المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة قصيرة بقلمي: أمينة..



سيد اخليل
20-11-2008, 11:44 PM
ما مصير من يعجز عن مصارحة حبيبه بحبه.. ما العمل إذا قرر المحبوب فجأة الزواج من غيره.. تابع معنا هذه القصة وأدل بدلوك في موضوعها.. قصة قصيرة تناقش الحب من طرف واحد..
هل يمكن الاستمتاع بالحب من طرف واحد أم أن المعاناة هي الخيار الأمثل.. هل يجب فرض الذات على الآخر أم أن الابتعاد عنه هو خير سبيل.. ذلك ما تناقشه هذه القصة القصيرة جدا..


امينة..

قد تسغتربون أعزائي إذا علمتم بأن الليلة هي أسعد ليلة في حياتي.. ربما لأنني أحس فيها بسعادة غريبة تقربني من الواقع الذي أبعدني عنه عالم الأماني أكثر من سنتين متتاليتين.. هاأنذا بعد عنائي المرير أحس الليلة بسعادة عارمة تجرفني كما جرفت الآلام آمالي البريئة.. سعادة قد تكون تكون مجرد ممر آخر أعبره إلى عالم من الآلام أدهى وأمر مما قبله..

بدأ عذابي المرير بيوم جميل لا زالت شمسه ساطعة في عقلي.. كانت السماء الزرقاء في منتهى الصفاء وكانت الطيور تغرد ببهجة مبشرة بالحب.. أحلى ما في الحياة.. كنت يومها أقوم بجولة قصيرة في الحي الصغير الذي أقطنه عندما مرت من أمامي.. كانت ولازالت أجمل فتاة رأيتها في حياتي.. كانت الحياة تشع من وجنتيها المتوهجتين وكان السحر يتدفق من عينيها الواسعتين.. وكانت الحيوية تقفز من ثيابها قفزا متحدية السكون.. كانت في منتهى الروعة وأروع من ذلك أنها كانت الفتاة التي تمنيتها في أحلى أحلامي.. لكني لم أكنت صيادا ماهرا لأرمي شباكي حولها.. لم تسمح لي نفسي المترددة بالتفكير في مغازلتها.. ورغم ذلك دفعني جمالها إلى تتبع خطاها خفية كلص يخشى الاقتراب من الجوهرة التي يهواها لأتمكن بعد جهد جهيد من معرفة محل إقامتها.. بعد أسبوع سألت الحانوتي المحاذي له عن اسمها.. فهمس في أذني بقداسة "أمينة".. اسم جذاب زاد الهوة التي في قلبي اتساعا والنار التي في صدري اشتعالا.. فتاة رائعة في سن الزهور تتفتح في هذا الركن من أركان الحياة.. ولكنه أخبرني -ربما حسدا- بأن أغنى فتى في المدينة قد سبق إلى قلبها.. كنت أعرفه أو بالأحرى رأيته أكثر من مرة يجول ويصول بسيارته الفارهة التي تزيد أمثالي ضآلة.. ربما كان يستحقها أكثر مني أنا العاجز عن مجرد الاقتراب منها.. كنت أيامها أؤمن بأن وجودها في عالمي يكفيني.. كان طيفها الرقيق يقنعني.. وكانت حلاوة حبها تدغدغني رغم بعدها عني.. يا له من عالم سعيد عالم الحب.. كان يجعلني أسبح في فضاء بهجته بعيدا عن كوابيس الحياة.. كان يسقيني من حلاوتها ويطربني بجمالها..

"أمينة" اسم ذو رنة سحرية كلما تردد في أعماقي أثار فيها الرغبة في تحدي المجهول.. اسم كان يدفعني إلى الانزواء كل يوم في ذلك الركن المظلم منظرا مرورها الكريم.. كنت أقبع فيه الساعات الطوال لكي أتمكن من رؤيتها من بعيد.. كانت تمر بسكينة يقدمها جمالها متحديا الأنظار.. كانت كالملاك وكنت كالجرذ اطل عليها من جحري المهجور..

يقولون أنني طيب إلى درجة البلادة.. قليل الكلام إلى درجة البخل به.. أخشى النساء أكثر من خشيتي للأسود.. ورغم ذلك تمكنت يوما من مغازلة بعض الجميلات.. وكانت النتيجة..

- أنظري إلى شكله المضحك -تقصدني-..

- إنه أقبح من قرد عجوز..

- وأشد خجلا من عذراء..

- قرد وخجول، يا لها من مصيبة..

انسحبت بعد ذلك الحوار أجر أذيال الخيبة تاركا ورائي قطرات العرق الباردة التي تصببت من جبيني.. لو علمت تلك البليدة كم أنا طيب لما سألت عن شكلي.. مسكينة.. لم تفقه أنني أخشى النظر في عينيها خشية الغرق فيهما.. وأرتعب من صوتها خشية الذوبان فيه..

كان المقربون مني يتندرون على شكلي الذي لا أملك غيره ويسخرون من جبني.. حتى أن أحدهم أمر إحداهن يوما أن تلف عنقي بذراعها سخرية مني.. ونفذت الطائشة الأمر وضحكت الجماعة.. أظن الغبيان نجحا بعد ذلك في بناء علاقتهما على أنقاضي.. أليس الجمال جمال الروح والصفاء صفاء القلب.. لماذا تتمنى المرأة في الرجل أكثر من ذلك.. ولكن هل يعقل أن ترضى جميلة واحدة بقلب من الذهب مخبأ بإحكام في مزبلة..

