المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إنقلاب عسكري في أحلام اليقظة..



ساخر جدا
17-12-2008, 01:29 AM
كان بوابا لثكنة الجيش يقضي لياليه بين جدرانها مقارنا نجوم ضباطها الباهتة بنجوم السماء المضيئة.. كان من حين لآخر يعد الشاي لأسياده الضباط وبعض الأصدقاء من جنود بسطاء.. لم تكن له فائدة أخرى فالجيش تحرسه هيبته ويخشى رائحة باروده الطالح قبل الصالح.. كان في الخمسينات من عمره قد عاصر جميع الانقلابات التي حدثت في البلد وعايش تفقه ضباطه في الانقلاب على بعضهم البعض.. كان رئيس الجمهورية في شبابه المنصرم أسدا ذا هيبة وعضة.. يرتعب من ابتسامته الرضيع قبل الكبير.. كانت أوامره طقوسا يُتعبد بها وكان رضاه مبتغى كل عجوز أو شابة.. كان ذلك في الماضي أما اليوم فقد غيرت الديمقراطية المتفشية كالوباء المفاهيم وجعلت البسطاء يزدادون جوعا وحيرة فلا هي تقبل بالانقلاب ولا الحمير يقبلون بمنطقها البراق ليتحقق التباعد بينها وبين الجائعين.. ورغم ذلك فلا زال الضباط الطامحون ينقلبون على بعضهم البعض بحجة تخليص الوطن من عجوزه الدميمة الدكتاتورية وإدخال الديمقراطية الشابة بدلا منها إلى القصر معززة مدللة.. كان كل منقلب يركب دبابة ويشهر مدفعه في وجه غريمه في طريقه إلى تنصيب راية الأنا على القصر الرئاسي ليصبح بين عشية وضحاها رئيسا للجمهورية بعد أن كان رئيسا لقبعته وما تحتها.. ثم لا يلبث المواطن المسكين أن يعلن الولاء إما خوفا وإما طمعا.. فتتنكر الدنيا لأمجاد الرئيس المخلوع تنكر الشابة للعجوز المفلس.. تغتابه الألسن بعد أن كانت ترقص على أنغام مديحه، وتمتد الأيادي التي طالما احتضنته إلى قفاه لتصفعه فيصبح بين لحظة وأختها نسيا منسيا كأن لم ينجز شيئا..

كان معدل استمتاع الرئيس بسرير القصر الرئاسي لا يتجاوز العام ففي كل سنة يحدث انقلاب ويتسلط وحش جديد على البلد معلنا عن إصلاحات جديدة وحكومة جديدة وشعب جديد وربما زوجة جديدة..

جلس البواب على عتبته مفكرا في حال بلده.. كانت همساته تنفلت أحيانا من صدره فيسمعها من حوله دون قصد منه.. كانت تلك الانقلابات تقلق راحته.. فتمتم بسخط وهو ينكت الأرض بمدفعه الرشاش:

- هذا الضويبط الذي يحييني في كل يوم بخجل العذراء يصبح بين عشية وضحاها رئيسا للجمهورية.. هذا التافه الذي تديره زوجته من كواليس المطبخ يدير اليوم البلد بأكمله.. ترى كم من عابد لزوجته مثله حكم هذه الدويلة المنكوبة..

كانت البلاد قد شهدت ليلة البارحة حلقة أخرى من حلقات مسلسل الانقلابات المكسيكي الطويل فتم رمي الرئيس السابق في زبالة التاريخ وظهر فرعون جديد.. هتف البواب:

- لا أعترف برئاسة هذا الضويبط التافه..

كان من سوء حظه أن العقيد المكلف بإدارة الثكنة كان مارا بجواره في تلك اللحظة فالتقطت أذنه البوليسية تلك الكلمات الساخطة فناداه بغضب:

- من تقصد أيها اللئيم..

أقبل عليه مرتجفا وهو لا يكاد يسيطر على فكيه من شدة الهلع:

- لا أقصدك سيدي..

صاح فيه العقيد غاضبا:

- من تقصد إذا أيها الحقير.. أيوجد في الثكنة كلها رئيس غيري..

أسقط في يد البواب وعلم أن لا مفر من قول الحقيقة لعل العقيد يكون ديمقراطيا ولو لمرة في حياته:

- سيدي لقد كنت أهذي كالكلب المنهك فخرجت الكلمات من فمي دون إذن من عقلي..

- أيها الكلب الأجرب، لقد سألتك من تقصد فأجبني بجملة مفيدة قبل أن أرميك في المرحاض وأسكب عليك مياهه القذرة..

أسقط في يد البواب فتمتم بتلعثم:

- أقصد رئيس الجمهورية..

حدجه العقيد بنظرة نارية قبل أن ينفجر في وجهه كالبركان:

- أيها الوضيع التافه بلغت بك الجرأة أن تتطاول بلسانك على أسيادك..

أكمل جملته النارية بمناداة أربعة من جنوده:

- ارموا هذا التافه في الزبالة لتنعشه ثلاثة أيام بلياليها..

