المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شغف الذاكرة ( قصص موريتانية قصيرة)



Siyam
14-10-2008, 01:30 PM
السلام عليكم

أقدم لكم اليوم عملا أدبيا نسائيا أعتقد أنه يمكن وصفه بأنه أدب ملتزم و مهتم بقضايا مجتمعه ( الموريتاني ) من أجل تسليط الضوء على مثل هذا النوع من الإنتاج الأدبي و تشجيعه و من أجل طرحه للنقاش و النقد الأدبي , سعيا إلى استجلاء مكامن الجمال فيه و إظهار بعض النواقص التي تشوبه – و التي قلّما يخلو منها عمل أدبي أو إنساني- .

هذا العمل عبارة عن مجموعة "قصص موريتانية" يبلغ عددها 10 قصص , و هي بعنوان : "شغف الذاكرة" و الذي هو عنوان القصة القصيرة التاسعة من المجموعة , و القصة للكاتبة الشابة : طيبة منت اسلم , و قد حصلتُ عليها من طرف بعض قرائها من أفراد عائلتها , و قد نُشرت الطبعة الأولى للمجموعة في انواكشوط العام الماضي ( 2007 ) دون تحديد التاريخ بالضبط , و قد قدّم لها الدكتور أحمد ولد حبيب الله أستاذ الأدب العربي بجامعة انواكشوط , و الذي تعرّض في مقدمته –باختصار- لتاريخ القصة القصيرة في موريتانيا و ما يتعلق منها بالإنتاج النسوي على وجه الخصوص , و قد أبدى بعض الملاحظات العامة على المجموعة و بيّن بعض مميزاتها و جمالياتها في الأسلوب و المواضيع , و سأكتفي اليوم بنشر التقديم المشار إليه , على أن أتبعه بنشر بقية قصص المجموعة –بحول الله- و أهديها لكل قارئ موريتاني و لكل رواد المشهد الموريتاني و أدبائه و خصوصا الأدباء :
feyfeو this is meو شيـفرة
راجيا للجميع قراءة ممتعة و مفيدة .


http://i122.photobucket.com/albums/o246/siyam_2007/titleedited.jpg

غلاف المجموعة القصصية

ملاحظة: سوف يتم نقل بعض القصص إلى "مشهد التشريح"-بحول الله- و ذلك من أجل دراستها و تبيين بعض نقاط القوة و الضعف فيها , فأرجو من الجميع الإنتظار حتى اكتمال طباعتها و نشرها, و شكرا.

تحياتي .

Siyam
14-10-2008, 01:33 PM
تقديم
د.أحمد ولد حبيب الله
أستاذ الأدب الموريتاني بجامعة انواكشوط
الأمين العام لرابطة الأدباء و الكتاب الموريتانيين


هل القصص النسوي الموريتاين :أدب "الكبة" و "القسرة" و "الحارة" صرخة و دعوة إلى التغيير إلى الأحسن ؟؟

في هذا القصص الذي تقدمه تقوم القاصة طيبة بنت اسلم برحلة الألم في طريق مغبر و وعر في أحياء الكبة و القسرة البائسة التي أنهك سكانها الجيمات الصثلاث : الجوع و الجهل و الجفاف , و الراءات الثلاث : الفقر و الكدر و القهر غيرها من الضياع و اليتم و الترمل و الظلم و الظلام , و على هذا النحو تصور القاصة الشابة أوجاع المجتمع الموريتاني في أوائل القرن الواحد و العشرين ميلادي و في السنوات التي السبع الأولى من الجيل الثاني من عمر الدولة الموريتانية الذي من المفترض أن يكون أحسن حالا من الجيل الأول , فقد كان –حسب نظرية ابن خلدون ( ت 808 ) من المحتمل أن مواطني موريتانيا قد تحول "حالهم بالملك و الترف من البداوة إلى الحضارة و من الشظف إلى الترف و الخصب" ( المقدمة –الجزء الثاني ص 485 ) .

إن صورة الواقع الموريتاني المعيش و الدقيق وردت مراوغة , موحية في هذا العمل الذي تتناول كل قصة منه عنصرا من عناصر المجتمع الموريتاني بأسلوب سلس , لا تكلف فيه و لا تصنع فيه فتضع القاصة أصبعها على الداء و لكنها تجد أن الطبيب كان غائبا , و الأمراض كثيرة , و الممرضون مشغولون , و الصيادلة يبيعون الأدوية الفاسدة , و تلتقي الوطن في صبر جميل لتؤكد أن تحت الرماد جمرا أن بعد العسر يسرا .

*** **** *****

في هذا العمل يبغي خلطاء الأقصوصة و القصة القصير بعضهم على بعض , ذلك أن "القصة مجموعة من الأحداث يرويها الكاتب و هي تتناول حادثة واحدة أو حوادث عدة , تتعلق بشخصيات إنسانية مختلفة , تتباين أساليب عيشها و تصرفها في الحياة , على غرار ما تتباين حياة الناس على وجه الأرض , و يكون نصيبها في القصة متفات من حيث التأثر و التأثير.

و تختلف عن الأقصوصة في أنها فترة كاملة من حياة خاصة أو مجموعة من الحيوات , و لذا يضطر الكاتب إلى الخوض في تفاصيل يتجنبها كاتب الأقصوصة , لأن هذا يعتمدي على الإيحاء في المقام الأول .

إذن فالفرق الأول بينهما يتجلى في عملية الإختيار, إذ بين ما يحاول كاتب القصة عرض سلسلة من الأحداث الهامة , وفقا للتدرج التاريخي أو النسق المنطقي , يسعى كاتب الأقصوصة إلى إبراز صورة متألقة واضحة المعالم , بينة القسمات لقطاع الحياة , بحيث تؤدي إلى فكرة معينة " ( د.محمد يوسف نجم فن القصة –دار الثقافة-بيروت ص 9-10).

*** ***** ****

و لقد أدرك مبدعوا القصة القصيرة صعوبة كتابتها , فمنهم "من عكف اثني عشرة عاما كاملة على كتابة مجموعة قصصه القصيرة قبل أن يخرجها إلى الوجود , و لم يكن له عمل يشغله عن التأليف , فظل هذه الأعوام الظال يجود و يجود حتى يخرج فنه مستويا " ( د.سيد حامد النساج-القصة القصيرة-دار المعارف –القاهرة –ص 17 ) جدا كما مكث محمد عبد الوهاب يلحن اغنيته "من غير ليه" عشر سنوات كاملة و ليس جلسة واحدة.

*** **** ****

و القصة القصيرة "طفل القرن العشرين الميلادي أو مولوده الطبيعي" ( نفس المرجع السابق-ص 6 ) , فلقد "بزغت في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي, و كان بزوغها في روسيا و أمريكا ثم أشرقت شمسها بعد ذلك في فرنسا و إنكلترا و غيرهما " ( نفس المرجع السابق –ص7 ) و هي "أقرب الفنون الأدبية إلى روح العصر" ( المرجع السابق –ص 14 ) , و في الوطن العربي ,
"و قبل ثورة مصر القومية في 1919م , ظهرت محاولات في القصة القصيرة لكل من صالح حمدي حماد و محمد أحمد تيمور و مصطفى لطفى المنفلوطي" ( د.سيد حامد النساج-مرجع سابق-ص 31 ) , و في موريتانيا ظهرت محاولات منذ عام 1968 مع أحمد بابا ولد أحمد مسكه و عام 1970 مع إسلم ولد بيه في قصته "الحمار" و 1973 في قصته "عشاء أم المؤمنين" و محمد كابر هاشم عام 1975 في أقصوصته "الركن" ثم وفاء و الموت البطئ لتتوالى بعد ذلك مع محمد فال ولد عبد الرحمن و غيره.


**** ***** *****

و الصحافة المكتوبة في الوطن العربي و في موريتانيا هي الأرض الطيبة التي تنبت فيها القصة القصيرة و تزدهر و خاصة صحيفة الشعب منذ انتظام صدورها في فاتح يوليو 1975.


*** ***** ******


محطات ولادات القصص النسوي الموريتاني
إن القصة القصيرة لا يبدعها واو الجماعة وحده في موريتانيا , و إنما تكتبها نون النسوة أيضا , و هذه أبرز محطات تاريخ لادة القصص النسوي الموريتاني على مدى 29 عاما:
-1978 دلال: الفتاة المعذبة لعائشة زين العابدين البوري
-1992 سياحة بين الدروب لخديجة منت عبد الحي ( رحمها الله تعالى )
-1993 مارية (مجموعة) لأم كلثوم منت أحمد
-1994 الأظافر الحمراء , لباته منت البراء
-1995 مدينة الحب ( مجموعة) لخديجة منت هنون
-2002 الحب و القدر لتربه بنت عمار
-2004 العبور إلى الجسر الآخر ( مجموعة ) لجليلة منت معلام
-2007 شغف الذاكرة ( مجموعة ) لطيبة منت إسلم

و هذا العمل الأخير هو ثامن ثماني أعمال نسوية موريتانية –حسب علمنا-و هو علامات في حياة الكزرة و معاناتها , و ما أحوجها إلى أن تجسد بمثل هذا القص و هو رابع أربع مجموعات قصصية تتكون من 10 قصص قصيرة و لقد خرجنا من قراءتها ملحوظات سريعة منها :

1-ديوان القسرة و الكبة:
تأتي هذه المجموعة تلبية لحاجات و رؤى القاصة التي فجرها واقع القسرة و أحداثها و معاناتها , و موريتانيا و مشاكلها التي جعلت سكانها في حالة "الأرملة" و في حالة "غبار على وجهي" و عليها تجاعيد البؤس و الحرمان "الخطوط" و الإهمال و الضياع و الخيانة و جزارة الإنسان في "الحدود" , و هو ما جعلها في "رحلة مع الألم" , و في حالة ركود و نوك "طيف" بل في هستيريا المادة "ضحك و أشلاء" , لا تشعر بحركة الزمن "عقارب الساعة" فهي توق و شوق إلى زمن العفة و العفاف و الكفاف "شغف الذاكرة" و هي بحاجة إلى من يهب لإنقاذها مما يتهدد وجودها , فهي بين أنياب غفلة أبنائها و كيد اعدائها "عندما التقيتها" و قد يزول الأيم و يتحقق الحلم.

2-إبداع الشخوص :
موهبة القاصة الاعدة تتجلى في ابتداع أو تخيل شخوصها , فلديها قدرة فنية على ما يعرف بإبداع النماذج البشرية بكم و كيف مقبولين على حد تعبير محمد مندور , و لكل شخصية فعل و حضور فاعل سواء كان دورها كبيرا أو صغيرا ( فاله-مريم-تبغي-سعاد-محمد يحي-محمود ... )و هي موظفة توظيفا فنيا موحيا , فهي مأخوذة من كافة فئات المجتمع ( محمود, محمد يحي ) كما رافقت قدرتها على ابتكار شخوص قصصها , قدرة أخرى هي رسمها لعالم مشحون بالحركة يموج بالأحداث في الحارة الشعبية في موقف الحافلات , في ساحة المدرسة , في القسرة , فعالمها غني حتى في قبحه , فهو عالم مختلف أطياف المجتمع في الأحياء البائسة , في الأحياء الراقية , في الشارع , في الحافلة و هو ما يبشر بخيال فني واعد , لأن هذه العوالم الشخوص وراءها فكر و خيال و موهبة فنية مسكت بخيوطها جميعا , و "أحسن الكلام نظاما ما ثقفته يد الفكرة و نظمته الفطنة و وصل جوهر معانيه في سموط (خيوط) ألفاظه , فاحتملته نحور الرواة" ( الحصري-زهر الآداب –وزارة الثقافة-دمشق-1996-ص 236 ).

3-سلامة اللغة و تطويعها :
يبدو أن القاصة طيبة تمسكت بلغة الضاد صافية حيث أحبتها و أجادتها , و طوعتها لقضاياها الفنية , فإذا لغتها لغة رصينة و مصقولة في الغالب تخففت في واقعية الأقصوصة و القصة القصيرة من تعقيد اللغة و زخرفتها, و من العامية إلا ما يخدم الشخص يميز بينها .

