المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلطان الجوع



eltishiti
22-11-2008, 02:34 AM
سلطان الجوع

بسيارته العابرة خرج محمد لقضاء بعض شؤونه ، ولم يشعر بتوغله في الصحراء لتفكيره العميق الذي ذهب به بعيدا هو الآخر مخترقا حجب الزمن ليطل على نفسه وقد تبدل الحال غير الحال . من السيارة القديمة إلى الطائرة والسيارات بالغة الفراهة والفلل والمزارع والأسواق التجارية والعمال والعاملات... والأبناء والزوجات ... وبينما هو في مخدع إحدى زوجاته مستغرقا في أحلامه وتصوراته ، إذ بسيارته قد توقفت تماما عن الحركة . تردد بين مواصلة احلامه التي قطعها هذا التوقف في أشد مراحلها حساسية . ولكنه قرر أن ينزل ليرى ماذا حل بها وهم بالنزول ولكنه لم يستطع فتح الباب لأنها كانت قد غاصت في الرمال لدرجة لم يعد معها فتح الباب ممكننا . ماذا أصنع يقول في نفسه ؟ بعد أن حاول فتح جميع الأبواب ، رجع إلى الكرسي الأمامي وجلس منحنيا على المقود ، لايكاد يخلص إلى فكرة حتى تزاحمها أخرى . وفجأة وفي لحظة انفعال ضرب المقود بيديه ورجع إلى الخلف متكئا على قفاه رافعا نظره حيث رأى فتحة السقف ، تنفس نفسا عميقا ثم قال : الحمد لله . وخرج من فتحة السقف كالخارج من السجن هربا ، ثم جعل ينظر إلى سيارته التي تقاسمتها معه الرمال الشديدة الليونة لدرجة أنه نفسه ساخت فيها رجلاه إلى الركبتين. ولما أيقن بصعوبة الموقف قرر الذهاب إلى القرية ليأتي بمن يساعده في إخراجها ، ووصل القرية بعد ساعات من السير على الأقدام . سأل هناك عن صديقه زيد، فدلوه عليه . السلام عليكم. عليكم السلام من! محمد مالك تبدو منهكا شاحبا ؟. محمد: لقد ابتلعت الرمال سيارتي شمال شرقي القرية على بعد خمسة عشر كلم . وأريدك أن تذهب معي حتى نستطيع سحبها بواسطة سيارتك ، وخذ معك أحد أصدقائك . زيد: احمد . نعم يا زيد . سخن السيارة سنذب مع محمد لنساعده في إنتشال سيارته . وركب الثلاثة متوجهين إلى المكان ، ولما وصلوا فوجؤوا بما رأوا سيارة تكاد تبتلعها الرمال وكانت المفاجأة أكبر بالنسبة لمحمد لأنه لم يتركها على هذا المستوى ، وهذا يعني أنهم ربما لو تأخروا قليلا لما وجدوها أصلا. وبدؤوا يسابقون الزمن لينتزعوها قبل أن يجن عليهم الليل. ولما بلغ بهم التعب مبلغه استلقوا على الأرض ليستريحوا . فقال أحمد : محمد هل لديك ماء ؟ نعم لدي قنينة بها أربعة لترات تقريبا . فقال زيد: هل لديك ما يؤكل ؟ يبدو أننا سنبيت هنا الليلة . فرد محمد: كلا ليس لدي شيء . قال احمد : زيد سلاح الصيد في السيارة ؟ سأل محمد : وما يفيد السلاح وليس هنا من غزلان ولاظباء ولا مها ؟ ضحك زيد وقال : هذه الأرض ياصديقي مليئة بالأرانب. احمد: نعم ولحمها شهي . محمد في اشمئزاز أرانب ! احمد: ألا تأكل الأرانب يا محمد؟ محمد: ما كنت لآكل الأرانب ولو مت جوعا. احمد : زيد تعال لعل الله يرزقنا بأرنب سمين لقد بلغ بي الجوع مداه. قال زيد : هل ستأخذ السلاح أم ستقود السيارة ؟ احمد : بل أتولى القيادة فرمايتي بالليل ليست جيدة مثلك . وغير بعيد لاح لهما أرنب على ضوء السيارة فأطلق زيد النار ، ثم أسرعا إلى مكان الأرنب فوجدوه قد ذبحته الطلقة ذبحة السكين . قال احمد : ألم أقل لك إني لا أجيد الرمي بالليل ، أما أنت فتجيد الذبح بالرماية . فأخذاه وعادا به إلى حيث يتواجد محمد عند سيارته ، بعد أن ايقظه صوت الطلقة من غفوة منهك تعب . سأل احمد محمدا : هل لديك قدر نطبخ فيه الأرنب ؟ محمد ليست لدي قدور تطبخ فيها الأرانب . زيد : لسنا بحاجة إلى قدر. سوف نشويه على الجمر بواسطة الشبك الحديدي ثم إنه لدي إناء وغطاءه . فأوقد زيد النار فقد أحضر بعض الحطب أثناء عودتهما ، وأحضر احمد الشبك الحديدي وسلخ الأرنب وقطعه ، وقام زيد بإنضاج اللحم ولما انتهى وضعه في الإناء . ونادى زيد محمدا هيا إلى العشاء فرد محمد: الم أخبرك بأن الجوع أهون عندي من أكل لحم الأرانب !؟ احمد نحن لم ننته بعد من العمل وربما لا تتحمل حتى نعود إلى القرية ، وسيتطلب العمل منا غدا جهودا مضاعفة . يرد عليه محمد: انت تتكلم عن الأكل وانا أكاد أتقيئ من راحة شوائكم أرنبكم . قال زيد: دعه حتى لا يتقيأ ما في بطنه عله يستطيع مساعدتنا غدا . ونام الرجلان فور انتهائهما من عشائهما الشهي ، ثم نام محمد ولكنه سرعان ما أيقظه الجوع وبدأ يتصارع مع الجوع حتى لا يضطره إلى أكل فضلة من لحم أرنب كان يذمه لصاحبيه قبل قليل . ولما بدأت المقاومة في الوهن أمام سلطان الجوع بدأ يقترب على استحياء من الجهة التي فيها الإناء، ثم يعود أدراجه ثم يقترب ثانية اقرب من الأولى وهكذا حتى وصل إليه . ثم مد يده إليه وردها ثم مدها حتى لمس الإناء ، وهنا تشجع ونزع الغطاء فإذا به خاويا إلا من عظام مصقولة كأن من كان يأكلها كان يقصد تنظيفها. حينها أدرك أن الصبح قد أصبح فأيقظ صاحبيه ليستأنفوا العمل باكرا حتى يتمكن من العودة إلى القرية فقد بلغ به الجوع ما بلغ .


محمد الأمين الشريف