المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : آخر يوم في حياة ..



ساخر جدا
02-12-2008, 09:24 PM
كان ذلك آخر يوم في حياته القصيرة.. كان شابا في الثامنة عشرة من عمره مندفعا محبا لفعل الخير.. كانت بطولات الصحابة تملأ رأسه.. كان يرى طلحة وهو يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد دفاع الأبطال.. كان يرى أبو عبيدة يفقد ثنيتاه وهو يشد على الحلقة التي أصابت وجه النبي بأسنانه حرصا على أن لا يؤذيه.. كان الجهاد في سبيل الله يلهب حياته.. وكان يعلم أن المجاهدين في الدرجات العلا من الجنة.. كان يعلم أن الموت في سبيل الله هو أشرف موت في الوجود..
كان رغم صغر سنه متوقد الذهن شديد الذكاء.. أخبروه بأن الجهاد في سبيل الله فرض على كل مسلم فأقر لهم بان الروح إن لم تبذل في سبيل الله فلا فائدة فيها.. أخبروه أن الناس كلهم كفار.. قالوا له أن النصارى كفار وأن اليهود كفار وأن حكام المسلمين ومن آمن بهم من المسلمين مجرد كفار..
- ولكنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويحجون البيت العتيق.. أجابوه:
- ولكنهم مع الظالمين.. حكمهم حكم الظالمين..
ترى هل حكم الظالمين هو التفجير.. كان رغم صغر سنه ذكيا قد اعتاد على استخدام عقله ولم يسمح يوما للهوى أن يكون دليله.. كانت تساؤلات كثيرة تملأ عقله الصغير.. ترى هل يعقل أن نعبد الله بغير الطريقة التي أمرنا أن نعبده بها.. لو كان الأمر كذلك لكانت عبادة اليهود صحيحة.. إذا فالعبادات تكون بالواجب والمستحب وإلا لصلى من شاء كيف شاء.. فهل من الواجب أو المستحب إزهاق الأرواح لمجرد أن أصحابها كفار في نظر بعض المتأولين الضلال..
كانت تلك الليلة ليلة عمليته الكبرى.. ففيها سيفجر نفسه وسط جيش أعزل من السياح الغربيين الكفرة ومن طوعت له نفسه حراستهم أو مرافقتهم من المسلمين الكفرة..
ألقى نظرة متفحصة على حزامه المتفجر.. ترى هل ستحملني إلى الجنة أم إلى جارتها النار.. ترى هل ستحرقني في الدنيا قبل الآخرة أم ستنجيني من العذاب.. كم أحب الجنة.. وكم أنا خائف من الإنحراف عن سبيلها..
سمع طرقا على الباب فغمغم بحزن:
- تفضل..
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
ترى ما معنى السلام.. ما معنى السلام عليكم..
كرر الداخل السلام وهو يقول:
- هل مازلت تحلم كعادتك.. تعوذ بالله من الشيطان الرجيم..
الشيطان الرجيم.. كم هو عبقري هذا الشيطان الرجيم إن أوقعنا في الجحيم من باب أشق العبادات على أنفسنا..
أجاب بتثاقل:
- وعليك السلام ورحمة الله تعالى وبركاته..
- لم يبق على موعدنا سوى الساعتين عليك الاستعداد قبلهما.. لا تنس أن تتوضأ وتصلي ركعتين فأنت مقبل الليلة على الجنة.. أطهر المنازل..
مقبل على الجنة.. ترى هل يعلم الغيب..
همس لصاحبه بصوت وجل:
- انا غير مطمئن لهذه العملية.. أنا.. أنا لم أقتل نملة في حياتي متعمدا فكيف أزهق أرواح البشر..
- إنهم كفرة.. كفرة.. ألا تفهم..
ابتسم بشرود وهو يقول:
- هل واجبنا كمسلمين قتل الكفرة أم هدايتهم إلى جنتنا..
- واجبنا هدايتهم.. ولكن حكامهم قد ظلمونا..
ابتسم مجددا وهو يقول:
- هل تقتل كل من ظلمك..
أجابه صاحبه:
- دعك من هذا واعلم أنك إنما تجاهد في سبيل الله..
ولكن الجهاد له ضوابط وأنا سائلك فأجبني:
- إن كنت تعرف فرعون.. ورأيته في مكان مزدحم بالمسلمين وفيه أيضا كفار مثله وخيرت بين قتله وقتل الجميع وبين تركه وترك الجميع فهل تقتله..
شد صاحبه حزامه المتفجر على وسطه وألقى عليه نظرة نارية وهو يقول:
- لو كان فرعون يحتمي بكوكب الأرض كله لفجرت الكوكب بما فيه على رأسه..
ضحك بمرارة وهو يقول بخفوت:
- ولكن الله تعالى قال لموسى: وقولا له قولا لينا.. الله سبحانه وتعالى أعطاه فرصة للحياة في نعمة الهداية فكيف نسرق نحن حياة الآخرين.. ما أدرانا أنهم لن يهتدوا أو يعدلوا.. هل نقلب قلوبهم أو نطبع عليها.. أليست الهداية بيد الله فهو القادر على هداية الكافر بعد عمر طويل في الفواحش ما ظهر منها وما بطن وإدخاله الجنة.. وهو القادر في نفس الوقت على إضلال مسلم أمضى مثل عمره في العبادة وإدخاله النار.. لا تنسى أن الإسلام يجبّ ما قبله..
أجابه صاحبه:
- دعك من هذه الفلسفة ولا تكن جبانا في آخر لحظة..
- قلب الحزام المتفجر بين يديه وهو يقول:
