المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف يفكك ويحلل الهامل نصوص الشعر في ركن النقد؟



الهامل
01-08-2008, 11:39 AM
كيف يفكك الهامل النصوص الشعرية ويحللها؟


علم النقد من العلوم التي شهدت توسعا هائلا و"تورما"في متراكماتها الاصطلاحية ،الأمر الذي يجعل حصر التعريفات والتبويبات النقدية العربية والعالمية وتأصيلها بذكر خصائص كل مدرسة وروادها ضربا من المحال.
وتجدرالإشارة إلى أهم محطات علم النقد، من تداخله مع الفلسفة في العهدالإغريقي ،إلى تمايزه رويدا رويدا عنها،وتشابكه مع حقول معرفية عدة حتى اليوم.
وقد تأخر العرب عن غيرهم في فنون النقد الأدبي ،إلى أن جاء القرآن الكريم بإعجازه اللامتناهي ،،فاستنبط منه رواد أسرار البلاغة بحار الدلالة والأسلوب ،وموسوعة راقية من النظم تحكم الأسلوب والقالب اللغوي والمحتوى.
وأنا شخصيا على يقين أن لغة القرآن الكريم العظيمة تكتنز حصريا كل مذاهب النقد العلمية المطلقة بقديمها وحديثها، وتقدم منتهى الروعة والجمال تعبيرا لفظيا وانزياحا دلاليا لا متناهيا،يهيمن على كل معايير اللغة ولا تهيمن عليه.
إن الحروف في الفرقان لها دلالاتها العميقة ،فكيف بالمفردات والجمل والسياق والأنساق فيه،مثال:
- عند اللسانيين العرب تعبر(ما) عن غير العاقل أحيانا،وفي سياق قرآني عبرت عن عاقل !
الآية الكريمة ( ولله ما في السموات وما في الأرض) ووردت في آيات أخرى :ومن
ف(ما) في سياق تلك الجملة القرآنية تحيل على معاني بعمق التناسب بين الخالق والمخلوق ،بين الملك الحق الكامل والمملوك الضعيف العاجز،فالعقل البشري الذي نتيه به هو لا شيء في حضرة علام الغيوب.
وأحتاج لتأليف طويل وعريض للحديث عن ذلك المثال أوعن دلالات الزمن في الكتاب العزيز.
كما أن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم مثلت ذروة البلاغة البشرية ،فكونه أوتي جوامع الكلم جلي في خلو كلامه الشريف من الحشو ،وجزالة دلالاته ورقي مبناه.
ثم انصبت روافد الترجمات من الأمم المجاورة ،وظلت في دفق مستمر حتى اليوم،لنعرف الحداثة وما بعدها والبنوية ومابعدها،والحبل على الغارب.

إلا أن تعدد مذاهب النقد وغزارة أدواتها و اختلافتها في جزئيات بذاتها، لا ينفي طابع المعيارية التواضعية الشاملة عن النقد كأسلوب وحركة داخل حيز مادي معلوم ومحدد هو النص ،حيث تتقاطع اللسانيات جميعا فيه كوحدة لغوية معبرة ،متكونة من جمل وعبارات لها دلالاتها وسياقها ،وترتبط بعمق لغوي تاريخي متجدد حسب حركة التطور التى هي سنة المجتمعات الحاضنة لسياقات وأنساق هي لسان حالها في المحصلة العامة.
والهامل عندما يضع نصا شعريا عموديا أوحرا أمامه ،فإنه يطبق السلم التالي لتفكيكه وتحليله:

