المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رئيس جمهورية بالصدفة..



ساخر جدا
23-11-2008, 07:41 PM
حدث ذلك بعد تخرجي بسنين من جامعة بلاد العجائب المشئومة.. كنت في قمة الفراغ والتفاهة.. لا مال ولا جمال بل حقارة ووضاعة.. كنت عاطلا عن العمل سخيفا بمعنى الكلمة.. لا وظيفة ولا حرفة.. لا زوجة ولا أبناء مزعجون.. كانت الحياة تخنقي بأصابعها كما يخنق الشره الديك.. وكانت نيران الانقلابات تشتعل في كل يوم مخربة القصر الرئاسي في أوله ومزينة في آخره.. كان العسكريون يصرون على غزواتهم الجهادية دون أدنى وازع ديني أو خلقي.. كانوا يفصّلون رؤساء الجمهورية على مقاساتهم لأن العالم لم يعد يقبل بتلألؤ نجومهم من فوق المنصة الرئاسية.. كان كل رئيس يختارونه يتحول إلى دمية ترعى داخل القصر الرئاسي كالبهيمة.. حتى أن الوقاحة بلغت بهم أن نصبوا مرة حمالا يجر عربة بحمار.. فجرّ الدولة إلى الهاوية.. ثم نصبوا في أخرى جزارا لا يفهم إلا في اللحوم البيضاء والحمراء فحول الوطن إلى مجزرة كباشها المواطنون ونعاجها المواطنات.. كل ذلك في سبيل أن يتمتع العسكري بإدارة البلاد من وراء الستار لأن روح إدارة الثكنة طغت حتى استعبدت العباد.. كانت رئاسة الجمهورية هي أسهل وظيفة في البلد.. فهي تأتي بالصدفة وتذهب بانقلاب..

كان زملائي في البطالة يسخرون مني.. كانت ضحكاتهم تخالط تهكماتهم وهم يرددون:

- متى ستصبح رئيسا للجمهورية أيها التافه..

فأرد عليهم ضاحكا كالحالم:

- كل شيء ممكن.. وأعني ما أقول..

فيردون بسخرية:

- مجنون حالم..

نعم لا أنكر طمعي في الرئاسة مثل كل سخيف.. بل إني كنت أدعو بها عقب صلاتي وأتمنى أن تجاب دعواتي..

ومضت السنون وتعاقبت الانقلابات.. مرة ينقلب عقيد -على عقبيه- ومرة ينقلب خفير.. مرة ينجح انقلاب ومرة يفشل آخر حتى أن ضويبطا فشل انقلابه أصيب بلوثة عقلية فدبر لانقلاب داخل مستشفى المجانين الذي نقل إليه.. وفشل أيضا..

كان كل عسكري يأتي بدميته الخاصة.. حتى أن أحدهم رشح زوجته ولكن أطيح به قبل ظهور نتائج الانتخابات الديمقراطية التي نظمها.. وتزوجت الجميلة العسكري الجديد.. وأحدهم تعاقد مع احد الممثلين ليلعب له دور الرئيس.. أما أنا فكانت السنون تدفعني نحو القبر دفعا.. كنت أتقدم في السن وأزداد رسوخا في البطالة.. حتى كان اليوم الذي كنت أتسكع فيه قرب رئاسة الجمهورية وفجأة انفتحت أبواب الجحيم.. جنود يمتطون عربات تجرها حمير انحدروا على القصر من كل حدب وصوب.. مدافعهم الرشاشة مشتعلة.. وآخرون داخله مترددون بين المواجهة والهرب.. كأن القيامة قامت.. ولا شك أن الذي قامت قيامته هو دمية الجمهورية.. فجأة أوقف أحدهم عربته وصاح في:

- ما الذي تفعله هنا أيها الحمار..

أجبته متلعثما من شدة الخوف:

- أتمشى.. وإن تركتني.. أهرب..

- تظن دخول القصر مثل الخروج منه.. ارموه في غياهب السجن..

تبين في الصباح أنه قائد الانقلاب فقد استدعاني للمثول بين يديه بعد أن استتبت له الأمور.. كان عريفا في الجيش لا يتجاوز الثامنة عشر من عمره.. نظر إلي باحتقار وهو يقول:

- ماذا كنت تفعل أمام الرئاسة هل أنت جاسوس للدمية المخلوعة..

أجبته ضاحكا في حركة يتقنها التافهون أمثالي:

- بل وزير في حكومته التافهة..

هوت كفه الغليظة على صدغي وهتف:

- هل أنا صديق جدك حتى تمازحني..

- حاشا..

صرخ فيّ صرخة لطخت سراويلي:

- ما الذي كنت تفعله أمام رئاسة الجمهورية..

أجبته بغضب وقد أثارت صفعته نخوتي:

- كنت أبحث عن من ينصبني رئيسا للجمهورية..

هوت كفه ثانية على صدغي فتخلخل أكبر ضرس في فمي الكبير.. انفجرت باكيا من القهر وأنا العن قبيلته في أعماقي..

