المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : و أرضعتني دماً..!!



الشيخ محمد
15-12-2008, 02:59 PM
و أرضعتني دماً..!!


نظر من نافذته المطلة على مدينة تخلع عنها ثوب النوم وتدخل في يوم جديد.. كان إحساسه بالفوارق والفواصل الزمنية مرهفا، فبعض الأوقات كانت تخنقه وأخرى تخلقه مع كل نافذة زمنية!!
والصباحٌ كان أكثر الأوقات التي يرى أنها تشبهه!
يمثل بالنسبة له النقاء والصفاء الذي يرافق ولادة يوم جديد، تماما كما يولد الإنسان بريئاً ناصعاً، لم تدنسه سنوات عمر عرجاء تملؤها قذارة الانكسار والفشل، وتجارب نوهم أنفسنا بأنها مكسب في حين لا تعدو كونها شهادة فشل غير مزورة بأحلامنا!
هكذا يتلاعب بنا العمر فلا يمنحنا في النهاية سوى جرعة غياب ورحلة مبتورة الأطراف، وشهادة وفاة!
والصباح هو الآخر وما يملك من صفاء لا يعدو كونه مؤقتاً، سيتحول غباراً وشمساً صحراوية حارقة، وفي النهاية يتحول الضوء عتمة فيكون الليل وما يحمل من عوالم الرعب والجمال!
فالأشياء الجميلة لا تعمر طويلاً..!!
كانت علاقته بالصباح مبنية على التغير و التبدل الذي يربطهما ببعض، فكلاهما يدفن بداخله ما لا يريد للشموس أن تطلع عليه، مع أنه يسمح لزوايا الضوء أن تكبر و تزداد دون أن تكون مطلة على الخارج!
فنوافذه الصباحية التي تبقى مشرعة طول العمر هي تلك التي تطل منه عليه، و تحمل منه الهواء المكتنز مدى العمر المنسي و تعيده إليه دون أن يكون للخارج حظ فيه!
تلك هي نوافذ النسيان التي تمنحه علاقة خاصة بالصباح!
هي التي تحمل إليه النسيم الرقيق الذي يداعب جوارحه و يمنحه إحساساً باليقظة المشوبة بغفوة، ليرى نفسه يمشي مشية النائم وراء معزاتين أنهكهما الهزال و لعب بهما الجفاف، يمشيان في إعياء و طقطقة أظافرهما الطويلة تحدث صوتاً رتيباً منتظماً يجعل من اهتزاز رقبتيهما رقصة تتناغم مع اللحن بإتقان..
كان ذلك الصوت يمنحه إحساساً بوقع أقدامه الحافية على التراب الذي ما يزال يختزن برودة الليل و آثار الحشرات و الكائنات الليلية التي تعشق الظلام فتتوارى عند خيط الفجر الأول!
قميصه الرقيق و سرواله الذي تملأه خرائط من نوع آخر، لم يعيناه على مقاومة البرد الصباحي القارس، و يداه اللزجتين من آثار اللبن المحلى يضعهما بين فخذيه الصغيرين بحثاً عن حرارة قد يختزنها جسمه الضئيل!
جريه المنهك وراء المعزاتين تحت إلحاح الراعي المتربص عند مخرج القرية منتظراً أغنام السكان القادمة في كسلٍ و تثاقلٍ من مناحي القرية التي لا تزال تغط في غيبوبة الصباح و كأنها تتشبث بهدوئه هاربة من جلبة النهار و ضوضاءه.
القرية هي التي أورثته بعده الصباحي الأول، و هي التي أهدته أول انكسارٍ حقيقي جعله يدرك جدوائية النوافذ الصباحية!
هي التي منحته القدرة على تجزئةالعمر، و قتل فصوله الأكثر ضبابية بسموم الغفلة و النسيان!
تلك القرية المسكينة هي التي جعلته يدرك الفرق بين شظايا اليوم الواحد، و تنوع الزوايا التي تنظر منها الشمس إلينا، و تلك التي تغيب فيها عنا!
