المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طلب



mariem
16-03-2008, 06:30 PM
سلامات،

أبحث عن رواية إله الأشياء الصغيرة للروائية الهندية آرونداتي روي
بحثت عنها كثيرا في الانترنت لكني لم أجد إلا فقرات متقطعة من الرواية أو بعض الروابط المتعطلة :(

أرجو ممن لديه نسخة رقمية منها أن يسعفني بها مشكووووورا :)

كل الود

اباي ولد الجيد
16-03-2008, 07:13 PM
مبروك علينا انضمامك اخيرا الي اسرة المشهد

وهذا ترجمة احد فصولها :



فصل من رواية (إله الأشياء الصغيرة) للكاتبة الهندية آرونداتي روي؛ الرواية الفائزة بجائزة بوكر العام 1997
إله الأشياء الصغيرة
في تلك الظهيرة، سافرت آمو لأعلى عبر حلم رأت فيه رجلا بشوشا مبتهجا بذراع واحدة يخاصرها على ضوء لمبة زيت. لم يكن لديه ذراع أخرى ليصارع بها الظلال التي تناثرت حوله على الأرض.
الظلال فقط هي ما كان يستطيع أن يرى. عضلات بطنه كانت تعلو تحت جلده كأنها تقسيمات على عمود من الشيكولاته.
كان يضمها اليه بقوة، في ضوء مصباح الزيت، وضاء كان وكأنه مطلي بورنيش فائق اللمعة.
كان يستطيع أن يفعل شيئا واحدا في وقت واحد.
إذا ما ضمها، لم يكن يستطيع أن يقبلها. إذا ما قبلها، لم يكن يستطيع أن يراها. إذا ما رأها لم يكن يستطيع أن يشعر به.
كان بإمكانها أن تلمس جسده بخفة أصابعها، وتشعر بجلده الناعم حين تعتريه القشعريرة. كان بإمكانها أن تترك أصابعها تشرد حتى تبلغ أسفل بطنه المنبسطة. دونما اكترث، فوق حواف الشيكولاته المصقولة. وتترك آثار متماثلة من قشعريرة متباينة الحدبات على

جسده، مثل طباشير منبسط على سبورة، مثل رباط من النسيم على حقل أرز. مثل خطوط سوداء في سماء كنيسة زرقاء. كان بإمكانها أن تفعل ذلك بسهولة بالغة، لكنها لم تفعل. كان بإمكانه أن يلمسها أيضا. لكنه لم يفعل، لوجود أناس بنظارات شمسية محدوبة

مرصعة بأحجار الراين، يترقبون وهم يجلسون على كراسي معدنية قابلة للطي، وضعت على هيئة حلقة، في الظلال، في العتمة، خلف لمبة الزيت. جميعهم كانوا يحملون كمنجات صقيلة تحت ذقونهم، أقواسها مصوبة تجاه زوايا متطابقة.
جميعهم يضعون ساقا على الأخرى، اليسرى فوق اليمنى، وكل سيقانهم اليسرى كانت تهتز.
بعضهم كانوا يحملون صحفا، وبعضهم لا. بعضهم كانوا ينفخون فقاعات اللعاب، وبعضهم لا. لكن على عدساتهم جميعا الانعكاسات المتراقصة للمبة الزيت.
حلقة الكراسي المعدنية التي تطوي، شاطئ تفترشه زجاجات زرقاء مهشمة، كانت الأمواج الساكنة تحمل زجاجات زرقاء جديدة لتتهشم. أصوات خشنة مسننة تصدر عن ارتطام الزجاج بالزجاج على الزجاج. على صخرة، ناتئة عن البحر، في بصيص من الضوء