فجأة ابتسم كسمكة قرش جائعة وهو يقترب مني ويحضنني كدجاجة على وشك التفريخ:

- أستميحك عذرا يا رئيس الجمهورية..

رئيس الجمهورية مرة واحدة.. من عاطل عن العمل إلى رئيس للجمهورية.. من خامل الذكر إلى أشهر من نار على علم.. هل أنا في حلم أم في علم.. أم أنها هلاوس الصفعة الحارة..

ضحك وهو يقول بعد أن قبلني بشفتيه الغليظتين وعطرني برائحة فمه المتعفنة داخله جيفة:

- لم لا.. أنا أبحث بجدية عن رئيس للجمهورية.. ما رأيك..

أجبته والسرور يهزني كريشة في مهب الريح:

- بشرط..

- ما هو..

- حقوق المواطنون يجب أن تصان.. الانتخابات النزيهة يجب أن تجرى في أقرب الآجال.. أصدقائي العاطلين العمل أريدهم وزراء في الحكومة القادمة..

ضحك وهو يقول:

- أوامرك مطاعة يا سيادة الرئيس.. المهم عندنا أن لا تنسى أنك مجلوب من الشارع الذي كنت تتسكع فيه..

أغمي علي من الفرحة.. أخيرا أصبحت رئيسا للجمهورية.. أصبحت رئيسا للوظيفة العمومية وأختها الخصوصية.. سآكل هذه الدويلة البخيلة التي بخلت علي بأقل وظائفها.. سأجردها من لحمها وأرمي عظامها للكلاب.. سأضع يدي في يد الشيطان ورجلي في قصر السلطان..

فجأة هوت كف غليظة على صدغي.. من يجرؤ على صفع رئيس الجمهورية.. انبعث صوتا خافت كأنه قادم من قبر بعيد.. قم أيها الحمار.. حمار.. أنا رئيس الجمهورية حمار.. من الحمار الذي يجرؤ على.. ازداد الصوت وضوحا وقوة:

- قم أيها التافه.. إنها الواحدة زوالا.. فاتك تقسيم الأرزاق كالمعتاد..

من الثور الذي يجرؤ على وصف رئيس الجمهورية بالتافه..

شقت صفعة أخرى طريقها إلى خدي:

- قم أيها الوضيع..

لقد بلغ السيل الزبى:

- أيها العسكري ضع هذا الانقلابي الحقير في الحجز بتهمة زعزعة أمن الدولة.. خونة.. كلكم خونة.. سترون أنني لست كالدمى التي عرفتم سابقا.. أنا ألأم دمية في الوجود.. أنا خريج الشوارع قبل الجامعة..

صفعة أخرى.. وأزداد الصوت وضوحا:

- قم أيها الحمار ما الذي تهذي به..

اعرف هذا الصوت جيدا.. إنه صوت والدي.. فتحت عيني ببطيء.. وكمن عاد من سفر بعيد.. إنها كوابيس البطالة المزعجة لقد أفسدت علي أجمل حلم في حياتي..

بقلم: سيد ولد احمد

mariem
23-11-2008, 11:08 PM
أحببتُ الفكرة يا فخامة رئيس الأحلام ..

يغير انت كاع ضيعوك الصفعات .. ما ابكَ منك شي يحكم موريتاني :D :p

أهلا بك

عدنان العبد الله
24-11-2008, 09:28 AM
كانو يقولون عندنا في سوريا إذبان فترة الانقلابات في الاربعينات إنه من يستيقظ من النوم باكراً يستلم رئاسة الجمهورية لما شهدته تلك الحقبة من عدم استقرار

قصة جميلة يا سيادة الرئيس


وافر ودّي

أبوالفحفاح
29-01-2009, 07:33 AM
لله درك


إنه الخيال الحي إنه الخيال الواقعي المعاش يا سيادة الرئيس


لقد بعثت في نفسي ذالك الامل الذي هجرني بعد ان مل انتظار توظيفي و لو على حنفية لبيع الماء


في الشارع لأصحاب العربات التي تجرها الحمير .


لقد بات بإمكاني إضافة إحتمالات أخرى للتوظيف و تغيرت صورة التسكع لدي فقررت أن


التزم التسكع مع أول طلعة فجر تلوح في الأفق .


فكلما يجلبه التسكع يفي بالغرض الذي في نفسي, إما أن أكون دمية أو تافها أو سخيفا


أو حمار أو خائنا أو انقلابيا كلها تدخلني دائرة الضوء التي حرمت منها حتى لو أضيء الشارع


الذي اتسكع فيه.



تقبل مروري و تقديري فقد أعجبتني الرواية و طريقة تقديمها و إسقاطاتها و المعذرة في الإطالة

ساخر جدا
18-03-2009, 04:33 PM
تقبل مروري و تقديري فقد أعجبتني الرواية و طريقة تقديمها و إسقاطاتها ..

تشكر أخي أبو الفحفاح وبارك الله فيك..