فالشمس حاضرة في كل التفاصيل هنالك.. حتى و إن كانت السماء ليلية بأنجمها المتناثرة في تناغم فوضوي ملتهب، إلا أن أخيلة الناس تبقى معلقة بها إلى حين عودتها، كتلك الحشرة الضعيفة التي تبيت تبكي من حر الغد، فتلتحف سواد حزن لم يأت بعد، و تتجرع ألماً ما زال في بطن القدر!!
ليس غريبا في قريته أن تتفق رؤية الحشرة و الإنسان لأمر معين.. بل هو أمر طبيعي.. طبيعي جداً!!
الشمس لها إطلالة ملائكية على قريته، سرعان ما تتحول إقامة شيطانية في كبد سماء جافة!
و قبيل الإطلالتين يكون الصباح برقته المتفجرة نسيماً و عبيراً صحراوياً قد أشرف على القرية التي لا تفوته أبداً، كباراً و صغاراً، رجالاً و نساءً.. و حيواناتٍ.. الجميع يستيقظ باكراً ليأخذ حصته من بركة الصباح..
حتى البيوت تتثاءب في كسلٍ مشرعة نوافذها أمام أنفاسه لينفث فيها من أسراره ما يمنحها القدرة على مواجهة يوم جافٍ يلوح في الأفق!
تلك البيوت المتشابهة و المتواضعة بنوافذها الفسيحة و أبوابها الواسعة، و كأن ساكنيها حولوا خيامهم المصنوعة من القماش و الصوف إلى خيام من الأسمنت و الحديد!
لم تكن كثيرة و لا كبيرة، و إنما كانت في أكثرها أنصاف و أرباع بيوت تراهن في تراكمها على السنين التي ستمنحها القدرة على الصعود إلى الأعلى بشكل تدريجي، كما ستمنحها ضعفاً و وهناً آخر حتى قبل أن تكتمل.. و قد لا تكتمل أبداً، فالناس هنالك يعيشون كالمسافر الدائم، و قريتهم لا تمثل بالنسبة لهم سوى محطة في رحلة كونية تخوضها أرواحهم بعد أن تبقى أجسادهم محبوسة في شبرين من الأرض!
إيمانهم الكبير و عقيدتهم الراسخة، و طبيعتهم البدوية التي لا تعرف الاستقرار، كل ذلك يجعلهم متهاونين في إعطاء دنياهم حظها من العمل، و إنما يكتفون بسد رمق رغباتهم و إيقافها عند الحد الذي يمكنهم من البقاء على قيد الحياة، إنهم يهتمون أكثر بتعمير قبورهم بدل قريتهم المسكينة، و بيوتهم تدل على ذلك، تلك البيوت التي تختزن ذكريات مجتمعٍ صامتٍ، يهاب كل شيء حتى الكلام و يحترف الصمت حياءً أمام المواليد الجدد فلا يفرح بهم سوى أبعد الناس عنهم!
و الأموات عندما يغادروهم لا يجدون من يبكيهم سوى تماسيح بشرية من المرتزقة التي تقتات أحزان الآخرين و أفراحهم، أما أقرب الناس إليهم فتجدهم يريدون إثبات جفاف مآقيهم، و كأن الحزن بصوت مسموع غير مسموح!
أو أنهم من فرط المحبة لا يمكنهم توديع من ينوي الغياب الطويل بدمعة!
الفرح و الحزن يملكان في قريته نفس الطقوس!!
يتعانقان كما يعانق الموت الحياة، فيخرج الحي من الميت دون أن يودعا بعضهما، و إنما حافة الصمت و الألم هي التي تجمعهم في حيز لا ينتمي إلى أيٍ من العالمين!
ليغادر أحدهم بصمتٍ، و يأتي الآخر إلى العالم و هو يصرخ في دهشةٍ!
هكذا أتى إسماعيل إلى الدنيا ممتطياً روح والدته، صامتاً و شاحباً حتى ظنه البعض فارق الحياة قبل أن يولد، غير أن حظه الذي حرمه والدته منحه جدة أدركت أن قلبه الصغير ينبض بالحياة رغم صمت الصراخ لديه، فعاش سنيناً يناديها "أمي"!