الأرجواني. كان هناك كرسي هزاز من الماهوجني. محطم.
اسود كان البحر، أخضر كان الزبدالذي يتقيؤه.
السمك يتغذى على الزجاج المهشم.
كان مرفق الليل يتكأ على الماء، الساقطة ترتد خاطفة عن زجاجة المتناثر.
الفراشات تضئ السماء. ليس ثم من القمر.
سبح، بذراع واحدة. سبحت بذراعيها.
بشرة جسده كان لها طعم الملح. وبشرتها أيضا.
لم يترك آثار أقدام على الرمل، لا تموجات على سطح الماء، لا خيالات في المرايا.
كان بإمكانها أن تتحسسه بأصابعها، لكنها لم تفعل. فقط وقفا معا.
ساكنين.
بشرة قبالة بشرة.
نسمة ملونة كالرذاذ رفعت شعرها وطيرته مثل شال متموج حول كتفين بلا ذراعين ينتهيان بغتة مثل جرف صخري.
ظهرت بقرة حمراء نحيلة بعظام حوض ناتئة، واتجهت مباشرة وسبحت في البحر دون أن تبلل قرنيها، دون أن تلتف للوراء.
طارت آمو في حلمها على جناحين ثقيلين مرتعدين، وتوقفت لتستريح، تحديدا تحت جلد حلمها.
ضغطت على ورود من غطاء فراشها الأزرق ذا الغرز المتقاطعة المنبسط على خدها.
شعرت بوجهي طفليها يتدليان فوق حلمها، مثل قمرين قلقين معتمين، ينتظران الإذن بالدخول.
"هل تعتقد أنها تحتضر؟" سمعت راهيل تهمس لإيستا.
"إنه أحد كوابيس الظهيرة" أجاب إيستا الدقيق."إنها تحلم كثيرا".
إذا ما لمسها، لم يكن يستطيع أن يحدثها، إذا ما حبها، لم يكن يستطيع أن يغادر، إذا ما حدثها، لم يكن يستطيع أن ينصت، إذا ما حارب، لم يكن يستطيع أن ينتصر.
من يكون هذا الرجل ذا الذراع الواحدة؟ أي رجل يحتمل أن يكون؟ إله الخسارة؟ إله الأشياء الصغيرة؟ إله القشعريرة الإوزية والابتسامات المباغتة؟ إله الروائح المعدنية الحامضة ـمثل قضبان الباص المعدنية ورائحة يدى الكمسري من الامساك بها؟
"أنوقظها؟"، سأل إيستا.
انسل رنين ضوء العصاري إلى الغرفة عبر الستائر وسقط على ترانزيستور آمرو النارنجي الشكل الذي كانت تأخذه دوما معها إلى النهر. (على هيئة ثمرة أيضا، الشئ الذي حلمه إيستا إلى صالة عرض صوت الموسيقى في يده الأخرى اللزجة.)
قضبان مضيئة من ضوء الشمس انعكست على شعر آمو المنعكس. انتظرت، تحت جلد حلمها، غير راغبة في السماح لتوأميها بالدخول.
"إنها تقول لا ينبغي أبدا أن نوقظ من يحلم فجأة، قالت راهيل "وإنها تقول أنه من الممكن ـ هذا الحالم ـ أن يصاب بسهولة بأزمة قلبية".
قررا فيما بينهما أن يزعجاها بهدوء وتحفظ، أفضل من أن يوقظاها فجأة. لذا فتحا فجأة. لذا فتحا الأدراج، تنحنا، تهامسا بصوت عال، دندنا بلحن صغير. نقلا الأحذية. ووجدا باب يزيق في الدولاب.
آمو مستكينة تحت جلد خلمها، لاحظتها وتوجعت بحبها لهما.
طفأ الرجل ذا الذراع الواحدة لمبته ومضى على الشاطئ المسنن بشظايا الزجاج، بعيدا موغلا في الظلال التي لا يرى سواها.
لم يترك آثار أقدام على الشاطئ طويت الكراسي القابلة للطي. هدأ البحر القاتم. استكانت الأمواج المتجمدة. عاد الزبد معبأ في زجاجة. إنسدت الزجاجة بغطاء من الفلين.
تأجلت الليلة لحين إشعار آخر.
فتحت آمو عينيها.
لقد كانت رحلة طويلة تلك التي خاضتها، من عناق الرجل ذا الذراع الواحدة حتى عودتها لتوأميها المختلفين الشبه.
"كنت تحلمين بأحد كوابيس الظهيرة" أخبرتها إبنتها.
"لم يكن كابوساً" قالت آمو."كان حلما".
"وظن إيستا أنك تحتضرين".
"وكنت تبدين حزينة جدًا" قالت إيستا.
"كنت سعيدة" قالت آمو، وأدركت أنها كانت سعيدة بالفعل.
"لو أنك سعيدة في حلم، يا آمو، فهل ذلك يعتد به؟"، سأل إيستا.
"يعتد بماذا؟"
"السعادة ـ هل يعتد بها؟"
كانت تعرف بالضبط ما الذي يعنيه، ابنها بنفشة شعره المتهدلة. لأن الحقيقة هي أن ما يعتد به قابل للتفسير.
حكمة الأطفال البسيطة التي لا تحيد.
إذا ما أكلت سمكا في حلم، فهل هذا يعتد به؟ أهذا يعني أنك قد أكلت سمكا بالفعل؟
الرجل البشوش البهيج الذي لا آثار أقدام له ـ هل يعتد به؟
تحسست آمو في الظلام بحثا عن الترانزيستور النارنجي الخاص بها، وادارته. كان يذيع أغنية من فيلم اسمه تشيمين.
كان يحكى قصة فتاة فقيرة حلمت على الزواج من صياد سمك من الساحل المجاور، بالرغم من أنها كانت تحب شخصا آخر. عندما علم الصياد بالحبيب القديم لزوجته الجديدة، خرج للبحر في قاربه الصغير رغم علمه بهبوب عاصفة. كان الجو معتما، والرياح