- حتى في حالة الحرب لم يأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل جميع النصارى أواليهود.. بالعكس أمرنا أن لا نهدم كنائسهم وأن لا نقتل رهبانهم ولا نسائهم ولا أطفالهم.. اليهود والنصارى عاشوا مع الرسول فهل سمعت يوما أنه كان يقتلهم لمجرد أنهم كفار.. بل دعاهم كما دعا العرب إلى هذا الدين الرحيم الذي هو لجميع الناس.. فأسلم النصراني واليهودي والمجوسي وكان منهم العلماء والمجاهدون والمسلمون العاديون.. ولا تنسى أن الدنيا دار ابتلاء نحن مبتلون فيها بأقرب الناس إلينا وواهم من ظن أنها ستصبح في يوم من الأيام جنة من جنان عدن.. والعاقل من يخرج من هذا الامتحان ناجحا بمعدل يضمن له إحدى الدرجات العليا في الجنة.. لا من يلقى ربه وقد سفك دم فلان واغتصب مال فلان وأضل فلان..
أجابه صاحبه بانفعال:
- ولكن العالم كله يحارب المسلمين اليوم..
نظر إليه بتأمل وهو يقول:
- هذا من ضمن الإبتلاء.. ولا يعني أن يعتدى علينا أن نكون من المعتدين.. ثم كيف نقتل من يشهد أن لا إله إلا الله لمجرد أنه جندي من جنود الحاكم يطعم ابنائه الصغار من راتب حكومته.. لماذا تقتله.. هل حكم الزاني وقد يتوب في أية لحظة القتل.. هل حكم المتبرجة وقد تتوب في أية لحظة القتل.. هل حكم المشرك وقد يسلم في أية لحظة القتل.. ألا ترى معي أن في ديننا العظيم فسحة..
- ولكنهم ارتدوا بمعاونتهم للحكام الذين يعاونون الكفار..
ضحك مجددا وهو يقول:
- يسمى مرتدا من أعلن بوضوح انسلاخه من شهادة لا إله إلا الله محمدا رسول الله.. وهذا يستتاب ثلاثة أيام قبل أن يقتل ولا يتربص به في الطرقات ليذبح كالخروف.. أما غير ذلك فمجرد كلام الحاقدين.. نحن كبشر لا نملك جنة ولا نارا حتى نحكم على مثلنا بأنه خارج من الجنة أو داخل في النار بل علينا أن نكون مثل نبينا نهدي الناس إلى الطريق ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.. ليس لنا من الأمر شيء بل الأمر كله لله.. يا عزيزي.. نحن ضعفاء يجب علينا أن ننتبه لأنفسنا حتى قبل كل شيء حتى ننجو من شر أعمالنا.. ولا تنس قول نبيك الكريم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.. فو الله لو أجتمع مشايخنا كلهم على تبرير قتل الناس لما وسعتهم خيمة المنطق..
- دعك من هذا فقد فات الأوان.. ضع حزامك الناسف وتوكل على الله..
- أتوكل عليه في ما لم يأمرني به..
- ولكنك تجاهد في سبيله..
- بقتل الأبرياء المعاهدين والمسلمين..
- بل بقتل الكفار..
رمى الحزام من يده وهو يقول لصاحبه:
- أثبت لي فقط أنهم كفار.. أثبت لي أن حق الكافر علينا كمسلمين هو القتل لا الهداية.. قل لي بأن الإسلام حكرا على جماعة من الناس دون أخرى.. أخبرني بأن الحاكم يستحيل أن يكون أعلم مني ومنك وأكثر صلاة ومعرفة بالله.. قل لي بانك تعلم الغيب وما تخفي الصدور وتعلم متى يجب أن تقتل أحدهم ومتى يجب أن تحييه..
نظر إليه صاحبه بإستغراب وهو يقول:
- ولكنك كنت أشجعنا..
- ليس الأمر أمر شجاعة أو جبن.. الأمر أكبر من ذلك فهي الجنة أو النار.. فو الله لأن أطيل في عمري بدل الانتحار -الحرام حتى في المعركة- وأتزوج ببنت الحلال التي تسعدني وأسعدها وأعبد الله مائة عام في الصحراء أرى الشمس والقمر في كل يوم منها لخير لي من أن أدخل نفسي في متاهات شبهة إتفق كل علماء المسلمين المعترف بهم اليوم على ضلالها..
رمى صاحبه الحزام الناسف من يده وعانقه وهو يقول والدموع تملأ عينيه:
- صدقت والله.. خير لنا أن يحيا الناس بسببنا بدل أن يموتوا.. إذا كنا حقا شجعانا كما ندعي فلنجعل قوتنا في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.. لنحب الناس جميعا ولنتمنى لهم الهداية جميعا فنحن لا نملك أرواحهم لنحييهم أو نميتهم متى شئنا..
ابتسم وهو يضم صاحبه إليه:
- صدقت.. الإسلام دين رحمة لا دين قنبلة ونقمة.. لم يكن المسلم يوما سبابا ولا لعانا فكيف يكون مفجرا..
- صدق الله العظيم عندما قال لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.. ما أخطر الجهل وحفيده الغلو على الإنسان..
أحس بطمأنينة تسري في عروقه وهتف بسعادة:
- والله لأن ألقى الله بطاعة مؤكد قبولها خير لي من ألقاه أقول كنت أظن كذا أو قالوا لي كذا أو رأيت المجاهدين في الفضائيات يفعلون كذا..

