المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طريق الجنون.. قصة قصيرة..



ساخر جدا
01-12-2008, 12:32 AM
في ظلمات يأسنا يشع دائما شعاع من الأمل.. تغذيه فينا غريزة الدفاع عن الوجود.. يكفينا للنجاة من الضياع أن نؤمن بقدرتنا على الإقتداء بنوره.. وبالعزيمة وحدها نشق طريقنا في ضوئه غير مبالين بالظلام الذي يبتلعنا..




طريق الجنون..

لم تكن المرة الأولى التي يجلس فيها وحده تحت تلك الشجرة الضخمة التي تقع على بعد أمتار قليلة منزله الدافئ.. لقد اعتاد على الجلوس تحتها وألفها كما ألف الجميع مناجاته العجيبة لها..

كان الظلام حالكا في تلك الليلة.. وكان الجو ينذر بالإنفجار في أية لحظة من اللحظات.. كانت عاصفة رعدية من عواصف الصيف الحانق تتجمع في السماء زاحفة من بعيد نحو المدينة الصغيرة.. كان ضوء البرق يحتل في كل ثانية حيزا أكبر من السماء.. أما صوت الرعد المدوي فكان ينذر بكمية لا بأس بها من المطر تكفي لإغراق شوارع المدينة..

ورغم الجو الغاضب.. جلس في مكانه مسندا ظهره إلى جذع الشجرة غير مبال بالهدوء الذي احتوى المدينة بأكملها..

غمغم بخفوت مخاطبا الشجرة:

- كم أحب العاصفة.. كم أعشق الهدوء الذي يبشر بها.. إنه يضمن لي على الأقل أن لا أحد سيخرج ليسخر مني..

دوى في تلك اللحظة صوت الرعد المزلزل فابتسم ابتسامة شيخ تذكر إحدى ذكرياته الغابرة وتمتم:

- كم كنت جبانا عندما كنت أخشى صوت الرعد الجميل..

لاح شبح من المنزل إقترب منه في خطى حذرة.. كانت والدته المسكينة.. طلبت منه والدموع تملأ عينيها أن يدخل عن العاصفة..

كان شيئا غريبا يجبره على التسمر في مكانه ويدفعه إلى الإلتصاق بقوة بجذع الشجرة فصرخ بأعلى صوته:

- دعوني.. دعوني وشأني..

اضرت الأم المسكينة إلى الإنسحاب إلى الداخل وهي تجر أذيال الحسرة على ابنها الوحيد الذي كان الجنون ينتزعه منها انتزاعا.. كان وحيدا بين كوكبة من البنات لم يكن بأوفر حظ في الحياة منه.. كان رب الأسرة المسكين قبل رحيله عن الدنيا يصارع من أجل اسرته الصغيرة.. وكان رغم ضعفه قنوعا غني النفس فربى ابنائه على معالي الأخلاق والمبادئ الكريمة..

أفاق من تخيلاته على صوت انفجار آخر فغمغم:

- ما أصعب أن تقسو الحياة على الإنسان ولكن قسوتها على الكريم لا تطاق..

لم يفلح مثل غيره في تكديس الشهادات الدراسية ولعل للقدر يد في ذلك.. لم يستوعب حينها مدى خطورة أن يكون بلا وجيه وبلا شهادات.. لم يتخيل في يوم من الأيام أن أعباء أسرته الثقيلة ستلقى على كاهله بعد أن يودع والده الحياة..

انهمر المطر في تلك اللحظات.. كان وقع حبيباته على الأرضية العطشى يضاهي قرع الطبول.. نظر بحنان إلى الشجرة التي تحميه من الماء وتمتم:

- اطمئني.. لن أطالبك بحمايتي من البلل.. لن أحملك فوق طاقتك كما فعلت معي الحياة..

نعم.. لقد طالبته الحياة بما لا قبل له به.. طالبته بدفع كرامته ثمنا لبريقها.. طالبته بخنق ضميره مقابل تجاوز أسوارها..

تردد في أعماقه صدى جملة والدته الشهيرة:

- ضح من أجل أخواتك الضعيفات فهن بلا حول ولا قوة..

انحدرت دمعة ساخنة على خده وهو يحيبها كما اعتاد:

- لن أبيع أخلاقي بكنوز الأرض.. لن أقتل نفسي ليحيا غيري..

انهمرت الدموع من عينيه لتختلط بمياه المطر وهو يزداد إطراقا مغمغما:

- نعم.. كان عليّ أن أضحي من أجلهن ولو بحياتي..

تردد في داخله صدى ضحكة أصغرهن وهي تمازحه:

- كنت أظن أنني أكثركم شرودا ولكنك لا تبارى فيه..

ابتسم رغم البرد الذي يسري في عروقه.. مسكينة.. ترى كيف حالها الآن.. كم هي قاسية الحياة.. هتف بمرارة:

- وكم هو قاس الإنسان..

كان في تلك اللحظات يحس بصفاء في تفكيره لم يعهده منذ بدأ في التوغل في تلك الطريق.. فقال مناجيا شجرته:

- هذه الحياة مجرد خير وشر فإذا كان الإنسان كله أحدهما فإن النتيجة هي المعاناة..

احس في تلك اللحظة برجفة شديدة.. نظر حوله بدهشة وهتف:

- يا لهي إني أخاطب شجرة..

نظر بإستغراب إلى السماء التي بدات تصفو مثل ذهنه.. هب واقفا كالملدوغ وهو يغمغم:

- يا إلهي هل انا مجنون..

نظر برعب إلى ثيابه البالية التى غسل المطر على جسده.. كان يراها أول مرة.. يا إلهي أيعقل هذا.. نظر إلى منزله الصغير وابتسم بسعادة وهو يهرول نحوه.. ترى كيف حالهن الآن.. استدار نحو الشجرة قبل أن يخطو إلى الداخل وهمس:

- كم هي عجيبة الحياة.. هذه المرة سأقبلها كما هيّ.. لن أتأثر بعواصفها.. ساكافح من اجل اسرتي الصغيرة.. لن أستسلم أبدا للضياع..

خطا إلى الداخل بخطوات خفيفة وسط دهشة أفراد العائلة.. لكن الإبتسامة الصافية التي رسم على وجهه ذكرتهم بأيامه الجميلة الغابرة فهبوا لإستقباله كمن عاد من سفر بعيد.. أو من طريق أبعد..


النهاية..

بقلم: سيد ولد أحمد
http://www.jeeran.com/photos/2153207/Picture38/?lang=a

احمد طالب
01-12-2008, 08:39 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

فقط اردت أن تعلم أنني مررت من هنا !!!

محمدسالم
01-12-2008, 09:01 AM
الأستاذ "ساخر جدا":
قصة قصيرة ممتعة تحمل نهاية سعيدة مغايرة تماما لكم الصفعات التي تعرض لها رئيس الجمهورية..
تقبل مروري..

الفراشة
07-12-2008, 03:11 PM
شكرا أخي الكريم ساخر جدا على هذه القصة الجميلة

تقبل مروري
الفراشة