المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رحلة العودة من مدينة الذنوب..



ساخر جدا
23-12-2008, 04:55 AM
يا إلهي لقد بلغت مدينة الشرك.. كم هي قبيحة المعصية.. كم هو ثقيل وزرها.. أين قوتي يوم يؤخذ بالنواصي والأقدام.. أين إرادتي التي سأترك خلفي في الدنيا.. أين طاعة قدماي لتحملاني بعيدا عن العذاب.. أين جبروتي لينجيني من العقاب.. من يقرضني قليلا من حسناته أفك به ورطتي.. من أصحبه يومئذ من الصالحين بعد أن أوصلني الشيطان إلى أبواب الشرك..

كان في الخمسينيات من عمره.. عركه الدهر وأرته الدنيا الكثير من حقائقها المرعبة.. كان منجرفا مع تيار الشهوات المحرمة فنهل منها دون وازع أو رادع.. كان كلما شرب منها ازداد عطشا.. لم تكن تغنيه عن جوعه البهيمي.. كان حيوانا لا يبحث إلا عن ما يملأ بطنه وفرجه..

كان يعلم أن الدنيا لا تبقى على حال وأن مصير أهلها إلى الزوال ولكن الشيطان كان يهمس في أذنه:

- أنت وحدك الخالد.. أنت وحدك المحظوظ.. انس الموت فذكره يفسد عليك طعم الشهوات..

كان كثير العجب بنفسه، عزيز عند قومه.. كثير الإنفاق في معصية ربه.. وكانت المرأة شيطانه الذي يجره إلى الهاوية.. لم يكتف بزوجة واحدة ولا بعشيقة واحدة.. كان إيمانه ضعيفا فلم تظلله الحصانة التي تحميه من ظلام الذنوب.. ورغم ذلك كان كلما ازداد توغلا في عالمها كلما دفعته نتانة رائحتها إلى إدراك بشاعة جرمه.. حتى جاء اليوم الذي طرق فيه باب مدينة الشرك..

- من بالباب..

- منتسب جديد..

- ادخل.. عليك من الشيطان قبحه وسواد وجهه..

ولج إلى المدينة القذرة.. كانت كبيرة جدا.. كثيرة الخلائق.. كانوا جميعا يشتركون في عمى البصيرة.. كانت أدلة وحدانية خالقهم أمام أعينهم فلم يروها.. انتكست قلوبهم وغلب شقاؤهم على سعادتهم.. منهم من أضله الكبر ومن هم من أضله الجهل ومنهم من أضله السحر.. كان الشيطان يقف وراء غبائهم ساخرا من ضعف عقولهم فرحا بسوء خواتيمهم مستبشرا بصحبتهم في النار..

كانوا أفظاظا غليظي الأفئدة.. كانت أرواحهم ملبدة بغيوم الكراهية.. عرفوا ربهم فركلوا نعمة المعرفة بالهوى وأحبوا العاجلة وقدموا الخمر والهوى.. كذبوا رسلا جاءوهم مبشرين منذرين لا يريدون منهم جزاء ولا شكورا.. كذبوا أطهر خلق الله وأزكاهم سيرة.. قالوا فقراء مجانين سحرة مضلون.. وفي الضلال وقعوا وفي جهنم تدحرجوا.. ولدرجة الكفر بخالقهم وصلوا.. أشركوا به وهو الذي خلق لهم السماوات والأرض وسخر لهم ما فيهما ورزقهم من حيث لا يحتسبون.. انعم عليهم بأجساد تعجز مصانعهم عن إنتاج أصغر عضو فيها.. أحل لهم الحلال الذي يغنيهم عن الحرام، وأعلمهم بأن الدنيا ليست الجنة حتى يطمعوا في الخلود فيها.. أخبرهم أنها دار ابتلاء وأحزان، دار باعوض وغبار، دار فقر وأمراض، فكذبوا وتغافلوا.. ظنوا أن الصدفة خلقتهم وهي بالكاد خلقت نفسها.. عبدوا أربابا بنوهم بأيديهم في مخيلاتهم المريضة.. قال فلاسفتهم ما نعبد أحدا.. على الأقل نستريح من الصلاة.. نسوا أن لذة الدنيا في الصلاة.. وأن صبر ساعة في الطاعة يورث دهرا من السعادة..