قاما بإتلاف المتفجرات وغادرا المكان في هدوء وطمأنينة.. همس لصاحبه بفرح:
- لقد ربحنا حياتنا وحياة الآخرين..
رد عليه كالحالم:
- كم هي جميلة وبسيطة الحياة..

ما أجمل أن يحيي المسلم أخوه الإنسان بالإسلام.. ما أجمل أن يهديه إلى قراءة القرآن.. ما أجمل أن يهديه إلى أجمل الجنان.. ما أجمل أن يجعل منه أخا له في الله يحب له ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لها.. وما أقبح قتل النفس.. ما أقبح قتل الأبرياء المسالمين الغافلين.. ما أقبح إدخال الرعب إلى القلوب المطمئنة.. ما أقبح هدر دماء المسلمين..

من أنت أيها مسلم حتى تحكم بكفر أخوك وأنت تعلم أن الرسول قبل من المنافقين ظواهرهم وترك بواطنهم لله وهم في الدرك الأسفل من النار.. من أنت حتى تقتل إنسانا وواجبك أن تحييه بالإسلام.. من أنت حتى تحيي من تشاء وتميت من تشاء.. انتبه فليست القضية مجرد إطلاق رصاصات في الهواء أو نزع فتيل قنبلة نائمة منذ شهور.. أو حماسة يبددها الإنفجار.. المسألة أكبر من ذلك بكثير..