دمتم بكل ود
يتواصل...

زهور الشمس
15-12-2008, 03:36 PM
أيها المبدع ..جعلتني بحضرتك أهاب الكلام..وأحترف الصمت..
وأخشى وهجك الحارق ..وإصرارك علي أن تكون نجما بعيدا..وسرابا عابرا..
أمامي..سأرقب لقياك..
وأروم حروفك الناصعه..في ظل ضباب كثيف..
لاتبتعد..سنبقي في ترقب..لمثل هذا الرقي ..

كن بود

ساخر جدا
15-12-2008, 10:27 PM
احسنت يا أخي.. حديثك عن الصحراء والقرية والصباح هو الذي يجب أن ندندن كلنا حوله.. حلاوة الصباح وجمال الليل أمران ينسيان ساكن الصحراء ما بينهما.. اتمنى ان تكون نظرتك للصحراء إيجابية فهي بحق جنة أما الجحيم فهو ما نسكن نحن فيه تحت ستار التمدن مهما توافرت الإمكانات.. دمت بألف خير وعافية..

الشيخ محمد
15-12-2008, 11:55 PM
***

زهور الشمس كلامك أكبر مني فشكراً لك..



اتمنى أن تكون نظرتك للصحراء إيجابية فهي بحق جنة

العزيز ساخر جداً ليتني عرفت غيرها حتى أعتبره جنةً :d
إن للصحراء الكثير من الدلالات و الرموز يفهمها الأبناء، و يدركها الغرباء، و لعل "الخيميائي" يدرك ذلك جيداً..!