إن لغة القاصة لا تخلو من رشاقة و شاعرية معبرة و موحية حتى حملت نوعا من الدراما و الشجن الشفاف , كما في "عقارب الساعة".

4-عاشقة الوطن :

تبدو القاصة عاشقة لوطنها , فعشقها له ينمو و يتألق و يكبر في كل أقصوصة و قصة قصيرة , فهي تذوب حبا لهذا البلد الذي يئن بين سدان غفلة أبنائه و كيد أعدائه , فأبناءه لو كانوا يحبونه حبا خالصا لما كان في السنوات السبع العجاف من الجيل الثاني من عمر الدولة الوطنية فيه , و لو كانوا يعشقونه لما تخذوه بقرة حلوبا يحسنون حلبها و لا يعلفونها حتى هزلت , و لو كانوا يحبونه لما فتحوا حدوده لكل من هب و دب يهدد أمته و يمتص خيراته , و لو كانوا يحبونه و هو بلد الخيرات لما كان يطوقه حزام الفقر الذي يقتل سكانه بالأمراض و الأوساخ , فهؤلاء يلتقون "موريتانيا" و كلن لقاؤهم بها ليس لقاء محبة و عشق بل هو لقاء من يأخذ خيرها لا يجعلها وطنا و لا عطنا و لا مسكنا آمنا, و أما القاصة في ( عندما التقيتها ) فهي عاشقة له , فكل شخصية في هذا العمل لها وظيفة واحدة هي حب موريتانيا ...هي البحث عن المنقذ الضائع لهذا البلد ...فالقاصة تجعل سكان الكبة و القسرة يجدون أنفسهم في هذه المجموهة أمام محامية تدافع مجانا و ترافع احتسابا عن قضاياهم العادلة أمام محكمة متمالئة مراغة , مماطلة لا تراعي الظروف المجحفة للأرملة و لا لمن قال لها "على وجهي غبار " بل من هو "أشلاء" البكاء و الدموع و المرض و العري و الجوع , و من هنا تألقت الرؤية الإجتماعية الحاذقة الواعدة في "شغف الذكريات" , و لو كانت طيبة قاصة اجتماعية فحسب أو رومانسية فحسب أو واقعية فقط أو مبتكرة لشخوص أو نماذج بشرية بائسة و غنية فقط لم تكن لتبلغ ما بلغته في هذا العمل الواعد.

5-حب الكتابة :
يبدو أن طيبة منذ أن اكتشفت حبها للكتابة طابت لها , و تنبهت إلى إمكاناتها في التعبير و التصوير , فأخذت تكتب القصة و المقالة , لأنها أيقنت أن الكتابة هي أمل هذا البلد , فالأدب رسالة سامية إذا وجدت من يحملها بأمانة و تفان و إخلاص , و هو جزء من الثقافة التي تعتبر خاصية حضارية لهذه البلاد التي رفعت صوتها و صيتها في أصقاع عديدة من هذا الكون و هي لم تكن دول صناعية و لا نووية و لكنها كانت و ستظل بلد الثقافة و عليها أن تعترف بها , فهي سلاحها و حصنها في وجه "اتسونامي" العولمة التي تسعى إلى طمس هوية الشعوب و تذويبها في مرجل واحد على نار هادئة و بأعصاب باردة.

و هنا نطرح السؤال مرة أخرى : هل الأدب النسوي الموريتاني كان صرخة في وجه الظلم و الظلام في المجتمع الموريتاني اليوم ؟

*****

انتهت مقدمة الدكتور أحمد ولد حبيب الله

الموضوع القادم :

القصة الأولى :

الأرملة .

يتواصل بحول الله

lamat
14-10-2008, 06:14 PM
شكرا الاستاذ صيام علي إتحافنا بهذه المجموعة القصصية للأستاذة والكاتبة الصحفية طيبة منت إسلم,والتي تعتر واحدة من الاديبات الشابات الصاعدات إلي الساحة,وعلي ما أعرف فهي تكتب القصة القصيرة منذ زمن بعيد, فقبل سبع سنوات بالضبط كان الاستاذ الفاضل أحمد ولد حبيب الله يدرسنا الادب الموريتاني,وموضوع الدرس كان يومها عن القصة في الادب الموريتاني وروادها,فأشارت إليه إحدي الحاضرات بأن بيننا من تكتب القصة,وكان المشار إليها طيبة منت إسلم,فطلب منها إطلاعه علي ماتكتب قائلا لعلنا نكتشف أديبة جديدة,ولا أدري هل قرأ لها في حينه أم لا
ومع أني شخصيا لم أقرأ قصتها,فإني قرأت لها قبل فترة نص محاضرة قيمةعن الادب النسوي ألقتها في المركز الثقافي المصري رفقة الصحفية جليلة منت معلام والاستاذ احمد\حبيب الله
كما أنها تكتب بعض المقلات الاجتماعية والثقافية في بعض الصحف,ومنها جريدة الاخبارية الغير منتظمة الصدور ,

Siyam
15-10-2008, 01:58 AM
شكرا لك أخي lamat على التعليق , و يبدو أنك تعرف الكاتبة -بحكم الدراسة- أكثر مما أعرفها , و فيما يلي القصة الأولى من المجموعة : "الأرملة"


( القصة الأولى )


الأرملة

الطريق خال و المطر ينهمر بسرعة , و الكون يلفه ظلام و سكون رهيب, باستثناء بصيص من نور ينبعث من شمعة في كوخ صغير تبدو عليه علامات الفقر وا لبؤس.

في داخل الكوخ كانت الأواني مرصوصة قبالة ثقوب السقف و فتحاته و كان سقوط قطرات المطر عليها يخدث صوتا يشبه صوت الأجراس.

إلا أن ذلك الصوت كان يطغى عليه صوت دقات قلبها , فقد كانت تسمعها كما لم تسمعها من قبل , و كانه يعلن في تمرد صارخ أنه ما يزال موجودا , و أنه يرنو إلى الحياة و لا يقبل أن تدفنه في صدرها بذلك الحزن الذي لا تريده أن ينتهي.

لقد كانت تحتاج إلى أن يخامرها شعور مهما كان حتى لو كان حزنا, فإذا لم تستطع أن تكون سعيدة فلتكن حزينة , ففكرة عدم الشعور بأي شئ تساوي عندها الموت.

*** ****

كانت كلما أدخلت الإبرة و أخرجتها من ثوب سعاد –الذي تعد هذه الرقعة السادسة التي تضعها عليه- تنظر إلى أطفالها في الجانب الآخر من الكوخ , و هم متلاصقون يحاولون تدفئة أجساد بعضهم ببعض , و تحس أن قلبها يكاد يتقطع و تنقلها الذكريات إلى وفاة زوجها ... تلك الذكريات التي أصبحت تناصبها العداء , و تجعلها تتمنى لو يعود عقلها صفحة بيضاء , كما كان , عندما كانت طفلة صغيرة , أكبر همها هو كيف ستكون تسريحة شعرها أو كيف سيكون شكل فستان العيد الذي لخص كل أحلامها مدة طويلة من طفولتها , تلك الطفولة التي اغتالها أهلها حين زوجوها و هي ما تزال في سن العاشرة.

كان الجميع يحسدها على زواجها من رجل قادم من العاصمة انواكشوط , فقد كانت تمثل النعيم بالنسبة لهم , بينما لم تمثل لهم سوى الجحيم , لقد كانت بالنسبة لها صحراء : صحراء قاحلة تسكنها رمال من البشر , يمكنك أن تجوع فيها و تموت عطشا دون أن تجد من يجرعك قطرة ماء , و تصرخ دون أن تسمع أي صدى لصرخاتك.

*** ********

جاء محمد يحي , صاحب الخامسة و الخمسين , إلى القرية و عند وصوله أخذ يطوف بالأسر باحثا لنفسه عن عروس , و قد وصلت أخبار ذلك قبل قدومه , فكانت الأمهات يزيّن بناتهن حتى يحالفهن الحظ , و يكون من نصيب إحداهن , و قد أخذتها أمها بدورها إلى إحدى نساء الحي و طلبت منها أن تظفر لها شعرها على طريقة "سانه مانه" نظرت إليها أمها باستغراب قائلة :
-هل أصبح العيد قريبا ؟
-نعم ,أصبح قريبا إن شاء الله.
-أي الأعياد ؟
أجابتها بابتسامة عريضة و هي تداعب شعرها :
-عيدك أنت يا عمري.

استغربت جوابها إلا أنها لم تطرح المزيد من الأسئلة , فالمهم بالنسبة لها التسريحة و الفستان و الملحفة التي اشترتها لها والدتها بعد أن كانت تمنعها من ارتدائها.

عندما جاء إلى أسرتها , نادتها والدتها و طلبت منها أن تجلب اها وسادة , و كانت كل دقيقة تناديها و تطلب منها طلبا.

**** *****

وقع اختياره عليها , و لم تستوعب الأمر إلا حين وجدت نفسها في انواكشوط , في "كزرته" التي تتكون من كوخ صغير ينامان فيه , و محل في جانب "الكزرة" يبيع فيه بعض المواد الغذائية .

كانت تحاول أن تتذكر بعض ما كانت تقوم به الدتها للقيام بواجباتها الزوجية , و رغم ذلك لم تحظ يوما برضا زوجها الذي كان يدمن على انتقادها –دائما- حتى أمام الآخرين.

لقد كان أبناؤها مجموعة من المشاغبين , يشتكي منهم الجميع , و كان زوجها دائما يتهمها بأنها لم تحسن تربيتهم , كانت تقول في نفسها : أنا نفسي بحاجة إلى من يربيني , فقد خطفتني قبل أن يكمل أهلي تربيتي , كانت تتمنى أن تقول له هذا بصوت مرتفع , إلا أنها كانت خائفة من ردة فعله.

*** ***** ****

مات و تركها وحيدة بين أبناء خمسة , لم تكن تستطيع أن تعود بهم إلى أهلها و تترك "كزرتهم" , ليستولي عليها آخرون , و تعود لهم بعيال فوق عيالهم .

كان رحيله زلزالا رهيبا حطم حياتها , و لم يكن ذلك حبا له , و إنما , لأنه كان سندا لها و لأولادها , فحاجتها له تغطي كل العيوب التي كانت تراها فيه.

**** ***** ******

كانت تجلس وسط النساء اللواتي كن يعزينها نظرت إليهن , إن فيهن وجوها لم ترها قط , حاولت تلافي دموعها و التماسك أمامهن , تلك الدموع التي كان الجميع ينظر إليها و ينتظر اللحظة التي ستنهمر فيها بينما لم تدر هي هل كانت تذرف الدموع عليه أم عليها ؟فقد عاش حياته كما أراد أن يعيشها بينما دفنها هي في رغباته و همومه , فكان كل من يراها يعتقد أنها في الخمسين من عمرها بينما لم تتجاوز الثانية و العشرين.

دار حديث النساء حول أشياء مختلفة , بدءا من طريقة تحضير الأرز بالسمك إلى الطريقة التي تمكن من زيادة الوزن , و ذلك الحديث بطبيعة الحال لم يخل من غيبة و نميمة , و لم يتوقفن عن الحديث إلا بعد أن وضع الطعام و أخذن في الأكل و بعد أن انتهين و أنهين ما في الصحون عزينها و انصرفن, كل إلى شأنها.

كانت تتذكر كل ذلك بألم و مرارة , و لم تخرج من دائرة ذكرياتها إلا عندما سقطت قطرة من ماء المطر على الشمعة , فأطفأتها , ليلف المكان ظلام رهيب , فآثرت أن تخلد إلى النوم حتى يأتي الغد المجهول.

- - -

يتواصل بحول الله
القصة القادمة : "غبار على وجهي"

محمدسالم
15-10-2008, 02:12 AM
جميل يا صيام، لك ألف شكر أن حركت ساحة القصة التي تعاني من شلل تام..
في انتظار البقية إن شاء الله...

efyfe
15-10-2008, 04:31 AM
لي عودة ...

و شكرا علي الاهداء

ود ...