النهاية..
:)

بنت دجه ورجه
04-12-2008, 08:29 AM
يعطيك العافية
موضوعك غاية فى الروعة استمتع كثيرا بقراءتة
فى انتظار جديدك

كل الود

ساخر جدا
06-12-2008, 02:17 PM
شكرا كثيرا على الرد الجميل ودمت بالف خير وعافية..

ساخر جدا
23-12-2008, 04:28 PM
آخر ليلة في حياة إرهابي..

كان ذلك آخر يوم في حياته القصيرة.. كان شابا في الثامنة عشرة من عمره مندفعا محبا لفعل الخير.. كانت بطولات الصحابة تملأ رأسه.. كان يرى طلحة وهو يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد دفاع الأبطال.. كان يرى أبو عبيدة يفقد ثنيتاه وهو يشد على الحلقة التي أصابت وجه النبي بأسنانه حرصا على أن لا يؤذيه.. كان الجهاد في سبيل الله يلهب حياته.. وكان يعلم أن المجاهدين في الدرجات العلا من الجنة.. كان يعلم أن الموت في سبيل الله هو أشرف موت في الوجود..
كان رغم صغر سنه متوقد الذهن شديد الذكاء.. أخبروه بأن الجهاد في سبيل الله فرض على كل مسلم فأقر لهم بان الروح إن لم تبذل في سبيل الله فلا فائدة فيها.. أخبروه أن الناس كلهم كفار.. قالوا له أن النصارى كفار وأن اليهود كفار وأن حكام المسلمين ومن آمن بهم من المسلمين مجرد كفار..
- ولكنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويحجون البيت العتيق.. أجابوه:
- ولكنهم مع الظالمين.. حكمهم حكم الظالمين..
ترى هل حكم الظالمين هو التفجير.. كان رغم صغر سنه ذكيا قد اعتاد على استخدام عقله ولم يسمح يوما للهوى أن يكون دليله.. كانت تساؤلات كثيرة تملأ عقله الصغير.. ترى هل يعقل أن نعبد الله بغير الطريقة التي أمرنا أن نعبده بها.. لو كان الأمر كذلك لكانت عبادة اليهود صحيحة.. إذا فالعبادات تكون بالواجب والمستحب وإلا لصلى من شاء كيف شاء.. فهل من الواجب أو المستحب إزهاق الأرواح لمجرد أن أصحابها كفار في نظر بعض المتأولين الضلال..
كانت تلك الليلة ليلة عمليته الكبرى.. ففيها سيفجر نفسه وسط جيش أعزل من السياح الغربيين الكفرة ومن طوعت له نفسه حراستهم أو مرافقتهم من المسلمين الكفرة..
ألقى نظرة متفحصة على حزامه المتفجر.. ترى هل ستحملني إلى الجنة أم إلى جارتها النار.. ترى هل ستحرقني في الدنيا قبل الآخرة أم ستنجيني من العذاب.. كم أحب الجنة.. وكم أنا خائف من الإنحراف عن سبيلها..
سمع طرقا على الباب فغمغم بحزن:
- تفضل..
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
ترى ما معنى السلام.. ما معنى السلام عليكم..
كرر الداخل السلام وهو يقول:
- هل مازلت تحلم كعادتك.. تعوذ بالله من الشيطان الرجيم..
الشيطان الرجيم.. كم هو عبقري هذا الشيطان الرجيم إن أوقعنا في الجحيم من باب أشق العبادات على أنفسنا..
أجاب بتثاقل:
- وعليك السلام ورحمة الله تعالى وبركاته..
- لم يبق على موعدنا سوى الساعتين عليك الاستعداد قبلهما.. لا تنس أن تتوضأ وتصلي ركعتين فأنت مقبل الليلة على الجنة.. أطهر المنازل..
مقبل على الجنة.. ترى هل يعلم الغيب..
همس لصاحبه بصوت وجل:
- انا غير مطمئن لهذه العملية.. أنا.. أنا لم أقتل نملة في حياتي متعمدا فكيف أزهق أرواح البشر..
- إنهم كفرة.. كفرة.. ألا تفهم..
ابتسم بشرود وهو يقول:
- هل واجبنا كمسلمين قتل الكفرة أم هدايتهم إلى جنتنا..
- واجبنا هدايتهم.. ولكن حكامهم قد ظلمونا..
ابتسم مجددا وهو يقول:
- هل تقتل كل من ظلمك..
أجابه صاحبه:
- دعك من هذا واعلم أنك إنما تجاهد في سبيل الله..
ولكن الجهاد له ضوابط وأنا سائلك فأجبني:
- إن كنت تعرف فرعون.. ورأيته في مكان مزدحم بالمسلمين وفيه أيضا كفار مثله وخيرت بين قتله وقتل الجميع وبين تركه وترك الجميع فهل تقتله..
شد صاحبه حزامه المتفجر على وسطه وألقى عليه نظرة نارية وهو يقول:
- لو كان فرعون يحتمي بكوكب الأرض كله لفجرت الكوكب بما فيه على رأسه..
ضحك بمرارة وهو يقول بخفوت:
- ولكن الله تعالى قال لموسى: وقولا له قولا لينا.. الله سبحانه وتعالى أعطاه فرصة للحياة في نعمة الهداية فكيف نسرق نحن حياة الآخرين.. ما أدرانا أنهم لن يهتدوا أو يعدلوا.. هل نقلب قلوبهم أو نطبع عليها.. أليست الهداية بيد الله فهو القادر على هداية الكافر بعد عمر طويل في الفواحش ما ظهر منها وما بطن وإدخاله الجنة.. وهو القادر في نفس الوقت على إضلال مسلم أمضى مثل عمره في العبادة وإدخاله النار.. لا تنسى أن الإسلام يجبّ ما قبله..