1 مراجعة متكررة لبناء الشكل النحوي
فالنحو قانون لساني يحكم كل الأنساق في اللغة العربية ،بتعريف أولي لدلالة المفردة ومكانتها في السياق ،وبدونه يتيه الناقد ،وتميع الدلالة.
2 مراجعة سلامة اللغة من خلال معيار اللغة العربية الذي يحدد الصيغ الصرفية وآليات ترابط المفردات المكونة للجمل ، وزمن الفعل وتناسبه مع حقله اللغوي،،،.
3 مراجعة القالب الموسيقي (العروضي) كإطار معياري يطوق الإطار اللغوي ويأثر فيه ويتفاعل معه.
4 ثم انتقل إلى معيار البلاغة
- دلالة المفردة اللفظية
- دلالتها الإنزياحية حين تحتك صفائح المفردات
- دلالة الجملة الشعرية العامة(البيت)أو الجملة الشعرية في التفعلة
- روابط الحقول الجزئية كمكون ضمن سياق أو سع هوالنص
5 ثم تبدأ سلسلة من التفريعات الضرورية لكشف النص
- القراءة الإستنباطية لدلالة القالب والسياق والنسق اللغوي والدلالي من خلال
- مقاربة ذهنية تاريخية للغة النص ودلالاته
- فاللغة لها مرجعية تاريخية حاضرة في ذهن الشاعر والناقد،تحدد غرابتها من جزالتها من حداثتها من تقليد الشاعر بها أو تجديده .
- مقاربة دلالية حسب سعة ثقافة الناقد لسبر مايكون تناصا دلاليا أولفظيا مع نص متقدم ،وسبب توظيف النص له كاستدعاء أوإحالة .
6 تقييم فنيات التصوير من خلال:
- تقييم دور اللبنات اللغوية المقولبة له:
- الفعل،الأسم،المفعول،
النعت،الإضافة ،والرفع والنصب والتعريف والتنكير والربط اللفظي بين أجزاء الصورة،إلى آخر تلك القواعد المهمة في كشف العلاقات الداخلية للجمل.
وهي قراءة ثانية للقالب اللغوي حين يراجع الناقد محتواه الفني الدلالي.
- ثم أراجع أسلوب النص من زاوية شعرية بحته ،يحدد مستواها مستوى التذويت للنص،من لغته أيضا ، فالفاعل يعرفه القانون النحوي بسهولة بالغة.
- ثم تحديد مستوى صدق الذات خلف النص فيما تمارسه من بوح شعري،ويكون ذلك بمعيار نفسي كامن خلف الدلالات اللفظية والصور الحسيةوالمجازية،بحيث يعرف بمداه أثره في كمتلقي ناقد أوعادي.
- وإذا كان النص من الشعر السردي فعلى الناقد أن لا يقع في شراك المحتوى الجيد أو الممتاز للنص،على حساب الشاعرية ،فالسرد الشعري محكوم بالشاعرية،بحيث يمنح للشاعر حق تحوير السياق التاريخي لما يوظفه من زموز وأساطير وشخصيات تاريخية من أجل إبداع معنى جديد،والسردية الوصفية الحسية فجوة نثرية في
نصوص كثير من الحداثيين لأن أغلبهم يظن أن الحداثة هي تفلت كلي من المعايير الشكلية والبلاغية للشعر ،وذلك غير دقيق.
ويحضرني مثال رائع يعزى لأحد رواد النقد اللساني:
:إن البناية تتكون من مجموعة حجارة ،لكنها بنظام هندسي محكم ،وضوابط شكلية وداخلية تحكم بنيتها وشكلها،فهي ليست كومة أحجار.
كذلك النص الأدبي فهو ليس كومة مفردات عشوائية،فلابدأن يتضمن لائحة طويلة من الخصائص ليستحق دلالة اسمه ،لاسيما الشعر.
7 بعد تلك الخطوات يمكن للناقد بدأ عملية استنتاجه
- مدى تماسك الوحدة الجزئية الموضوعية للنص
- مدى تماسك الوحدة الموضوعية الكلية
- ملامح الأنا الكاتب للنص من وعي وثقافة وشاعرية،،
- مثله الذهني من رواد الشعر
8 وتتفرع استنتاجات اجتماعية ودينية ونفسية من قراءة النص، تعرف الناقد بكثير من خفايا الذات الشاعرة ،من إرادة ،قوية أو مهزوزة ،أو محافظة ،أو منحلة،الخ
إن لكل تلك الحقول المرقمة والتفريعات مراجع في علم النقد،لن أعد لها هامشا،حشوا،فهي سهلة التصنيف ومراجعها متوفرة.
وأرحب بملاحظاتكم واقتراحاتكم المتخصصة
مودتي

البظاني
01-08-2008, 12:18 PM
الأستاذ الفاضل الهامل

لاحظت أنك تبذل جهدا مضاعفا لتقديم مواد تسهم في الرقي بالذوق الأدبي ،وتسمو بزوايا هذا المنتدى العريق
وأنا أتقدم لك بجزيل الشكر ،وأدعو نخبة المشهد لبذل مثل جهدك لتطوير مستويات كافة المشاهد.

نحن في عصر ضياع المعايير و"تأليه" الرأي الشخصي ،كأحد انعكاسات هزيمتنا وضياعنا.
فلا تكاد تجد عربيا يؤمن بمعيار سياسي أواقتصادي أوأدبي،فالنحو غائب ،وعلوم الصرف عن مخيلة أغلب شعراء هذا العصر.
الحداثة في مفهوم أغلبهم فوضى !

أنت تعيد للغة الشعر بعض جواهرها المسلوبة،وتوقد شمعة في ليل ذاكرة العربية
شكرا لقلمك