Siyam
15-10-2008, 01:50 PM
محمد سالم :
شكرا على الشكر! و قد ارتأيتُ أن أبدأ مشاركاتي الجديدة -بعد التوقف الإضطراري- من هنا , رغم توفر على دراسات و مواضيع جديدة تتعلق بالمشهد الإعلامي , و ذلك من أجل التنبيه على هذا المشهد ( م القصة ) و من أجل تشجيع الإبداع و تكريم أهله حتى و إن كانوا ممّن لا نعرفهم و لا يعرفوننا!


efyfe أنت مبدعة ( على لغة البداع: بداع بداع ! ) و إهداء الشي إلى أهله و متذوقيه أَوْلَى ! ,لأنهم من يتذوقه و يقدره حق قَدْرِه, و هنا تجدون القصة الثانية من المجموعة :"غبار في وجهي":
** *** ***** ****

القصة الثانية


غبار على وجهي

لم تشعر بالإستغراب عند خروجها من القسم و رؤيتها لذلك الغبار الكثيف الذي كان يغطي ما بين السماء و الأرض , مع أنها لم تشهد مثل ذلك الصباح في صفاء جوه و اعتلال نسيمه , غير أنه يبدو أن الرياح و الغبار لم يرق لهما أن يقضي سكان مدينة انواكشوط يومهم كله على ذلك النحو.

تلثمت بطرف ملحفتها و اتجهت نحو البوابة الرئيسية .

كان هنالك الكثير من السيارات التي أتت لتقل بعض زميلاتها و بذلك ينتهي صراعهن مع الرياح , بينما يتعين عليها هي و الأخريات مواصلة السير حتى الشارع الرئيسي حيث سيجدن الحافلات.


*** **** ****

في الطريق سمعت صوتها ...نظرت إليها , إنها زوبعة عنيفة , مرت بإحدى الأشجار و أجبرتها على الإنحناء , فقررت هي فعل ذلك بنفسها , انحنت , و جلست القرفصاء و هي تحتضن دفاترها.

دارت الزوبعة حولها عدة دورات ثم مضت في طريقها , رفعت رأسها لتجد بعض المارة واقفين يسألونها هل أصابها مكروه؟ أجابتهم : بأنها بخير , أخذت امرأة منهم تنفض عن ملحفتها الغبار و أوراق الشجر التي علقت بها , نظرت إلى المرأة مبتسمة و قالت :
-هل تعرفين أن هذه الملحفة كانت بيضاء؟
ضحكت المرأة و قالت لها :
-الحمد لله على سلامتك , ما قمت به من انحناء حين فاجأتك الزوبعة كان فكرة ذكية.
-تعرفين ,في البادية عندما تفاجئنا الزوابع الكثيرة هناك نشير إليها و نقول :"خيمتنا فيها محمد", فيتغير اتجاه الزوبعة و لا تقتحم الخيمة , و لكنني لم أسأل ما ذا يقول الإنسان عند ما يكون واقفا وحده و الزوبعة قادمة إليه؟.
أدابها احد الرجال الواقفين بقربها :
-يشير إليها و يقول :"لا إله إلا الله , محمد رسول الله , الله أكبر".

**** ***** ****
تابعت سيرها باتجاه موقف الحافلات.. و عندما وصلت كان هناك الكثير من الأشخاص , وقفت وسط الزحام ..فجأة شعرت بشئ يشد طرف ملحفتها , نظرت خلفها حيث رأت شابا في العشرين من عمره و هو يرسم ابتسامة عريضة على شفتيه , صرخت في وجهه قائلة :
-ما ذا تريد؟
-لا. لا شئ فقط أريد أن أسألك كم الساعة ؟
-ليس عندي ساعة , و ابتعد عني من فضلك.
-ما ذا عن هذه التي في يدك ؟
-ليست مضبوطة على الوقت .
-لما ذا تضعينها إذن؟
-لكي أتزين بها . هل عندك ما نع ؟
-بالطبع! فأنت لست بحاجة إلى الزينة , فجمالك طبيعي و الزينة تشوهه , فانت تزينين الزينة.
-اسمعني جيدا هذا اليوم كان الأسوأ بالنسبة لي , و إذا لم تبتعد , فغنه سسيكون الأسوأ في تاريخ البشرية .

ابتعدَ عنها حين رأى حدّة غضبها , و عرف أنه لا فائدة من ملاحقتها .
رغم ـنها لا تعجب عادة بهذا الطفل و لا يعجبها هؤلاء الشبان الذين يبدأون بصب الكلام المعسول في آذان الفتيات دون سابق معرفة , إلا انها شعرت بالإمتنان له , لأنه أرجع إليها الثقة بنفسها فقد كانت على يقين تام بأن أهلها سيصيبهم الفزع عند رؤيتها و انها هي نفسها لن تتجرأ على مجرد النظر في المرآة .

*** **** ******

فجـأة توقفت حافلة عند قدميها غير ان السائق أخرج رأسه من النافذة و صرخ في عامله الذي يتعلق بمؤخرتها لتحصيل الأجرة :
-لا تترك التلاميذ يركبون , قبحهم الله هم و العشرة أواق التي يدفعونها!! ما اكثرهم , فلا أقف في مكان إلا و هم أمامي.
ارتفعت الأصوات "بسم الله الرحمن الرحيم" , قل :"ما شاء الله".
امتلأت الحافلة بالرجال و النساء بالإضافة إلى بعض التلاميذ الذين خاف السائق المشاكل معهم , فتركهم يتعلقون بمؤخرة الحافلة مع عامله , في ذلك الوقت شعرت برغبة في أن تكون ولدا مثلهم! فقد كانت تحلم بالذهاب بسرعة للمنزل و الخلود إلى الراحة و النوم قبل أن تعود إلى المدرسة في الثالثة.

لقد كانت بطاقات النقل المخفض للتلاميذ نقمة بدل أن تكون نعمة , فالحافلات تمر بهم إما أن تتوقف و ترفض أن تقلهم , و إما أن ترفض التوقف أصلا عند رؤيتهم.

استمر الحال على ذلك حتى الساعة الواحدة و النصف , و لم يبق في الموقف إلا التلاميذ و عندها توقف لهم أحد سائقي الحافلات فركبوا معه جميعا , نظر أحد التلاميذ إلى السائق قائلا :
-شكرا لك لأنك توقفت لـِتـُقـِلـَّنـَا , فقد أمضينا أكثر من ساعة و نحن واقفون على أقدامنا , فقد اضطهدنا زملاؤك و رفضوا أن نركب معهم , لأننا تلاميذ و ندفع أقل من الآخرين.

نظرت هي إليه و قالت :
-مكره أخاك لا بطل , صدقني هو لم يتوقف أمامنا إلا لأنه لم يجد غيرَنا , فنحن بالنسبة له أفضل من لا شئ!
ابتسم السائق قائلا :
-ما تقولينه صحيح يا عزيزتي , أقدرك , لأنك تفهمي الواقع .
-كبف لا أفهمه و أنا اعيشه يوميا ؟

***** *** *****

نظرت إلى وجوه التلاميذ الذين معها , فلم يتسن لها ذلك عند ما كانت في الموقف , فنظـرُهَا كان معلقا بالطريق و الحافلات التي تمر عليه.

كانت وجوههم مغطاة بالغبار و أعينهم محشوة بالتراب , و روموشهم تحولت إلى اللون الرمادي و شفاههم يابسة تتشقق و كأنه لم تمسها قطرة ماء قط , فعرفت انها لن تكون أفضل حالا منهم.

= ==
يتواصل بحول الله
الموضوع القادم, القصة الثالثة :"الخطوط".

الفتى المدلل
15-10-2008, 02:15 PM
رائع هذا الكتاب وهذه القصص الجميلة

شكرا لك اخي الكريم صيام علي هذا التراث الرائع وعلي المجهود الأروع الذي بذلته من أجل إحضار كل هذا الإبداع..

دمت لنا ولمشهدنا الغالي

في انتظار البقية تقبل كثير مودتي وتقديري واحترامي لك
اخي الفاضل صيام
الفتي المدلل

أحمد الحسن
15-10-2008, 03:30 PM
العزيز صيام،

شكرا علي هذه الإضافة.

قرأت أولى القصص أعجبتني طريقة الكاتبة في التعبير،بين قطرة وأخرى يتوقف الزمن ليتم استعراض شريط الذكريات حتى إذا سقطت القطرة الموالية استفاقت البطلة على واقعها!

كأني كنت أقرأ لأمل دنقل قصيدة الزهرات، البطلة تروي حكايتها كما كانت زهرات أمل دنقل تفعل في تشابه غريب بين البداية والنهاية، ورغم ما عانته البطلة فهي كالزهرات راضية بقدرها، راضية تحمل إسم قاتلها في بطاقة رغم أن الموريتانية لم ترض بعد بحمل إسم زوجها!



تتحدّثُ لي الزهراتُ الجميلةُ

أنّ أعيُنَها اتّسَعَت –دهشةً-

لحظةَ القطفْ،

لحظةَ القصفْ،

لحظةَ إعدامِها في الخميلةْ!

تتحدّثُ لي..

أنّها سَقطَت مِن على عَرشِها في البساتينْ

ثم أفاقَتْ على عَرضِها في زُجاجِ الدكاكينْ،

أو بينَ أيدي المنادينْ،

حتى اشترتها اليدُ المتفضّلةُ العابرةْ

تتحدّثُ لي..

كيف جاءت إليّ..

(وأحزانُها الملكيّةُ ترفعُ أعناقها الخضرَ)

كي تتمنّى ليَ العمرَ!

وهي تجودُ بأنفاسِها الآخرةْ!!

Siyam
16-10-2008, 12:13 PM
أخوَيّ الكريمين : الفتى المدلل و أحمد الحسن شكرا لكما على المرور الكريم و التعليقات الطيبة , و هذه هي القصة الثالثة : "الخطوط"
= = = == =

القصة الثالثة : "الخطوط"

كانت عائشة تبحث في توتر شديد بين الأغراض المبعثرة في خزانة غرفة نومها , نظرت إلى مريم قائلة :
-إلى متى ستظلين تنظرين إلى المرآة و لا تكلفين نفسك مجرد عناء سؤالي عن الذي أبحث عنه؟!
-و عم تبحثين؟
-أبحث عن المشد , فلا يمكنني الذهاب إلى الحفب و بطني على هذا النحو, لقد كبرتُ كثيرا منذ أن ذهبت إلى البادية العام الماضي , فلا أعرف لماذا لا يمكنني أن أكون سمينة دون أن تكون بطني كبيرة هكذا؟
-توقفي عن هذا الحديث السخيف , المشد هناك في الدرج السفلي للخزانة.
-ألم يكن بإمكانك أن تقولي هذا قبل أن أحدث كل هذه الفوضى ؟
-لم تسأليني؟
-لم أشعر أنك تنتبهين لوجودي , فأنت جالسة منذ ساعات تحدقين في هذه المرآة و لا أعرف السبب؟ فلم تبدئي حتى الآن بوضع الزينة , لكن انتبهي ما إن أنتهي من وضع المشدّ و أخرج من الحملم حتى نذهب, فاستعدي.

واصلت النظر في المرآة و بدأت تتحسس تلك الخطوط التي تغزو وجهها تدريجيا , إنها تزداد انتشارا , لقد بدأ جلدها في الإرتخاء إلى أسفل , و كذلك رقبتها , كانت تشعر بمرارة شديدة , لقد بدأ كل شئ ينتهي , و بدأ العد التنازلي لجمالها الذي طالما اعتبرته رأس مالها الأساسي.