همّ الضباط بجره فصاح فيهم العقيد:

- ليس قبل أن أحطم رجله الضخمة..

صاح المسكين متوسلا:

- أرجوك.. الزبالة نعم.. حوافرك لا..

دوت في الثكنة صرخة منكرة صعقت المتواجدين فيها.. كانت صرخة المسكين بعد أن وطئ العقيد المهووس قدمه بحذائه الحديدي..

بعد ثلاثة أيام داخل المزبلة كان البواب يعد الثواني والدقائق المتبقية على انقضاء فترة عقوبته.. كان يحدث نفسه كعادته:

- هذه المرة إن نطقت بكلمة فلن تسمعني إلا ذبابة عسكرية.. ما أشد نتن زبالتهم.. هؤلاء الجنود المتبجحون الذين هم حقا من بقايا قوم عاد.. خصوصا هذا العقيد الحمار صاحب الحافر الحديدي.. ما أهون قذارة زبالتهم التي يصبون فيها كنوزهم من شروق الشمس حتى غروبها إذا ما قورنت بحوافر ذلك الحمار.. سيرون عندما اخرج.. أقسم أن أقوم بانقلاب ميمون واملك رقاب زوجاتهم.. أقسم أن أغادر هذه المزبلة النتنة إلى قصر الجمهورية المليء بالورود..

سمع وقع خطوات ثقيلة تضرب الأرض في انتظام مزعج مقتربة من المزبلة.. غمغم:

- أقسم أن حوافر العقيد الأحمق من بينها..

بالفعل كان العقيد وجماعة من الضباط يقتربون منه.. كان العقيد يسألهم:

- كيف حال الحقير هل تصبون أكياس الزبالة فوق رأسه يوميا.. سنرى هل تعلم عقد لسانه في أسنانه أم لا.. أخرجوه.. هيا.. أسرعوا..

امضي الجنود دقائق يقلبون بين النفايات حتى وجده أحدهم فهتف بفرح:

- أمسكت برجله..

صاح فيه زميله:

- اجذبه بسرعة..

دوت في المكان صرخة ألم تخللها جملة غاضبة:

- أترك رجلي أيها القرد..

كان الجندي قد جذب رجله المهشمة فهتف فيه وهو يخرج رأسه من القمامة:

- أيها الدميم.. لن أصب لك كأسا من الشاي بعد اليوم..

صاح فيه العقيد بلهجة عسكرية صارمة:

- هل استوعبت الدرس أيها التافه..

- نعم سيادة العقيد.. كلنا تلاميذ حوافرك..

- إذا حذار من أحلام اليقظة وإلا حولتك إلى ميكروب كسيح..

قالها وهو ينطلق إلى مكتبه مخاطبا الجنود:

- أعيدوا هذا البغل إلى الباب وأعطوه سلاحه وإياكم أن تقتربوا منه.. لم يعد الواحد يعرف في هذه الأيام هل يخاف على بناته أم على جنوده..

كان البواب المسكين في أمس الحاجة إلى قسط من الراحة ولكن الجنود وضعوه على عتبة الثكنة وأعطوه مدفع الحراسة وهم يعتذرون.. إنها أوامر العقيد.. لا تحرمنا من الشاي اللذيذ الذي تتفنن في إعداده.. همس لنفسه:

- جنود آليون بلا مشاعر.. أتساءل كيف يجدون للشاي طعما..

جلس في مكانه وهو يكاد ينفجر غيظا:

- سأسجنك أيها العقيد المجنون.. سأسجن البلد بأكمله في أقرب مزبلة.. أقسم أن أصبح رئيسا للجمهورية ولأجدادكم أيها التافهون..

كان الإرهاق هذه المرة سببا في انفلات الجملة الأخيرة من صدره ولسوء حظه صادف ذلك أيضا مرور العقيد بجواره فصاح فيه:

- أيها المخبول.. عندما نهشت رئيس الجمهورية بلسانك اكتفينا بالمزبلة.. الآن تريد أن تسجن البلد بأكمله فيها أيها الوضيع..

لم يتحمل المسكين الصدمة فأغمي عليه من شدة الهلع حتى ظنه الحضور ميتا واضطروا إلى نقله إلى المستشفى.. وفي داخل سيارة الإسعاف كان يهذي بكلمات لم يكن يملك زمامها فكانت تخرج من فمه كالرصاصات المنفلتة من مدفع الأحمق، بلا وعي منه:

- يسقط رئيس الجمهورية.. يسقط حمار الثكنة.. يسقط كيس الزبالة.. يسقط المواطنون.. تسقط الديمقراطية.. سأحكمكم جميعا أيها التافهون.. سأصبح رئيسا للجمهورية ولأجدادكم.. سأشنقكم على أشجارها.. سأشنق كوكب الأرض على الهلال..

همس سائق سيارة الإسعاف لمساعده:

- ما الذي يهذي به هذا الحمار..

- يبدو أن هذا التافه يخطط لانقلاب جديد..