عالية. علت دوامة من قاع المحيط. كان هناك غيقاع عاصف، وغرق الصياد، انجرف لقاع البحر في الذار الهائج للدوامة.
العاشقان عقدا اتفاقية انتحار، ووجدا في الصباح التالي، مغسولان على الشاطئ وكلاهما يطوق الآخر بذراعيه. وهكذا مات الجميع. الصياد، زوجته، حبيبها، وسمكة قرش لم يكن لها دور في القصة، لكنها ماتت على أي حال. البحر ابتلعهم جميعا.
في العتمة الزرقاء المتقاطعة الغرز الموشاة بحواف ضوء بورود متقاطعة الغرز على خدها النائم، آمو وتوأميها (توأم على كل جانب)، برقة مع الترانزيستور النارنجي.
الأغنية التي غنتها الصيادة للعريس الشاب الحزين عندما كانوا يضفرون شعرها ويجهزونها كي تزف لرجل لا تحبه.
باندورو ماكوفان موثينو بوياى،
(ذات مرة خرج صياد للبحر)
بادينجران كاتاثو مونجي بوباي،
(فهبت الرياح الغريبة وابتعلت قاربه)

عباءة مطار بديعة تنتصب على الأرض، متصلبة من تلقاء نفسها بالخارج في الميتام، صفوف من بلوزات الساري المنشية، وقد نشتها في الشمس. لونها ذهبي، وأبيض ضارب إلى الصفرة. حصوات صغيرة ساكنة في تمويجاتها المنشية، لذا فلزاما أن تنفض قبل أن

تطوى البلوزات وترسل للكي.
آرياتي بينوييزاتشو بوياي،
(ضلت زوجته على الشاطئ)

أحرقت جثة الفيل المصعوق ( ليس كوتشو ثومبان ) في إيتومانور. أقيم غوط عملاق على الطريق السريع. قام مهخندسو البلدية المختصة بتقطيع أنياب الفيل وتقاسموها بشكل غير رسمي. بشكل غيى متساو. ثمانون صفيحة من السمن سكبت على الفيل لتغذية

النار.
ارتفع الدخان على هيئة قتار كثيف متصاعد آخذا اشكال معقدة ملأت السماء. احتشد الناس على مسافة آمنة، لقراءة المعاني الكامنة في هذه الأشكال.
كميات هائلة من الذباب كانت هناك.
آفاني كادالاما كوندو بوياي
(لذا أعلن المحيط الأم عن مدة وابتلعه.)

في الأشجار حطت طيور الحدأة، لتشرف على إدارة الطقوس الأخيرة الخاصة بالفيل الميت. آملة في، ليس دون مبرر، تنانيف من أحشاء البطن العملاقة. ربما، مرارة هائلة الحجم. أو طحال ضخم متفخم.
لم يبلغوا حد اليأس. ولا منتهى الامتنان والشبع.
لاحظت آمو أن كلا توأميها يغطيهما رماد خفيف، كان لراهيل حليقة شقراء تسكن حليقات شعرها السوداء. حليقة من نشارة الخشب في الحوش الخلفي عند فيليوتا. التقطتها آمو.
"أمرتك من قبل" قالت. "ألا تذهبي إلى بيته. إن هذا لن يجلب سوى المتاعب."
أي متاعب، لم تذكر. لم تكن تعرف.
إلى حد ما، دون ذكر اسمه، كانت تعرف أنها قد أغرقته في الحميمية الفوضوية لتلك الظهيرة المتقاطعة الغرز وأغنية الترانزيستور النارينجي. دون ذكر اسمه، أحست باتفاقية قد عقدت بين حلمها والعالم. وان دايات تلك الاتفاقية، هم، او سيصبحون، توأميها المتربين