شكراً لمروركم البهيْ

الشيخ محمد
16-12-2008, 12:47 AM
...
كان خروجه إلى الدنيا مترددا متلعثما، مبنيا على الشك و التخيل، فلم يجد أمامه من الفرح إلا القدر المساوي لما وجد من الحزن، لتحتضنه المآتم و مجالس العزاء أيام قدومه الأولى!
فبقي مدى العمر دليل إثبات على لحظة حزنٍ مضت!
على جريمة اقترفها القدر بأصابعه البريئة الضعيفة، حتى قبل أن يدرك الفرق بين لون الدم و اللبن، بين الجدة و الأم!
لم يكن يدرك أن بداخله بركاناً من الحزن ينمو و يتسع لينعكس أمامه في نظرات قوم يتذكرون عند رؤيته شخصاً آخرَ، ينتمي إلى عالمٍ آخرَ و حياة أخرى.. كان يرى في نظراتهم ذلك الحزن و الأسف.. و قليلاً من الشفقة لم يكن يعرف لها سبباً، و لا يستطيع بعقله الصغير أن يجد لها مرداً!
حتى أن الخال عبدو ذلك الرجل الستيني الذي يحمل في محياه ملامح طيبة مشوبة بقسوة خافتة أورثتها إياه مكابدة السنين و صراع الزمن، عندما أتى ليسلم على الجدة بعد غياب طويل في إفريقيا، لاحت في عينيه دمعة عندما رآه و أصابت حشرجة قوية صوته الضعيف، و راح يقبله و يتمتم بكلمات غير مسموعة، و يردد بنغمة حزينة اسمَ امرأة لا يعرفها!!
لم يفهم إسماعيل تصرف هذا الرجل الذي يراه لأول مرة، و الذي يبكي أمام جدته دون أن تعلق، و هي التي كثيرا ما تنهره عندما يبكي فتعيره بالبكاء و تقول له بأن الرجال لا يبكون!
لماذا لا تقول نفس الكلام لهذا الرجل الذي يبكي من دون سبب؟!
أم أن الرجال عندما تكبر بهم السن يباح لهم ما كان ممنوعاً، فيتساوون مع الأطفال الصغار الذين يملأ بكاؤهم آذان الجميع!
إلا أن دمعة ذلك الرجل الطاعن في السن كانت طاعنة في الحزن، إنها لم تكن بكاءً فقط و إنما كانت أكثر من البكاء، إنها كانت لغة استحضار لعوالم أخرى غير التي تتبدى لعينيه الصغيرتين الذابلتين، عوالم يحسها و لكنه لا يفهمها، يراها مجتمعة في تلك الدمعة التي يذرفها ذلك الرجل!
أدرك أن لدموع الرجال طعماً آخر غير الملوحة، و غير العذوبة، طعم يبحث عن حليمات ذوق خاصة تتحلل الصلابة و الرقة عند ملامستها بنفس السرعة، بنفس القوة.. و بنفس الرعشة!
و الاسم الذي كانت تشيعه تلك الدمعة ظل صداه يتردد في أذنيه، و حركة شفتي ذلك العجوز المرتعشة و هي تلفظ الاسم ما تزال ماثلة أمامه يستعيدها بكل ما تحمل من تفاصيل الحزن عندما يشيخ و يهرم!
"مَيَمْ".. الاسم الذي لفظه العجوز بنغمة خاصة ليعانق سمعه و يظل صداه يتردد في أذنيه، ناعم رقيق يثير فيه إحساساً غريباً و كأنه يخصه دون الجميع و يعنيه أكثر من الآخرين..
كان لديه إحساس أنه الاسم الذي كان يجب أن يستعمله أكثر من أي اسم آخر، كان من المفروض أن تكون علاقته به متجذرة و عميقة أكثر من أي علاقة أخرى، ربما كان هو اسمه قبل أن يولد، هو الذي يختزن بين أحرفه هويته الحقيقية، و ملامحه الروحية الأولى المليئة بالأنوثة!
كان يثيره ذلك السر المدفون ما بين الميمين، سر يدعوه دوما إلى أن يتساءل عن صاحبة هذا الاسم، أن يجلس إلى جوارها و يطلب منها أن تحدثه عن صاحبته، أن تصفها له فتشبع فضوله الطفولي الغير مبرر لاسم مر على أذنه بالصدفة تشيعه دمعة شيخ هرم!
أخبرته أنها جدته التي توفيت منذ أعوام قبل ولادته..
سألها:
- أهي تشبهك..؟
- إنها تختلف عني تماماً، إنها جميلة..
