المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة قصيرة بعنوان ( جرحنا واحد ) للكاتب



حازم ارحيم
10-04-2008, 09:58 AM
للكاتب محمد سعيد الهبيل غزة فلسطين
قصة قصيرة /
( جرحنا واحد ! )


كنت على موعد مع صديق لشرب القهوة بعد صلاة العصر ؛ وصلت إلى الفندق وتحديداً إلى قاعة المقهى المكيف الجميل ذات ديكورات خلابة وذلك قبل الموعد بساعة .. دخلت المقهى ولم أكن اعرف أين اجلس أو انظر إلا أن جمال المكان شدني للتجوال في أنحائه لرؤية كل زاوية فيه ، حتى وصلت إلى زاوية في آخر المقهى حيث وضع أثاث جميل وهادئ الألوان .. وإضاءة خفيفة جداً ولا يرى الإنسان هناك إلا صفحة الوجه .. تقدمت قليلاً بهدوء شديد إلى الجالس على تلك الأريكة ، فقط لكي أهنئه على حسن اختياره لتلك الزاوية .. ولكنني رأيت رجلاً في الخمسين من عمره نحيف الوجه ؛ قد خط فيه الزمن خطوطه ، وعيناه غائرتين بدمعتين من الحجم الكبير جداً ، وكان يجاهد لكي يمنعها من التدحرج على خذيه ، تقدمت إليه فرأيته غارقاً في فكر بعيد جداً يخترق بنظرته الخمسينية ما وراء الكرة الأرضية كلها فقلت له : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فنظر إلي نظرة استغراب لأنه لا يعرفني ولا أعرفه وقال :وعليكم السلام وسكت فقلت له : هل يمكنني الجلوس معك على الأريكة المقابلة أم أنها محجوزة ؟! فقال كالمنزعج لانقطاع حبل أفكاره ، لا نعم تفضل تفضل فجلست وأنا ساكت ولكن كيف للثرثار بأن يجلس دون تعذيب لسانه فقلت : عفواً ولكن لماذا تعذب عينيك وتمنع دمعتيك من التدحرج على خدك لو كنت مكانك لأرحت عيني من تحمل حرارة الدمع الحزينة وأرسلتها على خدي فما أن سمع كلامي حتى تدحرجت الدموع على خذيه وسلكت التقاطيع الكثيرة في وجهه ولكنه لم يمسحها بمنديل قلت لابد أنك تذكرت أناس أعزاء عليك قال وما يدريك قلت : أرى معزتهم في عينيك ومحياك قال : نعم أعزاء جداً جداً قلت : ومتى ستلتقيهم ؟ قال والله أتمنى في كل لحظة السفر إليهم ولكن المسافة بعيدة جداً قلت وأين سكنهم ؟ قال آخر لقائي به كان في دنيا فانية لم تتسع إلا للذئاب الإنسانية التي لا تعرف رحمة ولا شفقة ، على أناس لاتعرف سوى تقوى الله عز وجل ومحبته وطاعته ؛ فعرفت أنه يقصد عزيز عليه وكنت شاكاً أنه ابنه وبالفعل تحدث لي فقال/
لقد ولد ابني أحمد في مدينة غزة في العام 1983م وكان له ولد أكبر منه بثلاث سنوات هو علي ، وكان ابني أحمد آية من الجمال وكنت أحبه جداً جداً و منذ أن كان شبلاً إنساناً محافظاً على الصلوات ومهذباً كان دائماً وكثيراً ما يحفظ من القرآن الكريم ودخل أحمد المدرسة حتى أنهى الابتدائية في مدارس مدينة غزة وبعدها سافرت إلى المملكة العربية السعودية حيث أنني أعمل مهندساً في مدينة غزة فقدمت على طلب وظيفة في إحدى الشركات في المملكة العربية السعودية وفعلاً سافرت أنا وعائلتي وسافر معنا أحمد إلى حيث سأعمل ، وهناك عملت في السعودية وجمعت عدد كبير من المال وكنت ملاحظاً على ابني أحمد التزامه