بغبار المنشار، توأميها نتاج البويضتين المنفصلتين.
كانت تعرف من هو ـ إله الخسارة، إله الأشياء الصغيرة. بالطبع كانت تعرف.
أوقفت الراديو النارينجي. في صمت الظهيرة (الموشي بحواف الضوء)، تكوم طفليها في دفئها. في رائحتها. انسلا برأسيهما تحت شعرها. أحسا إلى حد ما أنها تسافر بعيدا عنهما في نومها. الآن قاما باستدعائها براحات أكفهما الصغيرة المنبسطة على جلد

منتصف جذعها. ما بين بلوزتها وجيبتها. كانا معجبان لأن لون ظهور أكفهما له بالضبط نفس اللون البني لبطن أمهما.
"إيستا، انظر"، قالت راهيل، متجاسرة على خط الزغب الناعم الذي يمتد جنوبا من سرة آمو.
"هنا ركلناك" تتبع إيستا باصبعه علامة ممتدة فضية ومتعرجة.
"هل كان هذا في الباص: يا آمو؟"
"على طريق المزرعة المتعرج"
"عندماتحتم على بابا أن يمسك بطنك".
"أكان يجب عليكما قطع تذاكر؟"
"هل آلمناك؟"
ثم كان سؤال راهيل، مستمرة في التحدث بصوتها التلقائي: "أتعتقدين أنه فقد عنواننا؟"
فقط إشارة توقف في إيقاع تنفس آمو جعل إيستا يلمس إصبع راهيل الأوسط بإصبعه. وإصبع أوسط إلى إصبع أوسط، على منتصف جذع أمها الجميل، تجاهلا هذا الخط من التساؤلات.
"تلك رفسة إيستا، وهذه رفستي"، قالت راهيل "..وهذا خاص بإيستا وتلك لي".
تقاسما العلامات الفضية السبعة الممتدة بينهما. ثم وضعت راهيل فمها على بطن آمور ورضعته، جاذبة اللحم الطري في فمها وساحبة رأسها للخلف لتستمتع بالشكل البيضاوي اللامع للعاب واللون الأحمر الباهت لآثار أسنانها على جلد أمها.
تعجبت آمو لشفافية تلك القبلة. كانت قبلة صافية وشفافة كالزجاج. غير مثقلة بغيوم العاطفة والرغبة ـ هذان الكلبان يحفلان بنوم عميق داخل الطفلين، في انتظارهما حتى يكبرا.
كانت قبلة لا تتطلب الرد عليها بأخرى.
لم تكن قبلة غائمة متخمة بالأسئلة التي تنتظر إجابات مثل قبلات الرجال البشوشين المبتهجين ذوي الذراع الواحدة في الأحلام.
سأمت آمو تعاملها الامتلاكي معها. كانت تريد استعادة جسدها إنه ملكها. أبعدت طفليها غير مكترثة بهما أنثى الكلب حين لا تبالي برضعها عندما يكون لديها الكثير منها. نهضت وبرمت شعرها على هيئة كعكة عند قفاها. ثم رفعت ساقيها مغادرة الفراش، مشت إلى

النافذة وفتحت الستائر.
سمع التوأمان صوت المزلاج في باب حمام آمو.
كليك.
نظرت آمو على نفسها في المرآة المعلقة على باب الحمام فلاحت لها صورة مستقبلها في المرآة وهي تسخر منها. مخللة. قاتمة. دامعة العينين. ورود صليبية الغرز على خد غائر مرتخي. نهدين ذابلين يتدليان مثل زوج ثقيل من الجوارب. متيبسان مثل عظمة بين

ساقيها، خصلة الشعر البيضاء. هزيلة. متقصفة مثل سرخس مهروس.
بشرة مندوقة ومتناثرة مثل الجليد.
ارتعشت آمو.
بذلك الشعور البارد على ظهيرة قائظة كانت تعاش الحياة. كان كأسها ممتلئا بالغبار. الهواء، السماء، الأشجار، الشمس، المطر، الضوء، العتمة، جميعا تحولوا إلى رمل. ذلك الرمل كان سيملأ فتحتي أنفها، رئتيها، فمها، كان سيجرها لأسفل تاركا على السطح