- أنت أيضاً جميلة..!
ابتسمت و هي تنظر إليه برقة بعد أن تركت وسادة كانت تخيطها، أخذت وجهه بين يديها و قالت:
- أنت لا تعرف الجمال يا بني، و لكن فيما بعد ستكون أكثر قدرة على إدراك جمال النساء، و ستعرف أن أجملهن تلك التي تستطيع أن تحفظ جمالها خاليا من التجاعيد و لو كلفها ذلك استعمال مساحيق الموت!!!
لم يفهم ما ترمي إليه بكلامها، و لكنه كان يراها جميلة رغم التجاعيد التي بدأت تظهر في وجهها، كان يحس بالفخر عندما تكشف له ابتسامتها تلك الأسنان البيضاء التي لم ير مثلها لدى نساء القرية.. إنها بالفعل جميلة، و لكن هل "مَيَمْ" أجمل منها، كان لديه شك في ذلك!
أضافت و هي تتناول الوسادة من جديد:
- سيأتي زمن تعرف فيه قيمة التجاعيد التي تملأ وجهي!
لم يفهم شيئا مما تفوهت به و لكنه لاحظ أنها تتكلم ألغازاً عندما يحدثها عن "مَيَمْ"، كما لاحظ تلك النظرة المنكسرة و النغمة الخافتة و دمعة تنزل على خدها و هي تحدثه، تمر عبر التجاعيد لتستقر لحظة أسفل لحيتها ثم تسقط على جبينه، دمعة تشبه التي ذرف خاله قبل قليل!
غاب في حضنها و كأنه يحتمي بها.. يتمسك بها خوفا من أن تغادره كما غادرتها أمها..!
إنه يرفض أن ترحل عنه حتى لا يحزن مثل الخال عبدو، و يجد نفسه مضطراً للبكاء آخر العمر، فهو لا يريد أن يبكي و لا يريد أن يحزن.. لا يريد أن يفقد أمه!
لا يريد أن يفقد ذلك الحضن الذي ينعم به عندما تخيفه وحوش الليل و عفاريته التي تظهر أعينها المشتعلة من وراء الظلام، فتحرمه النوم إلى الفجر حيث يكون وقت الصلاة قد حانْ!
لا يريد أن يغيب عنه ذلك الصوت الذي يهمس في أذنه
"الصلاة.. الصلاة.."
ذلك الصوت الذي يمنحه القدرة على اليقظة و النشاط، على ممارسة العبادة بشهية إيمانية متفتحة..
على أن يزاحم عند المخبزة أولئك الرجال القادمين لتوهم من المسجد في أيديهم تلك السبحة الطويلة التي يصدر عنها صوت منتظم من ارتطام الحصى بعضها ببعض، ذلك هو الصوت الوحيد الذي يصدره أولئك الرجال الذين يطبعهم الصمت التام خلال تواجدهم أمام المخبزة فيقضون جميع حوائجهم دون أن يتفوهوا بكلمة واحدة، و إنما الإشارة وحدها هي التي تسعفهم و معرفة صاحب المخبزة المسبقة بما جاؤوا من أجله، و ما إن يحصل أحدهم على ما يريد حتى يبتلعه الظلام الذي مازالت أسرابه تحتمي بالممرات الضيقة بين البيوت المتراصة، أما من يحمل منهم جمراً فتظل تلك الشعلة الحمراء المتوهجة تخفت شيئا فشيئا إلى أن تصير كالشهاب الخافت ثم تختفي بعد ذلك، مشهد سماوي بامتياز تنقلب فيه جميع المقاييس و يقف المنطق مشدوها حيث الناس استحالت أجرام سماوية تسبح في مجرة القرية بحرية و خفة، و المخبزة تمنح النور بسخاء بالغ!!
ففي ذلك الوقت من اليوم تكون المخبزة هي المركز النابض المشع في القرية، مصدر الطاقة و الغذاء..
ناداه صاحب المخبزة باسمه، ناوله رغيفين من الخبز، و أخذ من عنده آلة الحديد التي يحمل و ملأها جمراً أحمرَ ملتهباً أحس بالدفء عند رؤيته، ناوله الآلة قائلاً:
- سلم لي على والدتك..
تناولها منه دون أن يعلق لأنه تعود على أن يقول له هذه العبارة دون أن ينتظر منه جواباً، و إنما يتحول عنه بسرعة ليعبأ آلة أخرى لشخصٍ صامتٍ آخر!
انضم إلى سرب الجمر الذي تنفث المخبزة في أطراف القرية..