أجابه صاحبه:
- دعك من هذه الفلسفة ولا تكن جبانا في آخر لحظة..
- قلب الحزام المتفجر بين يديه وهو يقول:
- حتى في حالة الحرب لم يأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل جميع النصارى أواليهود.. بالعكس أمرنا أن لا نهدم كنائسهم وأن لا نقتل رهبانهم ولا نسائهم ولا أطفالهم.. اليهود والنصارى عاشوا مع الرسول فهل سمعت يوما أنه كان يقتلهم لمجرد أنهم كفار.. بل دعاهم كما دعا العرب إلى هذا الدين الرحيم الذي هو لجميع الناس.. فأسلم النصراني واليهودي والمجوسي وكان منهم العلماء والمجاهدون والمسلمون العاديون.. ولا تنسى أن الدنيا دار ابتلا نحن مبتلون فيها بأقرب الناس إلينا وواهم من ظن أنها ستصبح في يوم من الأيام جنة من جنان عدن.. والعاقل من يخرج من هذا الامتحان ناجحا بمعدل يضمن له إحدى الدرجات العليا في الجنة.. لا من يلقى ربه وقد سفك دم فلان واغتصب مال فلان وأضل فلان..
أجابه صاحبه بانفعال:
- ولكن العالم كله يحارب المسلمين اليوم..
نظر إليه بتأمل وهو يقول:
- هذا من ضمن الإبتلاء.. ولا يعني أن يعتدى علينا أن نكون من المعتدين.. ثم كيف نقتل من يشهد أن لا إله إلا الله لمجرد أنه جندي من جنود الحاكم يطعم ابنائه الصغار من راتب حكومته.. لماذا نقتله.. هل حكم الزاني وقد يتوب في أية لحظة القتل.. هل حكم المتبرجة وقد تتوب في أية لحظة القتل.. هل حكم المشرك وقد يسلم في أية لحظة القتل.. ألا ترى معي أن في ديننا العظيم فسحة..
- ولكنهم ارتدوا بمعاونتهم للحكام الذين يعاونون الكفار..
ضحك مجددا وهو يقول:
- يسمى مرتدا من أعلن بوضوح انسلاخه من شهادة لا إله إلا الله محمدا رسول الله.. وهذا يستتاب ثلاثة أيام قبل أن يقتل ولا يتربص به في الطرقات ليذبح كالخروف.. أما غير ذلك فمجرد كلام الحاقدين.. نحن كبشر لا نملك جنة ولا نارا حتى نحكم على مثلنا بأنه خارج من الجنة أو داخل في النار بل علينا أن نكون مثل نبينا نهدي الناس إلى الطريق ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.. ليس لنا من الأمر شيء بل الأمر كله لله.. يا عزيزي.. نحن ضعفاء يجب أن ننتبه لأنفسنا حتى لا نقع في شر أعمالنا.. ولا تنس قول نبيك الكريم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.. فو الله لو أجتمع مشايخنا كلهم على تبرير قتل الناس لما وسعتهم خيمة المنطق..
- دعك من هذا فقد فات الأوان.. ضع حزامك الناسف وتوكل على الله..
- أتوكل عليه في ما لم يأمرني به..
- ولكنك تجاهد في سبيله..
- بقتل الأبرياء المعاهدين والمسلمين..
- بل بقتل الكفار..
رمى الحزام من يده وهو يقول لصاحبه:
- أثبت لي فقط أنهم كفار.. أثبت لي أن حق الكافر علينا كمسلمين هو القتل لا الهداية.. قل لي بأن الإسلام حكرا على جماعة من الناس دون أخرى.. أخبرني بأن الحاكم يستحيل أن يكون أعلم مني ومنك وأكثر صلاة ومعرفة بالله.. قل لي بانك تعلم الغيب وما تخفي الصدور وتعلم متى يجب أن تقتل أحدهم ومتى يجب أن تحييه..
نظر إليه صاحبه بإستغراب وهو يقول:
- ولكنك كنت أشجعنا..
- ليس الأمر أمر شجاعة أو جبن.. الأمر أكبر من ذلك فهي الجنة أو النار.. فو الله لأن أطيل في عمري بدل الانتحار -الحرام حتى في المعركة- وأتزوج ببنت الحلال التي تسعدني وأعبد الله مائة عام في الخلاء أرى الشمس والقمر في كل يوم منها لخير لي من أن أدخل نفسي في متاهات شبهة إتفق كل علماء المسلمين المعترف بهم اليوم على ضلالها..
رمى صاحبه الحزام الناسف من يده وعانقه وهو يقول والدموع تملأ عينيه:
- صدقت والله.. خير لنا أن يحيا الناس بسببنا بدل أن يموتوا.. إذا كنا حقا شجعانا كما ندعي فلنجعل قوتنا في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.. لنحب الناس جميعا ولنتمنى لهم الهداية فنحن لا نملك أرواحهم لنحييهم أو نميتهم متى شئنا..
ابتسم وهو يضم صاحبه إليه:
- صدقت.. الإسلام دين رحمة لا دين قنبلة.. لم يكن المسلم يوما سبابا ولا لعانا فكيف يكون مفجرا..
- صدق الله العظيم عندما قال لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.. ما أخطر الجهل وحفيده الغلو على الإنسان..
أحس بطمأنينة تسري في عروقه وهتف بسعادة:
- والله لأن ألقى الله بطاعة مؤكد قبولها خير لي من ألقاه أقول كنت أظن كذا أو قالوا لي كذا.. أو رأيت المجاهدين في الفضائيات يفعلون كذا..