آخر كان بارعا مع النساء خبيرا في جعلهن بطلات لرواياته الغرامية.. هل تدرون أن أكاذيبه المفضوحة كانت دائما تجد آذانهن صاغية مستمتعة.. وأنه كان يضحكهن متى شاء ويبكيهن متى شاء بالأوهام.. لم يكن يرحمهن عندما تفرض أنانيته نفسها.. كان يعزف على أوتارهن ما يطربه من ألحان ثم لا يلبث أن يمزقها بكل قسوة.. كانت فلسفته تطاردني أنا العاجز عن إيجاد ظل إحداهن.. إن لم تتلاعب بالنساء مثلما يتلاعب القط بالفئران فلن تكون رجلا..

- تريدني أن أكون قطا..

يجيب ضاحكا:

- عفوا.. نسيت أنك فأر..

يتصبب العرق من جبيني:

- لست فأرا ولست قطا..

- ستندم على سجنك لقلبك خلف قضبان الخجل..

- لن يكون الندم محطتي الأخيرة..

ولكني ندمت بعد رؤيتها.. ندمت على خجلي الذي عشت عبدا له.. ندمت على شكلي الذي لا أملك غيره.. ندمت على كل الأسباب التي تجعلهن يصرخن في وجهي كلما اقتربت منهن:

- ابتعد أيها القذر..

نعم أنا مجرد قذر.. رغم أخلاقي الدفينة التي لا يكترث لها أحد.. رغم نيتي الصافية صفاء الحليب.. أنا مجرد قذر لأنني لا أجرؤ على الاقتراب منها..

صديق آخر كان جميلا بمعاييرهن التي لا يعرفها غيرهن.. كان مثلي فاحش الخجل.. أتعرفون النتيجة.. كان بعضهن يدير له ظهره احتقارا رادا الصاع صاعين.. وكان البعض الأخر يطارده مطاردة السلحفاة للظبي.. كان المسكين يقول لي بألم:

- لا أفهم لماذا أهرب منهن وأنا أرغب فيهن..

فكنت أجيبه ضاحكا:

- الحب مجرد سخافة من آمن بها عاش فيها..

لكن حبها تغلغل في أعماقي على مدى عامين عشتهما معها بروحي وهي لا تدري.. فأزداد نحول جسمي وأصبح الخيط الذي يفصلني عن المرض أدق من الإبرة.. لكن الأمل كان يدفعني إلى الوقوف على قدمي.. كنت أتوقع نهاية سعيدة لقصتي مثل كل المتفائلين ولكن تلك النهاية كانت تبتعد يوما بعد يوم حتى توارت خلف النجوم.. كان المرض قريبا فأصبحت طريح الفراش..

اقترح أحدهم أن أصارحها بحبي.. قال مشجعا:

- صارحها وليكن ما يكون..

أجبته وأنا أعجز عن الضحك سخرية من نفسي:

- أتسخر مني وأنا في مثل هذه الحالة..

كان أشد ما يزعجني هو رؤية الذين أحبهم يتعذبون بسببي.. إلى أن جاء اليوم الذي تحاملت فيه على نفسي فيه وذهبت إلى ركني المعهود لكنها لم تمر فكانت بداية الفراق.. علمت أن زفافها سيكون بعد أسبوع.. أصبت بدوار منعني من الحركة طيلة ذلك الأسبوع.. كنت أشعر بأنني هش مثل البالون الذي تستطيع أقل نفخة من أصغر صبي أن تدفعه إلى الطيران بعيدا في عالم الضياع.. كانت غيرتي تنتفض تريد إنقاذها من براثين ذلك الرجل المفترس لكن خجلي كان يكمم أنفاسها.. كنت أعلم أن خير ما في الحياة هو التسليم بالقضاء والقدر.. وليلة العرس وجدت في نفسي حيوية لم أعهدها فنفضت عني غبار المرض بواسطة حمام ساخن ولبست أحسن ما عندي من ثياب وخرجت قاصدا الحفل البهيج.. كنت أحس بمدى تفاهة المساحة التي أحتلها من هذه الدنيا.. أدركت ليلتها أن الحب معين لا ينضب مهما اغترفنا منه.. كم كنت أنانيا عندما تجاهلت الأيدي الكثيرة التي امتدت إلي بالحب وبالأمل..

أحسست وأنا ألج إلى قاعة العرس المضيئة بسعادة عارمة.. كنت كالعصفور الذي تحرر من قفصه.. نظرت إلى الجمع بعين الحب.. ورأيتها.. كانت مبتهجة بأحلى ليلة في حياتها.. ابتسمت وأنا أخطو داخلا.. كم هي عجيبة الحياة.. هذه المرة لم أزح عيني عن وجهها الجميل.. أحسست وأنا أدقق النظر فيه أنني لم أعرفها إلا ليلتها.. كانت مشعة يكاد سرورها يبدد أحزان الموجودين.. كم هي جميلة وكم هو محظوظ صاحبها..

فجأة جذبتني يد إلى داخل الحلبة.. كانت إحدى الجميلات.. ربما كانت تسخر مني بدورها.. ولكن.. لم لا أسخر من نفسي قبلها.. لم لا أرقص بسعادة مثلها.. لم لا أحب بسعادة مثلها.. لم لا أخرج لساني للحياة مثلها..

بقلم سيد ولد اخليل

احمد طالب
23-11-2008, 10:18 AM
سرد جميل وقدرة رائعة على التشويق

تقبل مروري وإعجابي اللامتناهي

بنت دجه ورجه
27-11-2008, 09:31 AM
قصة في غاااية الروعة و أحداثها مشوقة

في انتظار المزيييد من إبداعك

كل الود