دوامة سريعة الدوران مثل التي تتركها السرطانات على شاطئ عندما تغوص مختبئة في الرمال.
خلعت آمو ملابسها ووضعت فرشاة أسنان حمراء تحت أحد نهديها، لترى إذا كانت ستستقر. لم يحدث. كان جسدها مشدودا رقيقا في المكان الذي تلمس فيه نفسها. تحت يديها حلمتان متغضنتان ومتيبستان مثل البندق القاتم، تجذبان الجلد الرقيق على نهديها. خط

الزغب الرفيع من سرتها إلى أعلى المنعطف الرقيق لأسفل بطنها، إلى المثلث المعتم. كان مثل سهم يهتدي به مسافر ضل الطريق. عاشق غير متمرس.
فكت شعرها وتلفتت حولها لترى إلى أي مدى بلغ طوله. تدلى في موجات وحليقات وخصلات متجمدة جامحة ـ ناعمة بالداخل، أكثر خشونة بالخارج ـليبلغ تحديدا بداية انعطاف خصرها القوي الصغير للخارج صوب ردفيها. كان الحمام حارا. حبات عرق صغيرة

رصعت جلدها مثل ماسات. ثم تهشمت وانحدرت. انحدر العرق أسفل الخط المجوف لعمودها الفقري. بدت مؤخرتها الثقيلة المستديرة منتقدة قليلا. لم تكن كبيرة في ذاتها. ليست كبيرة بمفردها (كما كان تاشكو طالب أكسفورد سيظن).
كبيرة فقط لأن باقي جسدها كان نحيلا ممشوقا. مؤخرة تخص جسدا آخر أكثر شهوانية.
كان لزاما عليها أن تعترف أن ردفيها يحملان فرشاة أسنان على كل واحدة. ربما فرشتان. ضحكت مقهقهة على فكرة المسي عارية في آيمينيم بعرض لفرش أسنان ملونة تظهر على وجنتي مؤخرتها. أسكتت نفسها بسرعة. رأت مس جنون يفر من زجاجتها

ويتواثب مختالا حول الحمام.
تخوفت آمو من الجنون.
قالت ماماتشي أنه ينسل في عائلتهم. حتى أنه يحط على الناس بغته ويسمهم على حين غرة. كانت هناك باثيل آماى، التي كانت في الخامسة والستين من عمرها حينما بدأت تخلع ملابسها وتجري عارية على امتداد النهر، وهي تغني للسمك، كان هناك أيضا ثامبي

تشاتشن، الذي كان يفحص برازه كل صباح بإبرة تريكو بحثا عن سنة ذهبية كان قد ابتلعها قبل سنوات مضت ودكتور موثاتشين، كان هناك آمو ـآمو آيب. تزوجت من بنغالي. وجنت تماما. ماتت صغيرة. في مسكن رخيص في مكان ما.
قال تساكو أن تفشي الجنون بكثرة بين المسيحيين السوريين ليس سوى ثمنا يدفعونه لتمسكهم بزواج الأقارب. قالت ماماتشس أن هذا ليس صحيحا.
لملمت آمو شعرها الكثيف، لفته حول وجهها، وحدقت مستشرقة خط العمر والموت في جدائله المتشققة. كأنها أحد منفذي أحكام الإعدام من العصور الوسطى يحدق من شقوق العين المائلة لبرنسه الأسود المدبب على المحكوم عليه بالإعدام. منقذ أحكام عاري،

ممشوق القوام بحلمتين قاتمتين وغمازتنين عميقتين حينما يبتسم. له سبع علامات فضية ممتدة من توأميها الثنائي اللقاح، اللذان أنجبتهما على ضوء الشموع في خضم أنباء بهزيمة عسكرية.
لم يكن الذي يفزع آمو هو ما ينتظرها في نهاية الطريق بقدر ما أفزعها الطريق نفسه. لا معالم ليتضح بها امتداده. لا أشجار مزروعة على جانبيه. لا ظلال مزركشة تظلله. لا سديم يكسوه. لا طيور تطوقه. لا التواءات، لا منحنيات، لا منعطفات حادة تخفي ولو