دمتم بكل حبْ..
يتواصلٌ..

الشيخ محمد
16-12-2008, 07:42 PM
خليط من الأصوات كان يصل لأذنيه، إنها أصوات الاستيقاظ و نفخة اليقظة الأولى في جنبات قريته نصف النائمة، صوت طفلٍ يبكي يبدو أنه استيقظ قبل والدته، في بكاءه إلحاح و إصرار على أن يوقظ كل من حوله من البشر!
و صوت آخر قادم من بعيد لإذاعة تعلن تمام السادسة صباحاً بالتوقيت العالمي الموحد، و تبدأ بسرد الأخبار من حنجرة مذيع يبدو من صوته أنه عظيم الهيأة ضخم البنية قام للتو من نومه!
و صغير ضأنٍ يصيح لترد عليه أمه بصيحة أخرى، فهي مستيقظة دوماً لن تكلفه البكاء، فالحيوانات لا تبكي لأنها لا تتعلمه و هي صغيرة.. أما نحن معشر بني البشر فإن أول ما نقوم به هو البكاء!!
و من بين تلك الأصوات المختلطة و الأفكار الغريبة التي تخطر على باله لأول مرة، و التي جعلت ذلك الصباح مختلفاً عن كل صباحاته الفائتة، شق صوت هائلٌ كل ذلك الزخم و بكل وضوح وصله:
- "كل نفس ذائقة الموت".. ستقام الصلاة بعد نصف ساعة!!!
تبعته تلاوة آيات قرآنية، و رأى الرجال يتوجهون إلى المسجد في عجلة بعد أن توضؤا و تلك السبحة في أيديهم تتراقص حباتها دون ملل..
كان يعرف أن عليه أن يرافق جدته إلى المسجد فهي لا تفوت الصلاة على أي جنازة سواء كانت تعرفها أو لا، كانت تقول له بأن في ذلك الكثير من الأجر و أنه من حق المسلم على أخيه المسلم..
وصل البيت ليجده خالياً فعرف أنها غادرت إلى المسجد..
على ضعفها غادرت في هذا البرد، إنها لا تتهاون في مثل هذه الحالات و لا تتقاعس..!
هاهو عند عتبات المسجد الذي يغص بالرجال بعمائمهم البيض و التي تجعلهم متشابهين تحت الضوء الخافت الذي ينتشر في ساحة المسجد و الذي يضفي على المكان جواً من الرهبة و القداسة و شيئاً من الخوف!
تجول في الصفوف الخلفية حيث عجائز النسوة ينتظرن إقامة الصلاة، تفحص بنظرات خجولة متلهفة وجوههم نصف المكشوفة بحثا عنها، إلا أنها لم تكن بينهن، و المكان المنزوي الذي تعود أن يتركها فيه وجده خالياً تسكنه وحشة جعلت القشعريرة تسري في أوصاله، تراجع إلى صفوف الرجال و هو مشغول الفكر بها، فهو لا يعرف أين ذهبت!
إنه قلقٌ..!!
فكر فيما كان يريد أن يسألها عنه عندما يعود من المخبزة، فكر في الاسم الذي ناداه به الأستاذ أثناء الحصة و الذي كان يسمعه كثيراً دون أن يعي جزأه الثاني و لا أن يلفت انتباهه اسم ذلك الرجل المقرون باسمه!
يتذكر جيداً سؤال الأستاذ الذي لم يجب عليه:
- اسماعيل ولد محمد .. سمعت أحدهم يقرؤها مضموماً.. الدال مضمومٌ أم ساكن؟!!
مضمومٌ أم ساكن!!.. من أين له أن يعرف حركة الحرف الأخير من اسم شخص لم يعرف عنه أبسط التفاصيل، حتى و كأن هذا الاسم يطرق سمعه للمرة الأولى!!
أراد أن يحيل السؤال إلى جدته و ينتظر الإجابة بشغفٍ ليسألها بعد ذلك عن "محمد"..!
سيدعه الآن ساكناً ريثما يجد الجواب عله يحمل معه سبباً لضمه و رفعه..!
و لكن سؤاله سيحمل جميع أدوات الاستفهام و علامات التعجب.. منْ و كيفَ.. متى و أين.. و لماذا..!
من خلال زحمة الأفكار و البشر في المسجد امتدت إليه يد و سحبته بسرعة و قوة، كانت يد الخال عبدو الذي رأى في وجهه نظرة تشبه التي رمقه بها في لقائهما الأول، و بوادر الدمعة الماضية تلوح في محياه!
أراد أن يسأله عنها فربما يكون رافقها إلى المسجد أو رآها خلال تجواله في الساحة، إلا أن الخال عبدو كان قد تقدم به إلى الصف الأمامي حيث يقبع شبح جسد بشري ممدد على الأرض و ملفوف بعناية في ثوب أبيض..
أراد أن يسأله عنها.. إلا أن الخال عبدو تقدم خطوتين إلى الأمام، رفع يديه إلى الأعلى لبعض الوقت ثم كبرَ بصوتٍ عالٍ
..(الله أكبر)..
كبر الجميع من بعده بصوت عالٍ و مجلجلٍ، رفع يديه و كبر فقد علمته كيف يكبر و كيف يخشع مطأطأً رأسه إلى الأرض، جعلته يحفظ تلك الآيات القرآنية التي بدأ يرتل بصوت خافتٍ، و علمته أن يضع يديه على صدره، علمته الكثير.. مما كان يقوم به و هو يفكر في المكان الذي توجد فيه!
توالت التكبيرات.. ثم كان التسليم حيث قال بخشوع و نظراته إلى الأرض
..(السلام عليكم)..
التفت إليه الخال عبدو و أمسك بيده فأراد أن يسأله عنها.. إلا أن الرجال المندفعين نحو الجنازة لم يمنحوه فرصة، فوجد نفسه مندفعاً بينهم في اتجاه المقبرة و الجنازة فوق رؤوسهم تعلوها غيمة من الغبار الذي تثيره أقدام الرجال المتزاحمة..
لا زالت يد الخال عبدو تمسك به فيما هو يريد أن يسأله عنها، تجاوز الموكب بعض القبور قبل أن يصل قبراً جديداً، رآه فاغراً فاه مستعداً لمن يرغب في الإضجاع الأبدي!