الديني والأخلاقي والأدبي وعندما قمت بأداء فريضة الحج، قام أحمد بأدائها معي لشدة حبه لله عز وجل ونيل رضاه بطاعته، وبعد أن عملت كثيرا ولمدة عشرة سنوات في المملكة السعودية عدنا إلى قطاع غزة في العام 1997م بعد أن كبر أحمد وأخوته وقد بلغ أحمد الثانوية العامة وكان التزامه هذا قد أهله ليشارك في الانتفاضة الشعبية الفلسطينية التي اشتعلت في نهاية عام 2000م ، وقد انتمى احمد إلى احد الفصائل الفلسطينية التي عرف عنها بأنها صاحبة جهاد ومقاومة وقد التزم احمد بها وعمل بعد فترة وجيزة في العمل العسكري لذلك الفصيل ، وقد خرج في عدد من العمليات الاستشهادية ولكن القدر كان يؤجله إلى ماوصل إليه ؛ وكان أحمد قد أنهى الثانوية العامة ، وقد دخل يدرس الهندسة في إحدى جامعات مدينة غزة وأنهى منها الدراسة حاصلاً على شهادة الليسانس .
وكان التزامه الديني والأخلاقي على ماهو معهود عليه ، منذ أن كان شبلا وجاء العام الذي رأينا فيه حركة حماس تدخل الانتخابات وتفوز في مقاعد المجلس التشريعي وبدأ هنا ناقوس الخطر والذي حدثت مشاكل وفتن بينها وبين الأجهزة الأمنية ، فقاطعته قائلاً ومتسرعاً ولكن ما علاقة ابنك بهؤلاء وهل ينتمي إلى أحد الأطراف المتنازعة ؟ فقال لي لاينتمي إلى أي احد منهم ولكن في أحد الأيام العنيفة التي شهدتها مدينة غزة ، خرج ابني أحمد الذي أنهى دراسته الجامعية وبدأ يعمل في إحدىالمؤسسات الخاصة بذلك الفصيل الذي ينتمي إليه ، صباح ذلك اليوم بعد أن ودعني وقبل يدي ويد والدته .
ولم أكن أعرف أن هذا هو آخر لقاء بيني وبينه في الدنيا ، وفي الطريق إلى العمل كان أحمد يركب سيارة أجرة ولم يدري أن الموت ينتظره ، وكان أجله قد حان
وفي طريقه كان هناك موقع أمني لأحد فرق الموت المتناحرة المجرمة التي لا تراعي إلاً ولا ذمة وأنزلته من السيارة التي يركب بها وقامت باختطافه إلى مكان مجهول ، ومر النهار بكامله ، وجاء الليل ولم يعد أحمد إلى البيت وكنا قد جلسنا ننتظر عودته ، واتصلت في مكان عمله فقالوا لي انه لم يأت اليوم إلى العمل ، فبدأت رائحة الخوف تدخل إلى قلبي شيئاً فشيئاً ، وقد سألنا أصدقائه وبعض ممن يعرفونه عنه ، ومما زاد قلقي أن إحدى العصابات الإجرامية كانت قد أعدمت في ذلك اليوم الأستاذ الشيخ ( م . ر ) وكانت قد أعدمته لمجرد اللحية ، ومر الليل كالجبل على صدري؛ اشتباكات طاحنة هنا وهناك وحرب لا يعرف فيها الخليل خليله ولا الأخ أخيه ، وجاء الصباح وذهبنا إلى المستشفيات القريبة منا لعله يكون مصاباً هنا أو هناك وجاءت الساعة الحادية عشر صباحاً وقد رن صوت الجوال فاتصل شخص لم أعرفه وقال لي أن أحمد في مستشفى ( ) في غرفة العمليات وقد أصيب في رأسه ؛ وأغلق الجوال، لم يكن يهمني من الذي اتصل بي أكثر مما يهمني ولو خبر عن ابني الذي فقدته لمدة 36 ساعة أو أكثر ؛ فذهبت إلى تلك المستشفى وفعلاً رأيناه هناك وهو مصاب ولا يتكلم وقد دخل في غيبوبة لم يستفيق منها إلا ثواني معدودات وقد رآني وبعدها فارق الحياة . . . . .