مؤقتا، الصورة الواضحة لنهايتها. لقد غلف هذا آمو بفزع بغيض، لأنها لم تكن المرأة التي تحب ان تستشرف الآتي. كانت تهابه بل وترهبه كثيرا. لهذا، لو كان لها أن تضمن ولو أمنية واحدة صغيرة، ربما لم تكن لتتمنى سوى شئ واحد فقط وهو ألا تعرف. ألا

تعرف ما ينطوي عليه كل يوم لها. الا تعرف أين ستكون، الشهر القادم،العام القادم. بعد عشر سنوات، ألا تعرف أين سينعطف بها الطريق، وماذا ينتظرها خلف المنحنى. وآمو كانت تعرف. أو اعتقدت أنها تعرف، مما كان رديئا للغاية (لأنه إذا ما أكلت سمكا في

حلم، فهذا يعني انك أكلت سمكا) وما كانت تعرف آمو (أو اعتقدت أنها تعرف)، كان ينضح بالرغاء الخلى السخيف الذي يتصاعد من الأحواض الأسمنتية بمخللات الجنة. رغاء جعد الشباب وخلل المستقبل.
استندت آمو على نفسها في مآة الحمام وحاولت أن تبكي وهي تستتر بشعرها.
على نفسها.
على إله الأشياء الصغيرة.
على القابلتين التوأم المرشوشين بالسكر في حلمها.

تلك الظهيرة ـ بينما كانت الأقدار تتآمر في الحمام لتغير ببشاعة اتجاه طريق أمهما الغامض، بينما كان ينتظرها قارب قديم في حوش فيليوتا الخلفي، بينما في كنيسة صفراء، كان هناك خفاش صغير ينتظر الولادة ـكان إيستا على مقعدة راهيل واقفا على رأسه في

غرفة نوم امه.
غرفة النوم ذات الستائر الزرقاء والدبابير الصفراء التي كانت تعض زجاج النافذة. غرفة النوم بحوائطها التي ستعرف توا أسرارها المؤلمة المعدية.
غرفة النوم التي ستحبس فيها آمو في البداية، ثم تحبس نفسها.ببابها الذي كسره تشاكو الذي أصابه حزنه بالجنون بعد أربعة أيام من جنازة صوفي مول.
"أخرجي من بيتي قبل أن أهشم كل عظام جسدك!"
بيتي، أناناسي، مخللي.
بعد ذلك بسنوات، كانت راهيل تحلم بنفس الحلم: رجل بدين، بلا وجه، يقعي على ركبتيه إلى جوار جثة امرأة. يجز شعرها. يهشم كل عظام جسدها. يقضم حتى العظام الصغيرة منها. الأصابع. عظام الأذن تطقطق مثل الأغصان الصغيرة. القضم والطقطقة، كان

العظام المهشمة.
بيانست يقتل أصابع البيانو. حتى السوداء منها. وراهيل ( رغم أنها بعد سنوات، في المحرق الكهربي، كانت ستستخدم نعومة العرق لتتملص من قبضة تشاكو )، أحبت كلاهما. العازف والبيانو.
القاتل والجثة.
عندما كسر الباب ببطء كانت آمو تطوي شرائط شعر راهيل التي لم تكن تحتاج إلى طي لتتحكم في ارتعاد يديها.
"أريد وعدًا منكما بأن يحب كلاكما الآخر دائمًا"، كانت تقول، عندما جذبت طفليها إليها.
"نعدك"، كان إيستا وراهيل يقولان. دون أن يجدا كلمات ليخبراها أنهما لايملكان كلا، ولا آخر.
علامتان توأمان وأمهما. علامتان جامدتان. ما فعلاه سوف يرتد ليفزعهما. لكن هذا سيكون فيما بعد.
فيما بعد. جرس عميق الصوت في حائط طحلبي. مرتعش ومبطن بالفرو مثل ساق فراشة.
في ذلك الوقت، لم يكن هناك سوى التنافر فقط. كأن المعنى قد انسل خارج الأشياء وتركها متشظية. مفككة. ومضة إبرة آمو. لون شريطة. نسيج الشرشف ذا الغرز المتقاطعة. باب يتحطم ببطء. أشياء منعزلة لا تعني شيئا. كأن الذكاء الذي يحل شفرة أنماط الحياة