قاما بإتلاف المتفجرات وغادرا المكان في هدوء وطمأنينة.. همس لصاحبه بفرح:
- لقد ربحنا حياتنا وحياة الآخرين..
رد عليه كالحالم:
- كم هي جميلة وبسيطة الحياة..

ما أجمل أن يحيي المسلم أخوه الإنسان بالإسلام.. ما أجمل أن يهديه إلى قراءة القرآن.. ما أجمل أن يهديه إلى أجمل الجنان.. ما أجمل أن يجعل منه أخا له في الله يحب له ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لها.. وما أقبح قتل النفس.. ما أقبح قتل الأبرياء المسالمين الغافلين.. ما أقبح إدخال الرعب إلى القلوب المطمئنة.. ما أقبح هدر دماء المسلمين..
من أنت يا مسلم حتى تحكم بكفر أخوك وأنت تعلم أن الرسول قبل من المنافقين ظواهرهم وترك بواطنهم لله وهم في الدرك الأسفل من النار.. من أنت حتى تقتل إنسانا وواجبك أن تحييه بالإسلام.. من أنت حتى تحيي من تشاء وتميت من تشاء.. انتبه فليست القضية مجرد إطلاق رصاصات في الهواء أو نزع فتيل قنبلة نائمة منذ شهور.. المسألة أكبر من ذلك بكثير..

النهاية..