خرجت عائشة من الحمام و صرخت قائلة :
-ما زلتِ كما تركتُك؟
-ردت عليها بصوت متقطع : أنا ..أنا لستُ ذاهبةً معك.
-ما بك يا مريم ؟ قولي لي أنا صديقتك و أختك , أرجوك.
-انظري إلى وجهي هل ترين تلك الخطوط ؟ لقد بدأت أفقده , بدأت أفقد جمالي .
-عم تتحدثين؟! هذه سنة الحياة و قدرنا جميعا.
-قدركم و استسلمتم له , لأنه ليس مشكلة بالنسبة لكم , و لكن أنا ما ذا أفعل ؟ لقد كان كل ما أملك , و ها أنذا أفقده , لقد كان الرجال يركضون ورائي , لا أطلب شيئا إلا و يُنَفَّذ لي , يكفيني فقط أن أبتسم لأحدهم ليضع الدنيا بين يديّ , لكن -الآن – الجميع يتهرب مني , فلم أعد أملك ما يريدون.
-ما بك يا مريم كل هذا بسبب موقف "سيدي" بالأمس , لم أعتقد أن كلامه سيؤثر فيك إلى هذه الدرجة.
-ليس بسبب ذلك فقط , كل شئ تغير في حياتي حتى أزواجي السابقي توقفوا عن الإلحاح طلب الرجوع إليهم ...كلام "سيدي" صحيح لقد كنتُ أعتمد على الجزء الفاني فـِيّ , اعتمدتُ على شئ في طريقه إلى الإنتهاء , لم أكمل دراستي , و لم أبحث عن عمل , كان همي الوحيد أن يراني الجميع و أنا أسحب رجلا حلفي و يده في جيبه , حتى أبنائي لم أتردد في إعطائهم لآبائهم ليتولوا تربيتهم , فلم يكن لديّ وقت لذلك.

اقتربت عائشة منها و وضَعَـت يدها فوق كتفها قائلة :
-علينا دائما أن نضع اعتبارا لكل الإحتمالات و نحسب حسابها , لا يمكن لأحد أن يظل في المقدمة , فذلك يتطلب مجهودا كبيرا , فسيتعب حتما و يبدأ في التراجع إلى الخلف , هذه سنة الحياة و علينا أن نَعـِيَهَا جيدا.

-ما هذا يا عائشة ؟ يبدو أن الفلسفة التي يصبها زوجك في أذنيك بين الحين و الآخر قد أثرت فيك .

ضحكت عائشة ساخرة و قالت :
-هذا الأستاذ الذي تزوجته أقرب مثال على التناقض في هذه الحياة , فمع شعاراته التي يرفعها حول ضرورة تعلم المرأة لم يتردد في أن يطلب مني ترك الدراسة و التفرغ له و لمنزل الزوجية كما يقول , مع أننا لا نعيش في هذا المنزل إلا ثلاثة أشهر في السنة , بينما يقضي هو بقيتها في العمل أستاذا في الخارج و أقضيه أنا في منزل امرأة مجنونة مثلك.

نظرت إليها مريم و وضعت المرآة جانبا و قالت :
-أنا لستُ مجنونة و لكني مجرد امرأة بدأت تعيد حساباتها , و أرجو أن لا يكون الوقت قد فات .
-أرجو أنا ذلك أيضا , و لكني أعتقد أن وقت الحفل سينتهي , إذا لم تستعدي و تأتي معي حالا , و تأكدي أنني لن أذهب من دونك.
-سأذهب معك يا عائشة , فقد ينتشلني ذلك من هذه الأفكار التي تحاصرني.

********** ***********

وضعتْ يدَها على زر الإضاءة لتترك المنزل و الأفكار التي تركـَـتــْهَا فيه يغرقان في الظلام من دونها , إنها تنظر إلى ذلك النور الخافت أمامها ستسعى إليه بكل ما لديها من عزم , لتصنع مستقبلا أكثر إشراقا مهما كانت مدته قصيرة.

= =
يتواصل بحول الله

القصة القادمة :"الحدود".

ابراهيم الناجم
19-10-2008, 09:44 AM
10علا10يا اختي العزيزه جميل جدا ماكتبتي واتمنالك المزيد من التفوق والنجاح دام قلمك ودام اسلوبك الرائع

efyfe
19-10-2008, 07:14 PM
سلامٌ عليكِ ، وعلى أرملة أزاحت الغبار عن وجهي ..
عن تلك الخطوط العالقة بخطوط الزمن...

سلامٌ عليك (طيبة)
سلامٌ على اللغةِ ، تختنق بين يديك

و سلام عليهن أيضا...

Siyam دمت

Siyam
20-10-2008, 09:14 AM
إبراهيم الناجم و efyfe شكرا لكما على المرور العطر , و قد تاخر نشر "الحدود" نظرا لطولها و ما تتطلبه طباعتها من جهد , فهي أطول القصص , و ربما أكثرها حزنا و مأساوية , و في ما يلي قصة "الحدود".
**** ****

4-"الحدود"

الساعة الواحدة و النصف و لم يجهز الطعام بعد , و قد تعبت من أسئلة مريم التي تسأل عنه كل دقيقة , لم تتأخر هكذا في إعداد الطعام من قبل , إلا أن إعداد الشاي أخذ الكثير من وقتها و هو ما أتاح الفرصةة لمريم لممارسة سلطة "النسب" عليها.

كشفت الغطاء عن القدر , فأحرق البخار يدها و أوقع الغطاء منها , ليحدث جلبة كبيرة ترافقت مع جلبة قادمة من الخارج ... و حين خرجت لمعرفة سببها , فوجئت بمريم و هي تضع يديها على رأسها و تنتحب و زوجها موسى واقف يحاول تهدئتها .

نظرت إليه باستغراب و سألته :
-ما الأمر ؟ ما ذا حدث ؟
-إنه مولاي , لقد سقط في المحل قبل قليل و أخذ يتلوى من شدة الألم .
-ما به و أين هو الآن ؟
-أخذه أخوه محمود إلى المسنشفى و جئت أنا لأخبركم.
وقفت مريم و قالت :
-أنا ذاهبة إلى هناك ...هيا بنا.
أخذها زوجها إلى المستشفى و بقيت هي تنتظر , اقترب منها ابنها محمد و سألها :
-لما ذا لم تذهبي معهم ؟
-لأنه ينبغي أن أفعل ذلك –خصوصا و عمك محمود هناك- فلا ينبغي أن أظهر اهتماما زائدا أمامه , فذلك لا يصح في عاداتنا .

فطن ابنها محمد إلى ضيق صدرها في ذلك الحين , لذلك لم يطلب المزيد من الأجوبة .

ظلت تنتظر حتى المساء و لم يعد أحد ليطمئنها عليه , لعبت الظنون بعقلها و أخذتها الوساوس بكل اتجاه إلى أن جاء موسى ليخبرها بأنهم في المستشفى أجروا له عملية الزائدة الدودية و طلب منها مرافقته لتطمئن عليه, إلا أنها سألته عن محمود هل لا زال في المستشفى ؟ فأجابها بأنه أوصله إلى منزله كي يستريح قليلا و جاء لاصطحابها .

***** ********** *****
عند وصولها إلى الغرفة التي يوجد فيها رأته ممددا على السرير مغمض العينين بدون حراك , ركّزت بصرها على صدره لعلها تراه يصعد أو يهبط فتطمئن إلى أنه ما زال يتنفس , نظر إليها قائلا :
-اطمئني , إنه يحظى بعناية فائقة , ألم تري كل هؤلاء الأطباء الذين أتوا لفحصه مع أن جراحته يسيرة و تجرى يوميا ...
-إذا كان الأمر –كما تقول- فلماذا يأتي كل هؤلاء الأطباء لفحصه ؟ أ لا يدل ذلك على أن حالته خطيرة ؟!

خرج الأطباء من الغرفة باضطراب و قلق –و هم يتحدثون بحدّة- و كان آخر من خرج منهم الدكتور محمد يحي الذي أجرى الجراحة و معه مدير المستشفى.

كان الدكتور محمد يحي شاحب الوجه و يتصبب عرقا من ما دعلهم يحسون بقلق شديد , نظر إليهم مدير المستشفى قائلا :
-آسف لما سأقوله , و لكني مظطر لقوله ..
قاطعه موسى قائلا :
-هل حدث مكروه لمولاي ؟
-لا لم يحدث له أي مكروه و حالته مستقرة , لكن حدث خطأ في التشخيص الأوليّ للحالة , فعندما أتيتم بالمريض و عاينه الدكتور محمد يحي اعتقد أنه مصاب بالتهاب حاد في الزائدة الدودية , و لم ينتظر أن يجري الفحوص اللازمة و قام باجراء العملية مخافة تدهور وضعه الصحي ,إلا أنه اكتشف بعد اجرائها و استئصال الزائدة الدودية أنها لم تكن ملتهبة , و بعد معاينة الأطباء له أكدوا ذلك أيضا , إلا أنهم لم يستطيعوا تحديد المرض بعد , و هم الآن ينتظرون أن يفيق من التخدير و تستقر حالته الصحية كي يتمكنوا من إجراء بعض الفحص اللازمة لمعرفة طبيعة مرضه .

أحست – و هي تستمع إلى هذا الكلام- أن الأرض تتحرك تحت قدميها , كيف يقوم طبيب بتمزيق أحشاء مريض إذا لم يكن متأكدا من طبيعة مرضه ؟

أثَرُ الصدمة جعلها لا ترى و لا تسمع شيئا , كان صوت موسى الذي يصرخ بعصبية شديدة يصل إلى أذنيها و كأنه آت من بئر سحيق , و لم تفق من صدمتها إلا و الممرضون يمسكون به و يحاولون تهدئته و هو يصرخ في وجه الدكتور محمد يحي و مدير المستشفى و يصب عليهم اللعنات و الشتائم و يهددهم أنه سوف يقدم ضدهم شكوى.

عندما عادت مريم و أخوها محمود إلى المستشفى أخذها موسى إلى المنزل , و لم يتوقف طوال الطريق عن الحديث عن إهمال الأطباء و الفوضى العارمة التي تعم المستشفيات , و أن الأطباء جزارون تعودوا على رؤية الدم و لا يهمهم حياة المريض , إلا أن كل ذلك لم يكن يعنيها في شئ , فكل ما كان يشغل بالها سؤال واحد فقط , هل سيعيش أم لا ؟

في الصباح الباكر أتتها أخت زوجها مريم و أختها هي عائشة و بعض قريباتها , ظلت مريم تدعوا على الطبيب طوال الوقت , قالت فالة:
-المشكلة ليست في هذا الطبيب وحده , ألم تسمعوا بقصة المرأة التي ذهبت إلى المستشفى لأخذ نتائج بعض الفحوص , إلا أن الطبيب أخبرها أن النتائج تظهر أنها تعاني من التهاب في المرارة , و أنه من الأفضل إجراء الجراحة فورا , و أدخلوها في غرفة العمليات التي لم تخرج منها إلا جثة هامدة ليكتشفوا بعد ذلك أن الفحوص التي أجريت على أساسها العملية لم تكن لها , و إنما كانت لشخص آخر.

قالت عائشة :
-و أنا لا أنسى حتى الآن عندما ذهبت العام الماضي إلى المستشفى –و أنا اعاني من الرمد-و أعطاني الطبيب -الذي اكتشفتُ فيما بعد أنه مجرد ممرض – دواء على شكل قطرة , و عندما استعملته تورمت عيناي ثم بعد ذلك وجهي , و ما زلت –حتى الأن- أدين لزوجي لأنه لم يطلقني عندما رآني على تلك الحال , مع أنني لم أستطع النظر إلى وجهي في المرآة.

ضحكت فالة و قالت :
-أنت محقة , لكن المشكلة أن هؤلاء الأطباء مشغولون في عياداتهم و لا توجد عليهم رقابة , بالإضافة إلى أن أغلب الممرضين أصبحوا يعتبرون أنفسهم أطباء اعتمادا على عامل الخبرة , مع أنه توجد أدوية لها آثار جانبية لدرجة أن بعض الأطباء يترددون أحيانا في وصفها للمريض قبل التأكد من قابليته لالقيها.

كانت تستمع إلى هذا الحديث دون أن تعيره أي اهتمام , فقد كان ما يشغل بالها هو التفكير في مصيرها و أبنائها إذا ما حدث أي مكروه لزوجها –لا سمح الله- , كانت تحس بالوحدة و العزلة رغم ذلك الضجيج الذي يحيط بها , لذلك لم تفكر حتى في مجرد المشاركة.