ـالتي تربط بين الانعكاسات والصور، الومضات والضوء، وأنواع الأنسجة والأقمشة، الإبر والخيوط، الحوائط والغرف، الحب والخوف والغضب والندم ـقد تلاشى بغتة.
"لمى اشيائك وأذهبي"، قال تشاكو، وهو يخطو فوق الحطام. وهو يظهر مهددا فوقها. وفي يده مقبض باب المطلي بالكروم. هدأ بغتة وبغرابة. مذهولا من طاقته. ضخامته. قوته المتنمرة. هول حزنه المفزع.
أحمر كان خشب الباب المحطم.
آمو، الهادئة بالخارج، المرتعدة بالداخل، لم تكن لترفع عينيها عن تهذيب الحواف الغير ضروري. وعلبة الأشرطة الملونة في حجرها، في الغرفة التي فقدت فيها حق المثول أمام القضاء للمقاضاة.
نفس الغرفة التي عبأت فيها (بعد أن أجاب خبير التوائم من حيدر آباد)، آمو صندوق الملابس الصغير الخاص بإيستا وحقيبة سفره القماش الكاكي: 12 فانلة داخلية من القطن بلا أكمام، 12 فانلة قطن نصف كم. إيستا، ها هو اسمك مكتوب عليها بالحبر. جواربه.

بنطلونه ذا الرجل الأنبوبية. قمصانه بياقتها المدببة. حذائه البيجي والمدبب (الذي تنبثق منه المشاعر الغاضبة). تسجيلات إلفيس. كبسولات الكالسيوم، والفيدالين الشرب. زرافته المجانية (التي جاءت هدية مع الفيدالين). كتبه المعرفية الأجزاء من 1ـ4 لا، يا حبيبة

قلبي، لن يكون هناك نهرًا للصيد. الكتاب المقدس ذا الجراب الجلد بالسوستة البيضاء وعلى جرار السوستة أحد أزرار الأكمام الأرجوانية التي كانت تخص عالم الحشرات الإمبريالي. المج الخاص به. صابونته. هدية عيد ميلاده مقدمًا والتي لا يجب عليه فتحها الآن.

أربعون ورقة خطاب محلية. "انظر يا إيستا، لقد كتب عليها عنواننا بالحبر. كل ما عليك ان تفعله هو أن تطويها. لنرى إذا ما كنت تستطيع طيها بنفسك". وإيستا يطوي ورقة الخطاب المحلية الخضراء بدقة عند الخط المنقط الذي كتب، "عليه إطوي هنا". ورفع عيناه

إلى آمو بابتسامة حطمت قلبها.
"هل تعدني بالكتابة؟ حتى لو لم يكن لديك أي أخبار؟"
"أعدك"، كان إيستا يقول. غير مدركًا تمامًا للموقف. تبلدت الحافة الحادة لإدراكه من جراء الثروة المفاجئة من الممتلكات الدنيوية. جميعها كانت ملكه. وعليها اسمه مكتوب بالحبر. كانت مقررا أن تعبأ في الصندوق (باسمه المكتوب عليه) الملقى مفتوحًا في

أرضية غرفة النوم.
الغرفة التي عادت إليها راهيل بعد مرور سنوات وشاهدت غريبا صامتا يغتسل. ويغسل ملابسه بصابون أزرق براق ومفتت.
منبسط العضلات، وله لون العسل. في عينيه أسرار البحر. وقطرة مطر فضية على أذنه.
إيستا باببيتشاتش كوتابن بيتر مون.

المُشاغب
28-03-2008, 10:58 AM
نفس الرواية لدي بعنوان "رب الأشياء الصغيرة "...
وربما هواختلاف في الترجمة ..
وسأحاول أن أطبعها لك بالتجزئة .. أو أبحث لك عن نسخة رقمية عند مصدر معتمد :mad:


..
.
,


وهي رواية تستحق القراءة :D

mariem
29-03-2008, 12:04 AM
سلامات،

شكرا كثيرا أباي على إدراجكَ لــ الفصل هنا
كنتُ قد وجدت هذا الفصل ومقاطعَ أخرى متفرقة قصيرة ولكني لم أعثر لــ الأسف على الرواية كاملة :(

المُـشاغب،
طباعتها قد تكون متعبة .. لكني أطالب بالعرض الأخير :cool:
ابحثْ لي -مشكووورا- عن نسخة رقمية معتمدة

شكرا لكما