- ما رأيك في أن نرميه في أقرب مزبلة ونعود أدراجنا.. على الأقل نوفر البنزين..

- لولا منظمات حقوق الإنسان الفضولية لما ترددت للحظة في رميه من النافذة ولكن ما العمل إنها ضريبة الديمقراطية التي سنها الرئيس المخبول السابق.. تخيل أنه كان يريد إجراء انتخابات نزيهة وهو من النزاهة بمرتبة الجوزاء من قصره الرئاسي..

- لا أرى لهذه الديمقراطية أدنى فائدة.. البلد بخير في ظل هذه الدكتاتورية المريحة للعقلاء..

تعالى هذيان البواب:

- يسقط الحماران.. تسقط الدكتاتورية.. تسقط الديمقراطية..


يتبع في الجزء الثاني: جمهورية المجانين

بقلم: سيد ولد احمد


:eek:

mushahed
17-12-2008, 04:01 AM
شكرا أخي جاد جدا

قَصَصٌ مس الواقع وسطر التاريخ

وقفت عند هذه الكلمات من النص




بحجة تخليص الوطن من عجوزه الدميمة الدكتاتورية وإدخال الديمقراطية الشابة بدلا منها إلى القصر معززة مدللة


فتتنكر الدنيا لأمجاد الرئيس المخلوع تنكر الشابة للعجوز المفلس


لم يعد الواحد يعرف في هذه الأيام هل يخاف على بناته أم على جنوده.[/


وهو من النزاهة بمرتبة الجوزاء من قصره الرئاسي..


البلد بخير في ظل هذه الدكتاتورية المريحة



شكرا لك أخي وننتظر الجزء الثاني



تحياتي

ابوسكينه
17-12-2008, 08:28 PM
شكرا لك يااخى شكرا شكرا البلد بخير كلشيء متوفر

ساخر جدا
27-12-2008, 01:55 PM
الجزء الثاني.. :d

جمهورية المجانين..


كانت الساعة تشير إلى الثالثة صباحا.. فجأة عمت الفوضى في ذلك المستشفى النائي الخاص بالأمراض العصبية.. وتم احتلال مباني الحراسة واحتجاز المدير بعد اشعال النار في مكتبه بعد حرب قصيرة شنها المجانين على العقلاء..

أحاط السكان المجاورون بالمستشفى وكلهم لهفة على معرفة ما يدور في داخله.. كان صوت المفرقعات يدوي في داخله.. وكانت بعض الصرخات الجنونية تتعالى من حين لآخر فلم يجرؤ أحد على الاقتراب من أصحابها..

وفي الصباح الباكر أحاط آلاف من الجنود ورجال الإعلام بالمستشفى.. هتف قائد الجيش لمساعده:

- ما الذي يجري في داخل هذا المستشفى المجنون..

- يبدو أن إحدى العصابات قد استولت عليه.. يتردد أنها تحتجز بعض المجانين كرهائن..

قاطعه مكبر للصوت دوى من داخل المستشفى هتف صاحبه بعنجهية دلت على شخصيته:

- معكم بواب الثكنة العسكرية سابقا والمجنون حاليا.. الجندي (فلان) لقد تمت السيطرة على المستشفى بأكمله ونجح الانقلاب الميمون.. رئيس المستشفى المخلوع محتجز في المرحاض.. لا نريد منكم سوى الاعتراف بنا أنتم والعالم المجنون الذي يحيط بكم.. انتظروا بياننا الأول بعد ساعة من الآن أو لا تنتظروا..

ضحك قائد الجيش حتى سقط على وجهه:

- رأيت دكتاتورا مجنونا ولكنها المرة الأولى التي أرى فيها مجنونا دكتاتورا..

رد عليه مساعده ضاحكا:

- إنها حمى الانقلابات التي تجتاح البلاد..

- أتصل برئيس الجمهورية وأخبره بأن مجنونا قد أنقلب على مستشفى مجانينه وادعى لنفسه رئاسته..

ضحك المساعد وهو ويقول:

- يا لها من فضيحة..

ازداد عدد الحشود المحيطة بالمستشفى بعد الإعلان عن الانقلاب.. أقبل الناس زرافات للفرجة على رئيس المجانين الجديد.. همست امرأة لصاحبتها:

- للمجانين الحق في أن ينقلبوا على بعضهم داخل دولتهم أسوة بإخوتهم العقلاء..

- يقولون أنه كان بوابا للثكنة قبل أن يصاب بلوثة عسكرية..

هتف أحد الحاضرين:

- يسقط رئيس الجمهورية.. يحيا رئيس المجانين..

هجم رجال الأمن على الجهة التي انبعث منها ذلك الصوت وشتتوا شمل أهلها بالهراوات.. هتف صوت كان صاحبه يركض مبتعدا بأقصى سرعته:

- الخير جائنا بمجيئكم (يقصد الرئيس المجنون الجديد)..

هتف قائد الجيش وهو يترنح من شدة الضحك: