجلوس خلفه وهاهي أمنيتى تتحقق والمقعد يبتلعنى ، أحس بالرتابة والملل ، يباغتنى الضجر ، أخرج من السيارة ، أحدهم يتبول هناك بين سيارتين ، أتفحص العابرين ، الشمس فى مهب الغروب ، وجوه كثيرة تظهر وتختفى ، أنتفض جذلا ، وجه مألوف يتراءي لي بين العابرين ، خالى أحمد سالم يحمل قطع قماش ويجتاز الرصيف مسرعا ، أتقدم نحوه متأبطا دراعتى ، يختفى أحمد سالم ثم يطفو مرة أخرى بقامته الفارعة فوق العابرين ، أركض متثاقلا فأتعثر ، يختفى الرجل مرة أخرى ....
يسرى التعب فى أوصالى ، أتسمر أمام بائعة "الشم" ، تتنازعنى الأحاسيس ، أحس تارة بالإختناق ، بى رغبة عارمة للبكاء ، أعود أدراجى ؟ ليس أمامى خيار، أمتطى فشلى عائدا من حيث أتيت.
سيضربنى أبى وتتظاهر هى بالدفاع عنى ، لا أستطيع تحمل إهانات أخري تزيد من وجعى..
مازال نفس الرجل يتبول بين السيارتين ، فاردا ركبيته بإتساع ، سيارة المرسدس تبتعد مخلفة نفس الوميض الذى زارنى مرات وقض مضجعى..
- بحث عنك صاحب السيارة، أهو والدك ؟ يخاطبنى الرجل فاردا ركبتيه دون خجل.
- أركض وأركض نحو السيارة التى إبتلعتها المدينة، لاشىء سوى العرق وبقايا شمس هاربة..