المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العجوز السدار ..



سيد اخليل
26-11-2008, 01:01 AM
أيها العجوز أما آن لك أن تتوب..

:)
كان قد عُرف بغيرته على عبثه واستهزائه بقواعد الحياة الهادئة الشريفة.. كان يعيش على أنغام الخلوات المحرمة و الضحكات الرنانة وكانت مدينته الصغيرة تعج بالحالمين من أمثاله الذين لا دأب لهم إلا الهرولة وراء المواعيد الغرامية حيث كانت الأرجل الحافية تشق الطرقات المظلمة جنبا إلى جنب مع أرقى موديلات السيارات في سباق محموم نحو الفوز بالقليل من أوهام الحب المجانية التي توزعها الفتيات في الشارع على كل من هب ودب..

كان مجنونا بحبهن رغم احتفاله القريب بعيد ميلاده -أو موته- الستين.. كان عجوزا متهالكا باستطاعة أكثر الأطفال بلادة عد أسنانه المسوسة.. ورغم ذلك عرف بطيشه الذي رافقه منذ نعومة أظافره.. كان لا يهنأ بعيش إلا إذا استعرض حديثه العذب في مجالس تحفها الجميلات.. كان وفيا لتركة التسدار اللعينة التي ورث من شبابه الهالك.. كان صوت كؤوس الشاي الساخنة وهي تتراقص بين أيدي الجميلات يدير رأسه قبل جيبه.. كانت نوادره تسابق ريقه في طريقها إلا آذان حبيباته الساذجات..
لقد تزوج مائة مرة وطلق ألف مرة.. ولكن التسدار كان بمثابة رصاصة الرحمة التي يغتال بها استقامته المريضة.. كان يطارد فرائسه بنهم الضبع الجائع فلم تخلوا الشوارع ولا الأسواق من صولاته وجولاته حتى العجائز وقعن في شباكه.. كان قلبه المنهك يسأله بإلحاح "متى سأستريح من الدق كطبول السنغاليين".. لكنه لم يكن ليعرف الراحة يوما لأن نداء الحب كان أقوى من نداء العقل وسواد شعرهن كان أقوى من بياض شيبته..

كانت تلك الليلة نجمة أخرى تبرق في سماء تسداره.. أخيرا التقى الجميلة التي داعبت خياله المريض منذ صباه.. هاهو ذا بعد 60 عاما من اللف والدوران وتسلق الجدران يلتقي حبه الحقيقي..
كان كعادته يمسح شوارع مدينته عندما التقاها.. كانت صغيرة متفتحة ملكة بجمالها عجوزا بدلالها.. فأقترب منها زاحفا كالثعبان وهو يهش في وجهها قائلا:

- كاني بالقمر قد نجا من سقطته على الأرض..

أجابته وهي تلقي عليه نظرة ازدراء عابرة:

- واصل طريقك أيها المتعفن ولا تلتفت..

تردد في الحي صوت ضحكته العجيبة و هو يجيبها بمرح مفتعل:

- أول مرة أصادف جميلا دميم اللسان..

- تعوذت من الشيطان الرجيم وهي تصيح فيه: انصرف يا عفريت..

كانت تعتزم مواصلة طريقها فأمسك بجزء من ملحفتها (لباس المرأة التقليدي) وهو يقول:

- لم يكتمل تعارفنا بعد أيتها الجميلة الطائشة..

- قلت لك انصرف أيها الشيطان المتعفن..

تطاير الريق من نوافذ أسنانه وهو ينفجر ضاحكا:

- أول مرة أضحك من قلبي..

قالها وهو يخرج ألف أوقية من جيبه ويمسح بها دموعه وهو يقول بخبث الراشي:

- ترى هل كنت ذاهبة إلى الحانوت..

أصاب بريق الألف أوقية الفتاة بالعمى فتخيلته كنزا مقززا وقع عليها من السماء.. ابتسمت بخبث يضاهي خبثه وهي تجره من حانوت إلى آخر حتى اضطر إلى العودة أدراجه على قدميه بعد أن عجز عن توفير ثمن تذكرة الأوتوبيس المتعفن الذي يوصله إلى منزله.. ولكنه حصل أخيرا على مبتغاه.. حصل على موعد حياته الغرامي.. الثامنة من مساء الغد.. كانت أجمل فتاة التقى بها قبل أن يلتقي بأجمل منها فبات يمني نفسه بوصلها.. ترى هل ستأتي.. ترى على أية هيئة ستأتي.. أي عطر ستستحم به.. هل سأتمكن من الخلو بها على ضوء القمر أم أن المزعجين سيتمكنون من إضاءة ظلامي كعادتهم.. ترى هل ستحبني.. هل سترضى برائحة فمي المخدرة.. يا ليت الشباب يعود يوما لأصفعه بيدي..