دمتم بكل حب
يتواصل..

الشيخ محمد
17-12-2008, 12:18 AM
سرى فيه خوف عند رؤيته ذلك القبر الضيق..
أحس بضيق في التنفس و ثقلٍ في أطرافه، أحس بالأرض تتحرك من تحته و كل شيء يتبدل و يتغير، السماء صارت جرحاً نازفا ترسل سحابا من الدم الساخن، و القبور انشقت فخرجت منها أشجارٌ قصيرةٌ أغصانها لا لون لها و أوراقها مسننة لها وميض و حفيف كالهمس بتعاويذ سحرية!
استحالت وجوه الرجال من حوله صور هلامية رمادية تتقشر مع هبوب الريح، و ابتسامة شيطانية تلوح منها!
رأى الثوب الذي يلف الجنازة يذوب ببطءٍ، و شيئاً فشيئاً تراءت له الجدة من وراء الثوب، كانت بيضاء كالشعلة المضيئة، وضع يديه على عينيه للحظة من شدة النور الصادر منها، استوت واقفةً ابتسمت في وجهه و بدأت تعلو شيئاً فشيئاً، أراد أن يسألها أين كانت طول الوقت، إلا أنها كانت تبتعد عنه و بصرها إلى الأعلى..
أراد أن يصرخ باسمها، أن يناديها علها تسمعه فتعود، أن يطرح عليها آخر سؤالٍ دار في ذهنه، إلا أنه اكتشف أن حنجرته تيبست و صارت صلبة لا تطيعه!
أراد أن يلحق بها فأحس بشيء يشده إلى الأسفل، رأى تلك الشجيرات تلف ساقيه و أوراقها مغروسة في عروقه و هي تصدر نفس التعاويذ السحرية!!
رآها تغيب في ثنايا الجرح السماوي صامتة فيندمل الجرح و تتوقف الأمطار الدموية!
غابت؟!!
نعم.. غابت عندما احتاجها لتجيب على آخر أسئلته، هي التي كانت دوما جاهزة لتمنحه الجواب الشافي و الكافي لجميع أسئلته البريئة و السخيفة!
لماذا لم يخطر بباله هذا السؤال من قبل ليطرحه عليها و ينفجر من بعده بالبكاء!
يعرف أنها لن تبكي لبكائه و إنما ستنهره و تقول له "مر الرجاله ما يبكو"، ثم ستنحني عليه بحنان و نظرة خبيثة تشع من عينيها لتقول له "لا إشوفوك امنات الناس تبكي!"..
غير أنه في هذه المرة سيبكي بصوت مسموع.. سيصرخ و يولول و لن يأبه لبنات الجيران و نظراتهم الشيطانية لكل ما هو رجولي، نظرات مشبعة بالشهوة و النزوة.. و البراءة!
نظرات من التنزيه و كأن الرجل كائن مقدس، صنعته يد نحات من رخام صلد لا يحس و لا يتأثر إلا بقدر ما يثير فيهن إحساسهن بنضج أنوثتهن!
أما أن يحزن فذلك أمر غريب، يجعل الأسئلة تدور حول جدوائيته كرجل!
سيبكي و يجعل معدل التقديس ينخفض في تلك النظرات إلى مستوى الدمع، و الانكسار أمام رجل يبكي!
نعم سيبكي غير آبه بما يقال و ما سيقال، و ما ستختزنه نظرات أهل القرية من شفقة كاذبة أقرب هي إلى الاحتقار!
فالبكاء في القرية لا يمارسه إلا من يريد إثبات شيء كاذبٍ، أما الرجال فلا يبكي منهم إلا من يجري في عروقه دم أنثوي!
نعم.. كان لديه شك دائم في دماءه التي يحس الآن أنها لامرأة منحته روحها!
فدماءه لم تعد نقية من اليوم، أصبحت ذات نكهة حزينة رقيقة كالمرأة في قريته!
كان يوقن أن بداخله أنثى تقتات رجولته تمنحه القدرة على الحزن بصوت مسموع، على تحدي مجتمع لا يتقبل البكاء في حوزته!
سيتحدى مجتمعه، و يتجاهل نظرات جدته التي تدعوه إلى الصمت، سيصرخ بسؤاله عالياً!
سيلح في طلب الجواب، ثم يصوم الأسئلة بعد ذلك!
سيكره الأسئلة.. كل الأسئلة، و كل الأشياء التي غابت عنه و التي يجهلها، سيعاقر الصمت بقية عمره، ويدفن لسانه بين قبرين!
قبرين.. دفن في أحدهما سؤالاً و في الآخر جواباً!
و ستكون وصيته بأن تصلب جثته بين هذين القبرين، تماماً كما صلب في العمر بين سؤال و جواب!!
سوف يكون آخر ضحية لحقيقة بقيت مخفية عنه مدة من الزمن، فمجتمعه الذي يهاب الكلام يعرف كيف تبقى الحقيقة طي الكتمان، دون أن تتسرب إلى من يحتاجها ليعيد عليها ترتيب مصادر الحزن في حياته!
كان سكان القرية و فيهم الخال عبدو قد رأوا الوقت مناسباً لأن يسمع الحقيقة!
لأن يولد من جديد، عندما رأوه يذرف دموع الأمومة على جدته!
طريقة قاسية في تأجيل الحزن إلى حين ينضج الإنسان و يصبح لديه قدرة أكبر على البكاء و الألم.. و الشوق إلى الرجوع إلى العدم!
انتظروه حتى غادرته أمه التي عرف في صغره و التي ربته و سقته ماء الحياة الأول، أمه التي منحته كل معاني الأمومة غير ناقصة و لا مبتورة!
فأتوه و هو يفكر في أي نوع من الحزن يختار لها فيلبسه عند قبرها!
لم يكن راضيا عن الحزن المتوفر في قريته فأراد أن يخلق حزناً جديداً، أو يجلب حزناً من كواكب العتمة الفضائية و الظلمة الكونية فهي وحدها التي بمقدورها أن تحزن بعمق معه!
أن تلامس الفراغ بداخله، و تذوق طعم الغياب في حياته الباقية!
فكل الفراغات صارت تشبهه، و كل معاني الفقدان صارت أكثر عمقاً في نظره، صار يفهمها بشكل أفضل الآن.. الآن فقط!
أتوه و حسن النية يختط ملامحهم، و حزن مشبوه..
أخبروه أنها جدته و أن أمه هي صاحبة القبر المجاور لقبر جدته الطري!!
تحسس مواقع أقدامه و هو يقف بين القبرين.. أطلق صيحة كان قد اختزنها من يوم ميلاده الأول!!



..النهاية..

دمتم بكل خير..