في الأيام الأخيرة جاء إلى منزلها الكثير من أقارب زوجها الذين لم تكن تعرفهم و الكثير من أقاربها الذين لم ترهم منذ فترة طويلة , كان بعضهم يحمل معه بعض النقود , فيما لم يحمل آخرون إلا الدموع و الأسى , بينما احتفظت هي بدموعها لظروف قد تكون أصعب و أقسى من هذه التي تواجهها .


********** ***********

بعد وفاة زوجها جاء أخوه و طلب مقابلتها , جلست بمنأى عنه – و هي تغطي كامل وجهها , نظر إليها ثم طأطأ رأسه قائلا :
-( إنا لله و إنا إليه راجعون ) لقد حدث ما حدث و لا يسعنا إلا التفويض لأمر الله أود أن أخبرك بأن "الجماعة" قررت بيع محل زوجك –لأنه لا يوجد من يرعاه –فأنا مسافر دائما كما تعلمين , و أبناؤك ما زالوا صغارا و ستشتري بثمنه "كزرة" تسكنون فيها بدل هذا المنزل الذي لن تستطيعوا دفع إيجاره دائما.

أجابته –بصوت لا يكاد يُسمَع-:
-الرأي لكم , و لكني لا أستطيع الرحيل قبل أن أؤدي الحق الذي فرضه الله عليّ.
-تقصدين العدة , نحن لا ستعجلك , و إنما نُعلمك بما قررنا , بينما تنهين عدتك سنبحث عن مشتر للمحل ّ ثم عن "كزرة" مناسبة لنشتريها لكم , الوقت ما زال أمامك.

أخذ الرجل نعليه و انصرف , و بقيت هي تفكر في حجم المأساة التي اكتنفتها , كيف ستعيش هي و أبناؤها بعد أن يباع المحل ؟ هل سيعيشون على المساعدات التي يقدمها لهم أقارب زوجها ؟

دخلت عليها فالة التي لم تتركها منذ فاة زوجها قائلة :
-صفية . هل حقا ستبيعون المحل ؟ و لماذا ؟
لأن الجماعة قررت ذلك ,فلا يوجد من يعتني به كما تعلمين .
-عن أي جماعة تتحدثين؟ ألا يكفي أنهم تركوا ذلك الطبيب الذي تسبب في موت زوجك الذي كان المعيل الوحيد لأسرتك , و لم يأخذوا منه الدية حتى عندما عقدوا تلك المصالحة القبلية , لا كوني غبية , قد يقدمون لك المساعدة سنة أو سنتين , و لكنهم بعد ذلك سينشغلون عنك و عن أبنائك و سينسونك فالحياة لا ترحم .
-و لكن ما ذا أفعل ؟
-استأجري من يعتني بالمحل و أعطه أجرا مرضيا مقابل ذلك.
-و أين ذلك الشخص ؟ و هل تضمنين لي أمانته في زمن أصبح الولد فيه يسرق أباه , و أنا –كما تعلمين- امرأة مسكينة لا أعرف الحساب و لا هذه الأمور , و هذا مال أيتام حرام عليّ تضييعه .
-لكن عليك أن تتدبري أمرك و تجدي مصدرا للدخل , فتحاولين العمل أو التجارة .
-و أي عمل أو تجارة لامرأة مثلي ؟
-يمكنك أن تتعلمي خياطة الملاحف أو تشتري بعض الملابس و أدوات الزينة و تقومي ببيعها لأصدقائك و معارفك , و هذا ما تفعله كثير من النساء.
-من هنا حتى تنتهي أشهر العدة سأفكر في الموضوع.

*** *******

انتهت أشهر العدة و المنزل لا يكاد يخلو من الزوار , فالكل يحاول مواساتها و أبناءها , و في يوم الرحيل قام الجميع بمساعدتهم.

كانت "الكزرة" التي انتقلوا إليها تتكون من حجرة من الإسمنت يبدو أنها قديمة بعض الشئ, لكنهم قاموا بطلائها من جديد , بالإضافة إلى كوخ خشبي يبدو أنه أُعــِدَّ ليكون مطبخا و حماما من الصفيح, و الجميع محاط ببعض الألواح الخشبية و الإطارات القديمة من أجل الحفاظ على حدود القطعة الأرضية.

مع أن المكان يبدو حقيرا و لا يستحق الثمن الذي دُفــِعَ لشرائه , إلا أن محمود شقيق زوجها أخبرها بأن موقعه سيكون له مستقبل واعد , بالإضافة إلى أنه قام بإعطائها بقية ثمن المحل.

في مساء اليوم الأول لقدومها جاءت جاراتها ليسلمن عليها , منين و خديجة و تنبغ.

كانت تنبغ امرأة في الأربعين من العمر و لم يكن شكلها مريحا , فقد كانت تنظر إليها نظرات غريبة بالإضافة إلى التحقيق الذي فتحته معها :
-من أين أنتم ؟
-أتينا من حي سوكوجيم؟
-و ما الذي أتى بكم إلى "الكزرة"؟ أم أنكم ممن يريدون الإستفادة من القطع الأرضية التي سيتم توزيعها عند ما تقرر الدولة ذلك.
-لا , هذه الأسرة كانت تستأجر منزلا في سوكوجيم , و رحلت عنه عندما توفي معيلها و لم يعد لديها ما تدفع به إيجاره.

بلّت المرأة اصبعها بـِريقها و غمسته في التراب ...شعرَت هي بالضيق من ذلك التصرف الذي ذكّرَها بتصرف صديقتها مكفولة التي رفضت مصافحتها طيلة أشهر العدة, مع أن فالة غضبت منها و قالت لها : أن التطير حرام و الموت لا يعدي!

تابعت المرأة سيل أسئلتها عن وفاة زوجها و كيف كانت ؟ و ما ذا كان عمله و من أين أتوا أصلا ؟ و من أي قبيلة هم؟ و هل زوجها ابن عمها أم لا ؟ و هل أهلهم موجودون في انواكشوط ؟... شعرت بضيق شديد من ذلم التحقيق الذي قلب عليها المواجع و ذكّرَها بمأساة كانت تحاول تناسيها مع علمها بأنها لن تستطيع , حاولت أن تكون مؤدبة قدر -المستطاع –مع المرأة حتى ودّعتها و ذهبت من عدها .

*********** ************

بعد أسبوع من إقامتها في المسكن الجديد لاحظت تغيّر بعض أماكن الأعمدة و الإطارات التي كانت موضوعة لتكون بمثابة حدود للقطعة الأرضية , حاولت تجاهل الأمر , لكنه كان يتزايد بوتيرة متصاعدة , و في أحد الأيام جاءتها صديقتها فالة , و عندما أخبرتها بالأمر قالت لها :
-يا لك من غبية! المرأة تحاول الإستيلاء على أرضك و أنت تنبقين صامتة!!.

-ما ذا باستطاعتي أن أفعل ؟ فأنا لم أرها تفعل ذلك.
-يا إلهي أي نوع من البشر أنت ! و هل تظنين أنها كانت لتفعل ذلك أمامك؟ إنها ستحفر في الليل مثل الفئران و تتظاهر بأنها لم تغير شيئا , عليك أن تذهبي و تكلميها .
-أذهب أنا ؟
-و مم أنت خائفة ؟
-سامح الله محمود .. فهو الذي أتى بنا إلى هنا , فمشاكل "الكزرة" لا تنتهي و كل يوم نسمع بوقوع شـِجـَارٍ فيها , و أنا لم أتعود على هذه الأمور , و كنت أحب أن تكون علاقتي بجيراني جيدة.
-لا تتكلمي بهذه الطريقة مرة ثانية , عليك من الآن أن تكوني رجلا و امرأة في آن واحد , و أن تحمي أولادك و ممتلكاتهم , فهذه "الكزرة" مال أيتام و عليك الحفاظ عليها حتى يكبروا .
-حسنا يا فالة ! سأحاول و سأذهب إليها.
-اذهبي إليها الآن و سأذهب أنا معك.

ذهبتا معا و كانت فالة كمن يدفعها إلى الأمام , و ما إن اقتربتا من "كزرة" الجارة حتى وقفت لهما عند الباب , لم تشعر صفية بالإرتياح عند رؤية اكفهرار وجهها , لكنها استجمعت شجاعتها و سلّمت عليها , ردّت عليها المرأة السلام بدون تحمس أو ترحيب و لم تطلب منهما مجرد الدخول , استأنفت صفية الحديث قائلة :
-لاحظت يا "تنبغ" منذ أيام تغيّر بعض أماكن الأعمدة و الإطارات الموجودة في الحدود بيننا .

لم تتركها تكمل كلامها و قلبت طرفي ملحفتها عن ذراعيها , و وضعت يدها على خاصرتها و صرخت في وجهها قائلة :
-أي حدود يا أم الحدود؟ لم تأت إلى هنا إلا منذ شهر واحد و تحاولي التطاول على أصحاب الأرض الأصليين و تتهمينهم بالسرق ة.
-لم أتهمكم بالسرقة , لا سمح الله!
-اسكتي أيتها الوضيعة , و هل تستطيعين ذلك ؟
شعرت بصدمة جراء تلك الكلمة النابية و لم ترد عليها , غير أن "فالة" شمّرت عن سواعدها و قالت :
-أنت –وحدكِ- الوضيعة , و لا أحد غيرك! تتطاولين و ترفعين صوتك على هذه المسكينة لأنها جاءت تطالب بحقها و حق أبنائها الأيتام , و الله لو نطقت كلمة واحدة فسأسويك بالأرض و أجعلك تبتلعين لسانك القذر.
-تجعلين من يبتلع لسانه أيتها الحمقاء المغرورة؟


تقدمت كل منهما نحو الأخرى غير أن "صفية" أمسكت "فالة" و طلبت منها التراجع , بالإضافة إلى أن المكان أصبح يعج بالأشخاص الذين يبدو أن هذا المنظر كان مألوفا بالنسبة لهم , فلم يَـبـْدُ على أحد منهم الإستغراب .

في هذه الأثناء التفتت لترى ابنها محمد قادما هو و إخوته من المدرسة , تقدّم و سألها ما الأمر؟ فطلبت منه أن يذهب مع إخوته إلى "كزرتهم" لكن "تنبغ" نظرت إليه قائلة :
-أمك تريد خلق المشاكل و تتهمنا بالسرقة , و لا يكفيها أنها نحستنا , فقد كانت تأتينا الإسعافات و المساعدات , و منذ قدومها لم يسألنا أحد عن الأخبار!!! فهي نحس و شؤم على "الكزرة" كما كانت على والد الذي مات و لا عجب أن يموت من يتزوج امرأة مثلها.

كانت تصب الإهانات على "صفية" و هي صامتة , تتصبب عرقا , و لم تبقَ كلمةٌ نابيةٌ إلا و قالتها في حقها , و كان محمد ينظر إليها باستغراب , و في لحظة من اللحظات انقطع عنه صوتها و لم يعد يسمع ما تتفوه به , كان ينظر إليها مستغربا حركاتها و تعابير وجهها , فقد كان حاجباها يرتفعان و يهبطان بوتيرة متسارعة , و كانت تفتح فمها حتى يُرَى حلقها , بالإضافة إلى تلك الرائحة النتنة التي كانت تنبعث من إبطيها عند ما ترفع ذراعيها و التضاريس التي نحتتها الأوساخ على ذراعيها و ساقيها اللذين كانا يظهران عند قيامها بتلك الحركات البهلوانية التي كان الهدف منها التأثير على الخصم و شل حركته.

لم يكن من محمد عندما سمع الإهانات الموجهة إلى والدته رؤيته لتلك الحركات و ذلك الصراخ الذي كانت تقوم به "تنبغ" إلا أن التقط حجرا و رماها به ليصيبها في الرأس.

ساد المكانَ سكونٌ رهيبٌ , و نظر محمد إلى وجه أمه ليرى الدهشة التي ارتسمت عليه , لقد كانت شفتاها ناصعتي البياض و وجهها شاحبا و كأن الدم قد توقف عن التدفق في عروقها.