كانت لياليه تمر به على جسر من الحب كان بالكاد يضع عليه قدميه.. فلم يعرف الراحة كما لم يعرف الحب.. كان يسابق السراب في دروب الأماني فلم يقنع بالطريق الصحيح الذي عرضت عليه استقامة الحياة.. الحب.. ما أجمله وما أحلاه.. يقال أن طعمه كطعم السمك المشوي.. ولكن إلى متى سيحب.. كم من معصية وقع في حفرتها النتنة فلم ينجه منها إلا ستر ربه.. كم من مال أهدر في سبيل غريزته المجنونة ولو تصدق به لكان خيرا له.. كم من وقت ثمين أضاع في الدوران في الأحياء كالقط المتشرد ولو استثمره في أحد البحوث العلمية لأكتشف ما لم يكتشفه اينشتاين.. فإلى متى.. ألم يحن الوقت بعد للاعتزال والقبر أصبح قريبا أكثر من الشارع..

كانت تلك الخواطر تزور مخيلته من آونة لأخرى دون أن يفتح لها الباب.. كان الطيش يسيطر عليه.. وكان التصابي سيده المطاع.. أما النساء اللواتي غازل في حياته الماضية فقد عجز في لحظة صفاء عن مجرد عدهن.. فما الذي ربح من التسدار.. أليس هذه الحبيبة الصغيرة التي هي في مقام أحفاده.. قرر بعزم أن تكون آخر وهم في زريبة حياته..

كانت الساعة قد تجاوزت الثامنة و30 دقيقة.. فبدأ القلق يتسرب إلى خياله المريض.. اللعينة إن موعدنا الثامنة تماما فما الذي أخرها.. من المؤكد أن في حياتها قط صغير منها.. ترى هل هي حفيدة مسيلمة مثل أخواتها.. مرت نصف ساعة أخرى فتأكد من أنها ضحكت على شيبته.. يا لي من تيس عجوز.. إلى متى هذا الضلال المبين.. الضحك وضحكت حتى سقطت أسناني.. أوهام الحب وعشتها حتى كادت أن تواريني التراب.. فإلى متى..

استيقظ سكان المدينة صباحا على توبته المرسومة على الجدران على طريقة المنحرفين الساخطين.. كانت جملا ساخطة عبرت بوضوح عن مدى الصدمة العاطفية التي تعرض لها قلبه العجوز.. "التسدار وقاحة ودناءة".. "توبوا قبل أن تموتوا" .. "الوقار و لا التسدار".. "سكاي ولا المواعيد".. "جماعات الشاي لا تسكبوا لي كأسا فأنا في طريقي إلى المسجد" .. "الاشتراكية و الرأسمالية و البعثية و القبورية.. ولا الحب".. "قيام الليل ولا قيام القلب".. "لين المخدة ولا لين الحبيبة".. "جمال المرآة ولا جمال المرأة".. "الفرار ولا الدمار"..

بعد أسبوع كان صاحبنا يقف في نفس الشارع المظلم واضعا سيجارة بين أسنانه المتباعدة.. متربصا كالكلب المتحفز.. ترى هل تسكن في هذا الحي أم أنها ضللتني.. ليتها تمر الآن.. لن أعجز هذه المرة عن أكل دماغها.. سأصنع منها سندويشا هذه المرة.. سأجعلها تتوسل لشيبتي المهانة.. سأتزوجها رغم أنوف أحفادي..
ما أثقل الأسبوع الماضي.. لا أصدق أنه انقضى دون أن أضحك فيه ضحكة واحدة في مجالس السوء الكثيرة..:eek:

بنت دجه ورجه
27-11-2008, 08:32 AM
من جد من شب على شيئ شاب عليه

مشكووور على القصة

كل الود

سحر العيون
27-11-2008, 08:55 AM
سابحث في الدواوين والقواميس علني اجد كلمات تعبر عن مدى

اعجابي بماخطت يمينك لذالك دعني ادون تلك الكلمات هنا على

على متصفحك فلقد فقت الوصف في الابداع كانت قصة تسدار

منفردة من نوعها تحمل بين طياتها الكثير والكثير مالم يستطع

غيرك ومن المؤكد ايصاله لنا هكذا وبهذه السهولة والاناقة في

الحرف وجمال الاسلوب


احترامي وتقديري لك اخي ودمت ودام قلمك عملاقا بين الاقلام