شيفرة
18-12-2008, 05:04 AM
أستاذي الفاضل الشيخ :

جميل هذا السرد ..

أخذت جرعة أولى وسأعود لأكمل ..

خالد ول الغزالي
18-12-2008, 09:53 AM
كنتُ هنا يا شيخ منذو البداية ولا أزال..
أكثر القصص متعتة تلك التي تشدك بشغف من أول السطر إلى آخر حرف فيها، ثم تقول هل من مزيد..

تحياتي لك..

الشيخ محمد
18-12-2008, 02:58 PM
جميل هذا السرد ..

شيفرة

لا شك سأكون فخوراً، ليس بالسرد نفسه و إنما بهذه الشهادة منكـ ..


أخذت جرعة أولى وسأعود لأكمل ..

أهلاً بحجم حضورك هنا..


كنتُ هنا يا شيخ منذو البداية ولا أزال..

خالد.. يهمني كونك هنا.

أهلا بك يا صديقي العزيز


شكراً لحضوركم.. دمتمْ

ساخر جدا
18-12-2008, 05:06 PM
أحس بالأرض تتحرك من تحته و كل شيء يتبدل و يتغير، السماء صارت جرحاً نازفا ترسل سحابا من الدم الساخن، و القبور انشقت فخرجت منها أشجارٌ قصيرةٌ أغصانها لا لون لها و أوراقها مسننة لها وميض و حفيف كالهمس بتعاويذ سحرية...

انتقال مبهر بين الواقع والخيال، يين الغرفة والقبر..
قدرة مميزة على الوصف ومزج الأفكار ليخرج هذا الكوكتيل اللذيذ..

لينك تفكر في مناسبة الكلمة "خبيثة" للموقف في: ثم ستنحني عليه بحنان و نظرة خبيثة تشع من عينيها ...
دمت بألف خير وعافية.. ننتظر الجزء الرابع..

الزين
20-12-2008, 10:12 PM
جميل أن يكون منا من يستطيع السرد بهذا المستوى دون أن يشعر القارئ بالملل .. لا بل يجعله فى أثناء تنقله بين الأسطر يشعر وكأنه يشاهد فقرات مسرحية مشوقة لا يتمنى أن تنتهى بسرعة يحب مشاهدتها مرات ومرات
شكرا لك يا شيخ أمتعتنا نحن الذين لا وقت لنا للحاسوب فكيف برواد المشهد المعتمدين
أنا أفتخر بقراءتى لك مثل هذه النصوص الحالدة
دمت ودام المشهد فى عطاء مستمر

الشيخ محمد
21-12-2008, 11:09 AM
الفاضل ساخر جداً شكراً لتواجدك هنا.. و لقراءتي :)


لينك تفكر في مناسبة الكلمة "خبيثة" للموقف في: ثم ستنحني عليه بحنان و نظرة خبيثة تشع من عينيها ...

ملاحظة راقية..
ذات مرة "سمعتٌ" أحلام تقول ما معناه أن من أصعب الأمور و أكثرها ألماً أن يفسر الإنسان ما يكتب.. و بما أنني لم أصل بعد إلى مرتبة الـ "يكتب" تلك فإنني أقول لك بأنني حاولت التعبير من زاوية طفلٍ غاضبٍ و حزين.. و لا يزال تحت تأثير الصدمة الأولى!!
ربما لم أوفق كثيراً..


ننتظر الجزء الرابع..

لعلها حطت الرحال هنا :d

أهلاً بك

الشيخ محمد
21-12-2008, 11:30 AM
أنا أفتخر بقراءتى لك مثل هذه النصوص الخالدة


أستاذي الزين شكراً لإطرائكم الذي فعلاً منحني دفعة معنوية قوية..

أنا أيضا فخور بقراءتكم لهذه الأشياء التي بعثرت هنا..!

أهلاً بكم

إبراهيم ولد محمدأحمد
21-12-2008, 12:59 PM
خطوة فى الطريق الصحيح
تابع وستصل
قرأت ماسطرت مرات
عمل جيد

الشيخ محمد
22-12-2008, 02:27 AM
...

أستاذي القدير الثقافة شكراً لتواجدكم هنا، فشهادتكم ذات قيمة عالية عندي و تشجيعكم يهمني كثيراً..

أهلاً بكم..

عاشقة الجنان
23-01-2009, 11:47 AM
فعلا كتابة اكثر من رائعة.................
واثناء القراءة استغربة من نفسي الإني الأول مرة أصل هذه الدرجة من المتعة اثناء القراءة
شكرا أخي الكريم و وفقنا الله وإياك لما يحبه الله ويرضاه