شعر بالندم على ما فعل , لكنه شعَر تجاه المرأة بحقد لم يشعر به من قبلُ, و في خضَمّ تلك الدهشة أطلق محمد ساقيه للريح مبتعدا عن المكان ...عند ذلك أدركت أنها فقدت السيطرة تماما و أن الحدود التي جهدت لوضعها بين أسرتها و الهاوية أوشكت على التلاشئ تحت ضغط الواقع المقيت.

يتواصل بحول الله
القصة القادمة :
5-"رحلة مع الألم"

ابراهيم الناجم
20-10-2008, 03:49 PM
شكرا اخي علا هذه القصص الرئعه والجميله واللتي تتكلم عن بعض الوقائع مثل تصرف عم الأولاد مع زوجة اخيه المتوفي وأولادها الأيتام
بدلا من ان يحملهما علا راسه القابهم إلي الهاويه وهذا كثيرا مايحدث
في مشتمعني واخيرا اكرر شكري وتقديري ممزوجين برائحة الورد

Siyam
22-10-2008, 08:27 AM
5-رحلة مع الألم

أصبحت مرآة السيارة الأمامية مثل التلفاز , تتغير المناظر من خلالها بسرعة و اطراد, فقد كانت الخيام التي بدت على شكل مثلثات بيضاء مرسومة على ولاقة خضراء تبدو لهم كلما ارتفعوا عن تل من التلال و تختفي كلما هبطوا منه , فكان المنظر يوحي بالكثير من البهجة و السرور , نظر إليها السائق قائلا :
-هل يعجبك المنظر؟
-نعم , إنه رائع, لا شك أن الجميع هنا سعداء و مرتاحون.
-ذلك ليس بشرط , فالسعادة لا تترافق دائما مع المناظر الجميلة , مع أنها قد تكون سببا فيها , مع ذلك لا تفكري أبدا في المجئ إلى هنا في فصل الصيف , لأنك ستغيرين رأيك نهائيا.

هزت رأسها في صمت و لم تسترسل معه في الحديث لأنه سار على هذا المنوال , فسيفسد عليها بهجتها .
-و أخيرا ةصلنا.
قالها السائق –و هو يوقف السيارة التي تحلق حولها الكثير من المرحبين بقدوم الزوار الجدد .

ترجلت من السيارة و بدأت تبحث بين الوجوه عن وجه عمتها الحبيبة و بناتها , و لم ترها إلا أنها سمعت صوتها و هي تنادي عليها و ترحب بها لتظهر لها و هي تقتحم ذلك الحشد و تأخذها في حضنها و تبدأ في تقبيلها و مداعبتها , كأنها طفلة صغيرة بدأت تتحسس ذراعيها ثم صرخت :
-يا إلهي ! أنت هزيلة و كأنك خارجة من قبرك , الحمد لله أنك أتيت هذا الخريف , فاللبن كثير و الحمد لله , و لن أتركك حتى تكتسي هذه العظام كلها شحما بإذن الله.
ضحكت هي قائلة :
-ألا تنتظرين يا عمتي حتى أستريح قبل أن تصدري هذا التهديد , و أرجوك اتركيني حتى أسلّم على بنات عمتي فقد اشتقت إليهن كثيرا.

******* *********** ***


انقضت الأيام الأولى بسرعة و لم تجد لحظة فراغ واحدة , فقد كانت الخيمة تعج ليل نهار بالنساء اللواتي أتين ليسلمن عليها , كان الجميع سعيدا بقدومها –خصوصا خديجة صديقتها العزيزة و المقربة إليها من بنات عمتها إلا أنها لم تكن تبدو بخير-فقد بدأت أكبر بكثير مما هي عليه أصلا , فقد كان الحزن يغطي ملامحها مع انها اجتهدت لاخفائه عنها , اعتقدت هي أن ذلك يرجع إلى ما حدث لها العام الماضي حين طلقها زوجها بعد وفاة ابنها بمدة قصيرة غير أن ما يقلقها في الأمر هو ذلك الكابوس الذي تراه كل ليلة و صراخها عند رؤيته و هو ما جعل بعضهم يعتقد أنها مجنونة.

كانت تتحين الفرص لتحدثها حول الموضوع , و في أحد الأيام طلبت منه أن تتمشى معها قليلا , كانت خديجة تنظر وراءها كل دقيقة و تقول : لقد ابتعدنا كثيرا , نظرت إليها قائلة :
-أعرف أننا ابتعدنا , و قد قصدت ذلك , تعالي لنجلس على تلك البطحاء و نتحدث :
-نتحدث عن ما ذا ؟
-نتحدث عنك , خديجة أحوالك لم تعد تعجبني و أحس أنك تخفين عني شيئا .
-أخفي عنك ؟ ما ذا ؟
-ما حكاية الكابوس الذي ترينه كل ليلية ؟
-إنه مجرد كابوس , لما ذا تسألين ؟
-أسأل لأني أحبك و أريد مساعدتك , يجب أن تخبريني ما الأمر , فقد أخبرتني عمتي أنك رفضت الحديث معها , و أخواتك كذلك , أرجوك..
-إذن هم طلبوا منك أن تسأليني ؟
-لم يطلبوا مني شيئا ..أنا أرجوك أن تتحدثي , فأنا أريد مساعدتك.
- لا يمكن لأحد أن يساعدني , فأنا فعلت هذا بنفسي .
-ما ذا فعلت بنفسك ؟
-لا شئ ... أنت تريدين الحلم و سأقصه عليك ... أرى نفسي كأنني في روضة من الرياض إلا أن قدماي تسوقاني بشكل غير إرادي نحو ذلك المكان الذي يبدو فيه الظلام شديدا و حالكا , و كلما اقتربت أشعر أن قدماي تغوصان فيه و يزداد خفقان و أشعر بتلك الأيدي تمتد إليّ في العتمة و شقوقها و أظافرها الطويلة تغوص في لحمي و تسحبني إلى الأسفل , و فجأة ينقشع الظلام عن الأفق البعيد , فأرى وجةها أعرفها , و لكنها لا تلتفت إليّ و أنادي بأسماء لكنها تختنق في حنجرتي و تنهمر دموع لكنها لا تتجاوز مقلتيّ , و أشعر بعجز تام حتى عن طلب المساعدة أو التعبير عن الألم الذي أشعر به , و أثناء كل ذلك يظهر الوجه المحبب و ينظر إليّ نظرة تجعلني أنسى كل الألم الذي أشعر به.
-ترين وجه من ؟
-وجه ابني الحبيب الذي كان يبتسم لي ابتسامة ما تزال مرتسمة في مخيلتي , كان يقترب مني و يمد لي يديه , و لكنه يتراجع فجأة إلى الوراء لتبتلعه تلك الأرض المظلمة و الابتسامة لا تفارق وجهه , و أصرخ , و أصرخ و أحاول انتشاله لكن دون جدوى.
-هذا ما يجعلك حزينة , أنك فقدت ابنك ؟ هذا قضاء الله و قدره.
-ما يجعلني حزينة هو أنه يبتسم لي في الحلم و يحاول مساعدتي مع أنني تسببتُ في موته.
-تسببتِ في موته! ..كيف؟
-سأخبرك بأمر لم أخبر به أحدا قبلك
-أعدك أنني أيضا لن أخبر به أحدا ..صدقيني.
-في العام الماضي عندما فطمته طلب أهل والده منه أن يأتي بنا لنعيش منهم , و هو ما جرت عليه العادة كما تعلمين , لذلك جهز الأهل كل شئ و اشتروا كل ما يلزمني , و ارتحلنا إلى هناك, و في اليوم الثاني لقدومنا ذبحوا لنا بعض الشياه و دعوا أهل الحي جميعا , كنت في خيمة النساء التي كانت مكتظة بهن و كانت بجانبها خيمة الرجال و أمامها و على بعد مسافة منها كانت هناك بقرة و وليدها الجديد مربوطا إلى شجرة و هي تحوم حوله , و لا أعرف لماذا لم أكن مرتاحة عند رؤيتها , المهم أنه –و بينما كنت جالسة كع النساء جاءت إحدى بنات أخ زوجي و أخذت الصغير ليلعب مع الصغار خارج الخيمة , و لم أستطع منعها من أخذه , فلم يكن يحق لي أن أتكلم , إلا أن بصري لم ينتقل عنه , و ظللت أراقبه , و فجأة لاحظتُ أنه يقترب من العجل الصغير , أشرتُ إليه عمته , كي تنظر إليه , نظرت ثم التفتت إليّ قائلة : لا تخافي عليه بجانبه بنات عمه و عماته , استريحي أنت و استحيي من "أنسابك".

خجلت من كلامها الذي ربطت به لساني , لكني لم أتوقف عن مراقبته , إلا أنه –و كما توقعت-كان متجها نحو العجل الصغير , بقيت صامتة معتقدة أنه قد يخاف منه و يتراجع , إلا أنه –و فجأة- التفتت إليه البقرة و بدأت تهز رأسها , فصرخت فيهم ليلحقوه , ركض الرجال نحوه لكنهم لم يصلوا إلا و قد أصبح بين قدميها.

و هنا اختنق صوتها و بدأت في البكاء بحرقة شديدة , اقتربت منها و وضعت يدها على كتفها محاولة تهدئتها , نظرت إليها بوجهها الذي غسلته الدموع قائلة :
-اتريني أبكي , أ لا يستحق هذا البكاء ؟ لم أستطع البكاء عليه هكذا بعد موته , فقد كان الجميع ينظر إليّ منتظرا هذه اللحظة , ألا يحق لي أن أبكي على ابني و هو ميت , إذا لم يحق لي أن ألاعبه و هو حي و أحميه من الأخطار و أحمله إذا أحرقت الشمس قدميه الصغيرتين , هل محبة الأبناء جريمة و لا ينبغي إظهارها مع أنها غريزة وضعها الله فينا ؟!
-لا إنها ليست جريمة , ابكي ...ابكي يا خديجة لعل ذلك يساعدك.

تركتها تبكي و لأنها أدركت أن البكاء هو ما تحتاج إليه , فربما يغسل الألم الذي تحس به.

يتواصل بحول الله
القصة القادمة : 6- طيف!

ابراهيم الناجم
22-10-2008, 02:36 PM
لله درك ما اروعك حقا حقا رائع اخي صيام اشكرك جدا واتمنالك
التوفيق وانجاح

Siyam
23-10-2008, 04:50 PM
لله درك ما اروعك حقا حقا رائع اخي صيام اشكرك جدا واتمنالك
التوفيق وانجاح

شكرا لك يا إبراهيم على المتابعة و الوفاء! و فيما يلي القصص رقم 6 و 7 و 8 :
= =
6-طيف

مجرد طيف ...هذا ما أحسسته ذلك الصباح , فقد كانت مشاعر الغربة و الضياع تلفني لأغوص في سحابة من الكآبة , جعلت صدري أضيق ما يكون , فما كان مني إلا أن خرجت من النافذة , و حلقت في الجو لدقائق , غير أن موجات الراديو و هوائيات التلفزيون و اللاسلكي و أجهزة الرادار كانت تضايقني , ..كانت تخترقني و تنقل لي أشياء غريبة و مخيفة و ربما مخزية في بعض الأحيان , و هو ما جعلني أشعر بدوار شديد فقررت النزول و عندما نظرت إلى الأسفل رأيت العديد من الأشخاص الذين يتدافعون في شارع واحد فقلت في نفسي ما ذا لو قمت بمضايقتهم قليلا ؟ مع أن ذلك لم يكن من طبعي , لكني في ذلك اليوم قررت أن أكون غريبة الأطوار و استفزازية قدر الإمكان.