نظر حوله متعجبا.. كانت مدينة كبيرة.. ذات أزقة كثيرة.. فهذا زقاق السحر.. هنا يسكن السحرة الذين عبدوا الشيطان من أجل قدرات محدودة اذهلت بعض ضعاف النفوس وأغنت بالقليل من أموال الحاقدين على الناس الساعون في الأرض فسادا.. ولو دامت الأموال لنفعت ولكن لا دوام لها ولا لأمها الدنيا.. طلاسم وكفريات علمها الشيطان للإنسان ليكفر ويؤذي غيره.. فقبلها وهو مستبشر.. لبس للناس ثوب الصالحين ففاتهم أنه شيطان.. أراهم انه يصلي وهو يعبد الشيطان.. أتاه جهلتهم فظنوا فيه خيرا ولو كان فيه لما عبد الشيطان.. لو كان فيه لما ذبح لغير الله.. لو كان فيه لسمع قول رسول الله صلى الله وسلم: "لعن الله من ذبح لغير الله".. لو كان فيه لما أمرض وقتل.. لو كان فيه لما أفسد حظوظا دنيوية سخيفة على ضعاف الخلائق.. فالويل له كل الويل، والويل للحاقد الذي يستعين به..

كم هم عميان إذ لم يروا هذه الكلمات التي كتبت بماء الذهب.. "إن الشرك لظلم عظيم".. "إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار".. من أشرك بالله ومات وهو مشرك فهو من أصحاب النار قطعا.. قال رسول الله صلى الله وسلم: "من بدل دينه فأقتلوه" وهؤلاء اختاروا عبادة الشيطان.. أيرضى العاقل أن يذهب إلى ساحر مظلم النفس والمكان من اجل طلب الشفاء ويترك ربه القادر على إعادة خلقه من جديد.. أيرضى أن يذهب إلى ساحر من أجل منفعة دنيوية لاشك أنها زائلة يوم يلقى في قبره ويلتحف التراب..

أيرضى مؤمن أن يشرك بالله شركا خفيا بإشراكه الناس في عبادة ربه.. يعبده وهو في الحقيقة إنما يعبدهم من دونه.. يتمنى أن يروا طول سجدته وجمال وقفته.. يرجو جنتهم دون جنة ربه.. قال تعالى: "فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا".. كيف يرائي المؤمن الذي لا يعبد إلا الله وحده.. ألم يقل تعالى: "وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا".. ألم يقل رسول الله صلى الله وسلم لما سئل: "ما النجاة؟ قال: أن لا تخادع الله". قال: وكيف يخادع الله، قال: أن تعمل عملا أمرك الله به ورسوله وتريد به غير وجه الله".. أليس المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته.. ألم يقل الفضيل بن عياض: " ترك العلم لأجل الناس رياء.. والعمل لأجل الناس شرك.. والإخلاص أن يعافيك الله منهما".. إنها حقا كلمات مضيئة في سماء المهتدين الذين لا يعبدون إلا الله وحده ولا يرجون إلا الله وحده.. ولكن الأشقياء لم يروها.. غلبت عليهم جهنم وجذبتهم إليها كما جذبهم الخبث إلى سوء عملهم..



خرج من ذلك الزقاق المنتن فزعا، فدخل في زقاق الكهان.. كان قوله تعالى يرن في أذنه: "ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا".. "عالم الغيب والشهادة فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول".. وقول الرسول الله صلى الله وسلم: "من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم".. وقوله: "من أتى عرافا فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين ليلة".. تأمل وجوه الباحثين عن الغيب الذين لم يفهوا أو يستوعبوا أن لا أحد يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى رغم تصريح القرآن بذلك، والرسول بذلك، عندما أخبر بصراحة أنه لايعلمه فكيف يعلمه كاهن يستعين بالشياطين.. كيف تعلمه عجوز تلعب بالودع كما تلعب حفيدتها بالدمى.. كيف يسأل المؤمن عن الغيب وهو يعلم ان من فعل ذلك لا تقبل له صلاة اربعين يوما..




وللعودة عودة.. يتبع..

فاطمة
23-12-2008, 03:31 PM
رحلتك مشوقة،،
والصورة المرافقة لاسمك رائعة،،
سبحان الله هو العظيم الكريم الرحمن الرحيم،، كيف لانحبه ونحن نقرأ{والله يريد أن يتوب عليكم..}،،{يريد الله أن يخفف عنكم..}،، {فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولاتخافي ولاتحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين}،، {فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولاتحزن ولتعلم أن وعد الله حق..}،،{قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا..}،، {ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم..}،، {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا..}،، {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا..}،، {اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أويخشى..}،، {ولانضيع أجر المحسنين ولأجر الآخرة خير..} {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتو أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم..}،،{قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين،، فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم}
ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين..استجب اللهم..