لقد قال لي الرجل هذه القصة وأخذت دمعاته تنهمر على خذيه من شدة الألم لفراق ابنه الذي أحبه كثيراً ودائما ما كان هذا الابن باراً بوالديه ومطيعاً لهما وفي نهاية حديثه كان لو تمنى من الله عزوجل لو أخذابنه شهيداً في عملية جهادية ضد أعداء الله عزوجل اليهود ولكنني قلت له أن هذه إرادة الله عزوجل .
وبكى الرجل قليلاً ًوبدأ يهدأ شيئاً فشيئاً ، ونحن جالسون في الفندق كان يمر شقيق أحد الشهداء الذين استشهدوا على أيدي أبناء الجلدة في العام 2001م في مواجهات تشييع جثمان شهيد قد مضى في مواجهة عسكرية ؛ فرآني أجلس مع الرجل فجاء وسلم علينا ؛ لا أعرف هل هذا الاجتماع الذي جاء من جلأ تهنئة الرجل على هذه الأريكة هل هو جاء صدفة أو أن الصدفة أفضل من ألف ميعادخاصة عندما جاء هذا الشاب شقيق الشهيد ، ،وأحس الشاب الذي جلس معنا أن هناك شيئاً بعدما سلم علينا وقلت له حدثنا شيئاً عن استشهاد أخيك عبد الكريم ، فقال لي ولم تسأل عنه الآن وقد استشهد منذ زمن ؛ قلت لاشيء بل من اجل تذكره رحمه الله ، فقال لنا أن عبدالكريم خرج في صباح يوم ) الموافق ( لتشييع الشهيد ( م . م ) وكان الشهيد قد استشهد في مهمة جهادية شرق مدينة غزة ، وأثناء التشييع كانت العصبة الحاقدة بالقرب من مكان تشييع الشهيد م. م وكان المشيعون يهتفون ضدها وبدأت تلك العصبة بإطلاق النار على مسيرة التشيع فأصيب عدد من المشاركين بتلك المسيرة وكان أخي عبد الكريم قد أصيب وهرعنا إلى المستشفى وقد وصلنا عندما فارقت روحه الطاهرة البارئة إلى ربها ، فعرفت العائلة تلك المصاب الجلل وبعد ذلك حمدنا الله عز وجل على قضائه وقدره .
كنت أقصد أنا من حديث شقيق الشهيد عبد الكريم أن أخفف على الرجل والد أحمد والذي سمع القصة من شقيق عبد الكريم ؛ فقام والد أحمد باحتضان شقيق عبد الكريم ونزلت ثانياً الدمعات من عيني تلك الرجل ، وكان شقيق عبدالكريممستغرباً من تصرف ذلك الرجل والذي قمت أنا فيما بعد بتوضيحه لشقيق عبد الكريم .
في نهاية جلوسي مع هذا الرجل المصاب بجلل كبير في فقدان ولده في أحداث فلسطينية فلسطينية مؤسفة وقد قلت له أن اصبر واحتسب وتعوذ وأسال الله عز وجل أن يجعل ابنك في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، فقلت له أيضا أن اعتبرني مثل ابنك وسوف أزورك من حين لآخر .
لا اعرف هل الفلسطيني الذي قتل فلسطينياًَ آخر هل يشعر أن ما قام به هو عملاً وطنياً مثلما لو قام بقتل يهودياً مغتصباً ملعوناً لا أعرف ( حتى يغيروا ما بأنفسهم )

نسأل الله العلي القدير أن يجمع شمل الفلسطينيون في دولة واحدة حتى نبقى كلنا يداً واحدة موحدة على هذا العدو الذي لا يراعي كبيراً ولا صغيراً..
آمين آميـــــــــــــــــــــ ــــن