كان ذلك الرجل الذي أمام الحانوت و لا تقولوا أي حانوت ؟... ذلك الحانوت الذي في الشارع الذي نظرت إليه من الأعلى و لا أعرف اسمه و لا أين هو ؟ فأنا مجرد طيف و يبدو أني أعرف أشياء لا أعرف كيف و لا من أين عرفتها ؟! المهم أن ذلك الرجل الذي أمام الحانوت , و الذي لا أعرف إن كنت جئته مصادفة أو عن عمد كان يراقب المارة و خاصة النساء و بالتحديد كان يراقب أرجلهن لعل إحداهن ترفع طرف ملحفتها فيظهر له شئ من هنا أو شئ من هناك من ما تعلمون! ...باستثناء اللواتي يشغله النظر إلى ذلك الإيقاع المنتظم الذي يحركن به أردافهن أثناء السير , فكانت تتسع عيناه و يرتفع حاجباه ليبدو كالأبله و لا تقولوا إنكم لم تشاهدوا أبله من قبل لأنهم أكثر من أن لا تصادفوهم في حياتكم عشرة أو عشرين فما بالكم بواحد ؟

المهم اقتربت منه مستغلة كوني مجرد طيف , فهو بالتالي لن يراني , فأخذت بطرف جفن إحدى عينيه و أخذت أنزله و أرفعه باستمرار مما جعله يضع يده على عينه و يأخذ في البسملة ,و هو ما جعل قريبه ذلك الذي يأتيه من حين لآخر و يشكو له الأيام و حادثاتها و هبوط سعر العملة و ارتفاع الأسعار و بخل أقاربه من المسؤولين و أنه ليست فيهم فائدة و يأخذ في الدعاء على الحكومة من أصغر موظف فيها حتى أكبر موظف حتى يصيبه بالصداع فيلجأ إلى إعطائه بعض المال حتى يتخلص من ثرثرته عفوا ...أعتقد أنني بدأت أتوه في الكلام , سامحوني ) المهم أن قريبه الذي وصفته لكم وصفا مطولا سأله :ما به ؟ و لما ذا يضع يده على عينه و يظهر كل هذا الجزع ؟ فأخبره بأن جفن عينه أخذ يتحرك وحده , فرد عليه قائلا :
-آه تقصد أن عينك ترقص و هذا يعني أنك سوف تفرح قريبا ! فهذا ما يقوله "البيظان" , ألم تسمع بهذا من قبل ؟

و قد أعجبتني هذه الخرافة , فأخذت بطرفي جفني صاحبنا و بدأت أرفعهما و أخفضهما باستمرار لعله يحظى بفرحة عارمة .

Siyam
23-10-2008, 04:51 PM
7-ضحك و أشلاء

كان الشارع خاليا و موحشا لدرجة غريبة , و هو ما جعلني أحس بقشعريرة شديدة في سائر جسدي إلا أن ذلك لم يمنعني من متابعة السير , و حين ههما بالرجوع بعد يأسي من أن أجد أحدهم ..سمعت ذلك الصوت فاتجهت نحو مصدره و عندما اقتربت تبين لي أنه صوت ضحك قوي جدا فتابعت السير حتى أبلغ مكان صاحبه.

كان رجلا في الأربعين من عمره و لا يكاد يتمالك نفسه من الضحك حتى خيل إليّ أنه سيقع , فاقتربت و وقفت إلى جانبه لأرى ما يضحكه , إلا أني رأيت منظرا أصابني بالفزع, فقد كان هناك أناس يتقاتلون بوحشية غريبة و مع كل تلك الفوضى التي كنت أراها فإنه لم يكن يصلني منهم أي صوت , فكل ما كنت أسمعه هو صوت صاحبي الذي يضحك.

كان هناك رجل يلبس بذلة نظيفة و أنيقة و يدل منظره على أنه أحد المسؤولين أو شخصية مهمة , و كان يحمل في يده سيفا طويلا و حادا يلوح به ليطيح برأس كل من يمر من أمامه , بينما كان آخرون يجثون على ركبهم ليأخذوا في قضم أجساد الضحايا و يتمرغوا في دمائهم في منظر يدعو للغثيان , كما كان هناك شرطي يقف و في يده عصا غليظة يضرب بها كل من يمر على رأسه حتى يُفقِدَه وعيـَه.

كان كل من نجا من الإثنين يأخذ في الشجار دون الإلتفات إلى مصير الآخرين , فكانت الجثث و الأشلاء تغطي المكان بينما كان صاحبنا مسترسلا في الضحك , فأخذت أنظر إليه باستغراب شديد و أعدتُ النظر إلى المشهد لعلي أكتشف سببا يبرر ضحكه , و عندها لاحظتُ أن صاحب السيف –و بالرغم من كل تلك الدماء المحيطة به فإن ملابسه ظلت نظيفة , فأردتُ أن أنبه صاحبي إلى ذلك الأمر , لكنه لم يعرني أي انتباه , فبدأتُ أصرخ و أصرخ دون جدوى , فمددت يدي إلى كتفه و بدأت أهزه فسقط ممددا على الأرض , و إذا به جثة هامدة و أعضاؤه متصلبة , كأنه مات منذ مدة , و مع ذلك بقيت أسمع في أذني صوت ضحكه , و عندما نظرتُ إلى الشارع كان الجميع قد اختفوا أيضا , و بدا الوضع طبيعيا , و اكتشفت وجود بعض الدكاكين و بعض لبمارة على الطريق , إلا أنهم لم يكونوا ينتبهون لوجود الجثة و لا لوجودي , انتظرت لعل ذلك يكون مجرد حلم , و لعلي أصحو منه و لكن ذلك لم يحدث!.

Siyam
23-10-2008, 04:52 PM
8-عقارب الساعة
السوق اليوم هادئ على غير العادة , حيث كان يعج دائما بالمتسوقين في فترة الأعياد و لا أعرف السبب وراء ذلك , هل لأن النقود لم تعد موجودة نتيجة تدهور الأوضاع الإقتصادية مؤخرا ؟! أم عدم وجود الجيد و الجديد هو السبب وراء ذلك ..؟ تصوروا أن تسوقتُ طوال اليوم دون فائدة , فلم أشتر أي شئ و ظللتُ أتجول في السوق حتى آلمتني قدماي , و رجعت إلى المنزل كما خرجتُ منه , فالملاحف لا يوجد منها الجديد و كلها كانت في السوق العيد الماضي , و الفساتين كذ لك , أما الأحذية الجيدة فهي شبه منقرضة , و رغم حاجتي الملحة لحذاء جديد فإني لم أجد ما يناسبني.

كان الجميع لا يعير حديثي أي اهتمام , فاطمة منشغلة باللعب بالهاتف النقال , و مريم مشغولة بإسكات طفلها الرضيع الذي لا يكف عن البكاء , أما سعاد فتقلب بصرها في أرجاء الغرفة في انزعاج شديد .

كل هذا جعلني أحس أنني مملة , فآثرت أن أصمت و أحفظ لنفسي كرامتها قبل أن تطلب مني إحداهن ذلك , فغادرت و لم تلحّ واحدة منهن عليّ كي أبقى ...تظاهرت أني نسيت شيئا و رجعت , فما زال الوقت مبكرا على وصول طائرة خديجة , و الوقت سيطول عليّ إذا بقيت أنتظرها في المنزل وحدي , و عندما هممت بالإنصراف ثانية لم يطلبن مني البقاء أيضا , فتساءلتُ في نفسي هل صحبتي مملة إلى هذه الدرجة؟

ذهبت إلى المنزل و فتحت التلفاز , إلا أن الكهرباء كانت مقطوعة , و هذا ما ينقصني , استلقيت أمام الساعة و بقيت أنظر إليها , ما زال باقيا من الوقت قبل وصول خديجة ثلاث ساعات , ظل بصري معلقا بعقارب الساعة , إلا أنها لم تكن تتحرك بسرعة و لا تجاري شوقي للقاء خديجة , فلا بد أن ها ستجلب لي الكثير من الأخبار عن الأهل في انواذيبو ...كم اشتقتُ إلى حديثها و تلك الليالي التي كنا نقضيها معا دون أن أمل حديثها أو تمل حديثي , آه... من تلك العقرب الكبيرة فهي لا تتحرك و كأنها تشد العقريبن الأخريين و تشل من حركتهما , فكّرتُ في أن أقوم و أحركها لعلها تسرع قليلا , إلا أني قلت في نفسي ما هذا الغباء و هل سيغير هذا من واقع الأمر شيئا.

بقي بصري معلقا بقارب الساعة إلى أن بدأ النعاس يتسلل إلى جفوني , و فجأة أدركتُ أني نائمة , و مع أني كنت أحاول إيقاظ نفسي إلا أن النعاس كان يسيطر عليّ , فكنت أصرخ في قرارة نفسي , و أقول :استيقظي ...لقد حان موعد قدوم خديجة دون جدوى.

يتواصل بحول الله

القصة القادمة :9- شغف الذاكرة

ابراهيم الناجم
23-10-2008, 07:58 PM
شكرا أخي صيام علي هذ الأسلوب الرائع والجميل وهذي القصص التي تجعل القارء ينتظر النهايه بكل شوق ولهفه
دامت افكارك أخي العزيز

Siyam
27-10-2008, 02:18 AM
شكرا أخي صيام علي هذ الأسلوب الرائع والجميل وهذي القصص التي تجعل القارء ينتظر النهايه بكل شوق ولهفه
دامت افكارك أخي العزيز


شكرا لك يا إبراهيم على المتابعة و التعليق, و أود ان أذكرك بضرورة مراجعة الصفحة الأولى و المشاركة الأولي لتعرف أني لست صاحب القصص و غنما انا ناقل لها , و على كل حال يمكنك و يمكن بقية القراء الكرام قراءة القصتين المتبقيتين من المجموعة في المشاركتين المواليتين , كما يمكنكم تحميل قصص المجموعة كاملة ( بصيغة وورد ) في آخر المشاركة لتالية لهذه ( عند نهاية القصة الأخيرة : عندما التقيتها ).


9-شغف الذاكرة :

العينان تتحركان و لا تكفان عن الحركة , رغم أن الجسد النحيل قد سكن سكون الأموات , و لم يبق إلا ذلك القلب النابض الذي يرنو إلى مستقبل ماضيه ...نعم لقد أصبح الماضي بالنسبة لها مستقبلا , فهي تعيش كي تتذكره دون أن يفارقها الأمل بأن تتذكر غدا ما عجزت عن أن تتذكره اليوم.

اقتربت منها مريم و في يدها كوب ماء و أسندت رأسها على كتفها لتجرعها منه بعض القطرات , بينما كانت هي و صويحباتها يجلسن منتظرات أن يجهز طعامهن, و إذا بمضيفتهن عائشة قادمة و في يدها "الشكوة".
-لقد أتيت لكن باللبن كي تشربن , فقد أخبرتني الخادمة أن "كسكس" لم يجهز بعد , فقد أخرها جلب الماء من البئر.

قاطعتها هي قائلة :
-أ لا يكفيك أنك يوم "ونكالتك" لم تحضري لنا الطعام في وقته حتى تأتينا باللبن الرائب كي نشربه , أليس هذا ما يسمونه "الكيد"؟
وضعت مريم الكوب من يدها حتى تتمكن من إرجاع رأسها إلى الوسادة بينما أخذت خديجة الصغيرة في القفز محدثة جلبة كبيرة , إلا أنها كانت محببة إلى قلبها , فقد كانت تكسر حاجز الصمت الذي يحيط بها و يجثم على صدرها , فابنتها مريم لا تترك أحدا من الأولاد يقترب من الغرفة حتى لا يزعجها , و يا ليتها تعرف كم كانت تتمنى لو تركتهم يملؤون الغرفة صراخا حتى تشعر و تدرك أن الحياة ما تزال مستمرة من حولها.

****** ************

أحضرت الخادمة "كسكس" و قامت عائشة بوضع المرق عليه و بعد أن تركته بضع دقائق أخذت بعض الأواني و قامت بتوزيعه بينهن.

بعد انتهائهن من الأكل قدمت لهن اللبن و قمن بشربه , ثم أخذن في لعب "السيق" , و بعد الإنتهاء من اللعب أخذن قطعة مستطيلة من طرف ملحفة واحدة منهن , و كانت كل واحدة تلفها حول معصمها ثم تعقد مكان القياس فكانت هي أوفرهن حظا حيث كان معصمها الأكبر مما يدل على أنها سمنت هذا الخريف أكثر من صويحباتها و هذا ما يعطيها ميزة عنهن , و هو ما يعنيي أن حظها في الحصول على زوج بات أكثر.

وقفت صديقتها مكفولة و قالت بأنها ذاهبة لتقضي حاجة لها , و طلبت منها مرافقتها , و في وسط الطريق قالت لها بأن محمد محمود طلب منها أن تصطحبها إلى التل الشرقي حيث سيكون في انتظارهما هناك , و عندما سمعت هي الإسم شعرت بدقات قلبها تتسارع و التفتت –و هي تهم بالرجوع- إلا أن مكفولة أمسكت بها قائلة:
-الرجل غرضه شريف , و كل ما يريده هو أن يلقاك و يتحدث معك قبل أن يقدم على أي خطوة , كما أن العائلة معروفة و هي تملك قطيعا لا بأس به من الماشية , و هو كما تعلمين قد رجع من المحظرة العام الماضي و هو مجاز.

رغم الإضطراب و الخجل الذي كانت تحس به لم تستطع إلا أن تطيع مكفولة فذهبت معها و الخجل يعثر خطواتها .

كان متكئا يفترش الرمال عندما اقتربتا منه , فاستوى جالسا عند رؤيتهما , جلست هي بعيدا عنه قدر المستطاع , و جلست مكفولة بينهما , تبادل الجميع عبارات التحية و السلام المألوفة, حاول أن يفتح معها حديثا إلا أنها بقيت صامتة , و بعد جهد كبير استطاعت مكفولة أن تجعلها تشاركهم الحديث.

أشارت إلى مكفلة بأن عليهما الرجوع , و عندما وقفتا وقف معهما , و قال انه سوف يرافقهما حتى تفتربا من مضارب الخيام.

كان يسير وراءها مباشرة يتبادلان أطراف الحديث , و في كل دقيقة كان يضع قدمه على الطرف السفلي من ملحفتها ليبطأ من سرعتها و ليتسنى له قضاء المزيد من الوقت في الحديث معها.

فجأة دخل زوج ابنتها المختار الغرفة قادما من عمله , و سلّم و سأل عن أحوال والدتها و كيف أصبحت ؟ فأخبرته أنه لم يطرأ عليها أي شئ و أن صحتها على حالها .

كانت تنظر إليهما في حين بدا أنهما لا يعيران وجودهما أي اهتمام , فكان المختار يمازح زوجته في حين كان في الماضي لا يجرؤ على مجرد الكلام معها في حضورها , فقد كان يستحيي منها كما تقتضيه العادات و التقاليد.

***** **** ********

كان الألم الذي تحس به في ظهرها شديدا نتيجة جلوسها طيلة النهار أثناء وضع الحناء على يديها و قدميها , إلا أنه لم يكن يوازي الألم الذي كانت تحس به في رأسها نتيجة "الـلّيّ" حيث كان شعرها يكاد يسقط كما أن رقبتها لم تكن تتحمل كل تلك الزينة التي وضعت على رأسها, بالإضافة إلى أن صويحباتها اللواتي كن يقمن بقرصها باستمرار , بينما أتت مكفولة و قامت بنطحها على الرأس حتى أحست بالدوار .

جاءت والدتها و همست في أذنها قائلة :
-ها هي خالة العريس قادمة لتراك, و عندما تكشف الملحفة عن وجهك شعي يديك عليه و لا تدعيها تراه إلا إذا أصرت و قامت بنزعهما بالقوة , فدعيها تفعل , و لكن اطرقي برأسك و لا ترفعي بصرك نحوها أبدا و لا تبتسمي مهما كان السبب , هل تفهمين؟

هزّت رأسها بالإيجاب , و عند ما اقتربت المرأة منها و كشفت عنها طرف ملحفتها حاولت أن تنزع يدها عن وجهها فلم تتركها تفعل , فبدأت تتحسس صدرها و ذراعيها و تقول : ما شاء الله , ما شاء الله...

***** ****** ******

كانت مريم تتحدث بحدة شديدة مع ابنتها الكبرى فاطمة , لم يستطع عقلها استيعاب فحوى الحديث , نظرت إلى ابنتها مريم و كيف تخاطب حفيدتها و الاستياء باد على وجهها , ذلك الوجه الذي بدا غريبا بالنسبة لها , حيث لم تكن تفارقها صورتها و هي طفلة صغيرة بملامحها الملائكية و التي أصبحت الآن مرتعا للتجاعيد , فقد أصبحت علامات الشيخوخة بادية عليها , و هو الأمر الذي لم يستطع عقلها الملئ بالذكريات تقبله .

****** ***********

فجأة , و بينما كانت تجلس مع والدتها و بعض نسوة الحي شعرت بذلك الألم الذي لم تشعر بمثله من قبل و الذي بدا أنه ألم المخاض, حاولت أن تتمالك نفسها كيلا ينتبه أحد إلى ما تعانيه إلا أن الألم كان أقوى من أن تستمر في كتمانه , فوقفت و لم تتفوه بكلمة و أخذت إبريق الماء و اتجهت إلى الخلاء , كانت تحاول السير بسرعة إلا أن حرصها على أن تبقي قدميهامتقاربتين كان يعيق حركتها , فقد كان يخيل إليها أن الجنين سيسقط من بينهما.

فطنت إحدى النساء إلى أن مشيتها ليست طبيعية , فنبهت والدتها , فتبعتها إلا أنها لم تدركها إلا و قد سقطت من شدة الألم , جاءت النسوة و ساعدنها في حملها و اتجهن بها إلى الخيمة.

كان صراخ مريم عند ولادتها إيذانا بنهاية رحلتها مع ذلك الألم , و حين علمت النسوة اللائي تجمهرن في الخيمة أنها فتاة بدا الاستياء على وجوه بعضهن بينما اكتفت أخريات بالقول :"مباركة إن شاء الله و سيتبعها أخوها".

أخذت والدتها بردعة حمار وضعتها فوق الفتاة بعد ولادتها و قالت : هذا سيجعلها هادئة و مؤدبة في المستقبل .

ألبستها مريم اللحاف , و تركتها لتنام مع أن النوم و الاستيقاظ أصبحا كالشئ الواحد بالنسبة لها, إلا أنها استسلمت للنوم علّها في الغد تبدأ رحلة جديدة مع ذكرياتها التي لم تتذكرها بعد.


القصة القادمة :

10-عندما التقيتها

Siyam
27-10-2008, 02:23 AM
10-عندما التقيتها

كانت "موريتانيا"تجلس على صخرة قبالة المحيط و هي مطرقة تحيط بها غمامة من الحزن و الأسى تنبعث من خلال أنفاسها الحارة , كانت أمواج المحيط تصطدم بها مع كل مد لتتركها مبللة , فكأنما ترسل لها دموعها التي كان إباؤها يمنعها من أن تتجاوز مقلتيها.

اقتربت منها و وضعت يدي على كتفها , التفتت إليّ و هالني ما رأيت , فقد كانت الكدمات تغطي وجهها الشاحب و جسدها النحيل , و كانت ثيابها ممزقة و جراحها تنزف بغزارة و بعض المخلوقات الصغيرة تتعلق بها و تمتص الدم النازف من هذه الجراح لتزيدها عمقا.

حاولت أن أبعد عها تلك المخلوقات , لكنها نهرتني قائلة :
-أرجوك لا تؤذهم , إنهم أبنائي .
نظرت إليها باستغراب شديد و أنا أقول :
-كيف يكونون أبناءك و يفعلون بك هذا ؟
-قالت : لقد آويتهم و اعتنيتُ بهم , و لم أشتك يوما و لا أعتقد أنهم لاحظوا أني كنت أتألم, فقد كنتُ ذائما مثال الصبر بالنسبة لهم.

نظرت تحت قدميها لأجد مجموعة من الأشخاص و هم يغطون في نوم عميق و آخرين ينبشون في الأ رض و يقلبونها بحثا عن ما يقتاتون به في الوقت الذي يتسلق فيه آخرون أكتافهم ليتحولوا إلى تلك المخلوقات الغريبة التي تتعلق بموريتانيا و تمتص دماءها .

نظرت إليّ و قالت :
-إن أكثر ما يحز في نفسي هو أبنائي الذين رأيتهم يهرلون بعيدا عني ليرتموا في أحضان أوطان أخرى و كأني لا أستحق عناء محاولة إنقاذي و إنقاذ إخوتهم من الجشع الذي يُعمـِي بصائرهم.

بينما كانت تحدثني بدأ وجهها يتلألأ و يعلوه إشراق غريب , و ابتسمت بهيجة و قالت :
-انظري لقد استيقظ بعض أبنائي و يريدون مساعدتي.

نظرت لأرى بعض الموريتانيين و هم قادمون يحملون بعض الأدوية , فقلت لها :
-الحمد لله , كلما أردته و أريده هو مساعدتك حتى تخرجي من هذه الوضع , و لكن كما ترين ليس بيدي حيلة.

لقد شعرت بسرور و فرحة غامرة عندما رأيت ذلك الإشراق الذي علا وجهها, إلا أنني –و في داخلي- كنت أتوجس و أخاف من أن تكون هذه الأدوية مجرد مسكنات , إلا أنني لم أشأ أن أفسد عليها فرحتها , و آثرت الإنتظار حتى أرى ما سيكون.

النهاية

ملاحظات ختامية :

بعد هذه الجولة مع المجموعة القصصية ( شغف الذاكرة ) لا يمكن للمرء إلا أن يخرج ببعض الملاحظات , و منها :
1- معالجة المجموعة لواقع محدد , تناقش مختلف قضاياه , بدءا من "الكزرة" و مرورا ب"السحوة" بين الأصهار و مشاكل الطلاب , و انتهاء ببعض العادات و التقاليد كالسمنة و لعب "السيق" , بالإضافة إلى بعض القضايا و المشاكل الأخرى التي لن يخطئها من يقرأ القصص بتمعن و تدبّر.
2- رغم جودة الأسلوب و سلاسته –عموما- إلا أنه لم يخل من بساطة وصلت حد "تعريب العامية" أو إدخال عبارات عامية في اللغة الفصيحة و هي ليست منها .
3- يلاحظ في القصص غالبا عبارات دينية تُنبئ عن التزام المجتمع و ارتباطه ببعض الأدعية و الأذكار و الارتباط بالخالق جل و علا .
4- قد يلاحظ البعض بعض المغالاة في السرد و المباشرة في التعبير مثل القصة الاخيرة التي يرد فيها ذكر (موريتانيا ) و كأنها امرأة عادية ,لها أبناء "يرتمون في أحضان اوطان أخرى" و هو ما أعتقد أنه مغالاة في المباشرة و قلة في التجريد و الخيال.
5- هذه مجرد ملاحظات متذوق للأدب طال عهده بالقصة و الرواية –رغم اهتماه بهما كغيرهما من الأجناس الأدبية- أيام دراسته للأدب في الثانوية , و سيتم نقل بعض قصص المجوعة إلى "مشهد التجريح" –إن شاء الله- و ذلك من أجل تسليط الضوء عليها و نقد ما يستحق النقد و تقويمه و الإشادة بما يستحق الإشادة –و في اعتقادي أنه كثير , و حسبي أن يكون نشر هذه القصص حجرة تحرك مجاري القصة في المشهد و تحث الجميع على نشر ما يتوفر من ابداع قليل و إخراجه من ظلمات النسيان إلى نور الاعتراف و التقدير.

ملاحة : يمكن تحميل كافة قصص المجموعة -مع تقديم الدكتور أحمد ولد حبيب الله من هـــنـــــا (http://www.4shared.com/file/68539996/f96f448f/SHORT_STORIES_OF_TAYBA_M _I.html) و بحجم صغير ( 236 كيلوبايت )
تحياتي .

عربى افريقى
27-10-2008, 07:50 AM
استمتعت اخى صيام بقراءة القصص التى قمت بنقلها وإن استصعب على فهم بعض الاشياء لماذا تحدث غير انى عرفت فيما بعد ان هتاك بعض العادات يحاول الكاتب التطرق لها
على العموم القصص جميلة وان كان ينقصها بعض التجويد وسوف انتقل الى مشهد النقد لقراءة نقدها هناك
تحياتى