المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ابن عربي.. ترجمان الأشواق



tamecheket
04-03-2008, 04:22 PM
يعدّ (حكيم مرسية) الصوفي والفيلسوف محيي الدين بن عربي (ت 638هـ/1240م) علامة فارقة في تاريخ الثقافة العربية والإسلامية, ونقطة وصل وفصل في الآن ذاته في مسارات هذه الثقافة,
أداة وصل من جهة أنه استطاع من خلال مؤلفاته الكثيرة أن يحاور كل المرجعيات والأنماط المعرفية التي نشأت واكتملت بالمشرق أو التي أينعت في الأندلس والمغرب بتأثير مشرقي, مثلما أنه تميّز عبر رحلاته العلمية والفكرية وسياحاته الروحية والوجودية في نقل أكثر العلوم والمعارف الفلسفية والحكمية, وما اتصل بها من آداب وأشعار رمزية إلى المشرق ليستمرّ تأثير مدونته قائمًا إلى عهود قريبة, وتكثر حولها الشروحات المنجزة في مصر والشام والجزيرة العربية وبلاد فارس والهند. وابن عربي يعدّ نقطة فصل اعتبارًا لكون مؤلفاته وإسهاماته الفكرية المعرفية والأدبية الشعرية ذات المناحي الذوقية والرمزية العرفانية, مثلت مدار اهتمام كبير ومحل شروحات وقراءات وتأويلات متعددة وجهات النظر وزوايا المقاربة إلى عصرنا هذا. ومهما اختلفت القراءات حول الإرث المعرفي والأدبي لمحيي الدين بن عربي فإنها تلتقي جميعًا حول الإقرار له بعمق المعرفة, وسعة أفق الفهم ورفعة الذوق الفني في ما يتعلّق بتصوير حقائق الوجود, وإدراك معاني (الكم) الإلهي حتى قال فيه قديمًا أبو عبدالله القوري (ت872هـ) إنه (أعرف بكل فن من أهل كل فن) وعبّر حديثا الأستاذ أبو العلاء عفيفي عن هذا المعنى مجازًا بقوله: (إن لابن عربي في كل معسكر قدمًا), واعتبره د.عثمان يحيى (أبرز من عبّر عن فلسفة الميتافيزيقا في الإسلام).

ويبدو أن مثل هذه الميزات التي وسمت مدونة ابن عربي دفعت الباحثين والنقاد والشارحين من العرب وغير العرب ليتسابقوا في العصر الحديث إلى تحقيق نصوص ابن عربي والتعريف بها, وإلى قراءتها وتأويلها من منطلقات معرفية مختلفة, وحسبي أن أشير إلى مبادرة المستشرق الإنجليزي رينولد نيكلسون الذي بادر إلى نشر ديوان ابن عربي (ترجمان الأشواق) منذ سنة 1912 والتعليق عليه, وكذلك وضع المستشرق الإسباني آسين بلاسيوس مؤلفا مهمًا حول (ابن عربي.. حياته ومذهبه) نقله إلى العربية عبدالرحمن بدوي. وكان أبو العلاء عفيفي من أوائل الدارسين العرب الذين أخذوا على عاتقهم مهمة دراسة (الفلسفة الصوفية عند ابن عربي) ثم تولى تحقيق واحد من أبرز كتبه وأعني (فصوص الحكم), وبالتوازي مع هذه الجهود أقدم عثمان يحيى على إعداد أطروحة بالفرنسية تتعلق بـ (مؤلفات ابن عربي), ليتفرغ في ما بعد إلى تحقيق موسوعة المعارف الحكمية والعلوم الدينية لابن عربي ونعني (الفتوحات المكيّة), غير أنه توفي دون أن يتم هذا العمل. ووضع المستشرق والفيلسوف الفرنسي هنري كوربان كتابًا في بسط (نظرية الخيال الخلاق عند ابن عربي). وتتوالى إلى أيامنا هذه دراسات العرب - مغاربة ومشارقة - والغربيين والهنود واليابانيين لفكر ابن عربي ولكتاباته التي تقوم على نوع من التمازج بين المناحي الرمزية التخييلية والنزعات الفلسفية المعرفية العميقة.

إن مثل هذه الأهمية المحورية للمتن النظري الذي انطوت عليه مؤلفات ابن عربي تدفعنا إلى أن نحاول بيان طبيعة الدور الريادي الذي قام به في نقل العرفان الذوقي وما اتصل به من شعر ورموز, وكذلك الفلسفة الصوفية كما اكتمل صرحها بالأندلس والمغرب إلى المشرق, حيث أسهم عبر ذلك في استئناف التفكير الذوقي الإشراقي, وفي دفع اتجاهات الكتابة الشعرية الرمزية ذات المناحي العرفانية الإشراقية إلى مدارات قصية في توظيف الإشارات والتكلم بأسرار العرفان الذوقي بدءًا من جلال الدين الرومي وقطب الدين الشيرازي وصولاً إلى حافظ الشيرازي والجامي والنابلسي وسيأتي بيان ذلك لاحقًا.

وسننطلق في ذلك من بيان صلة الكتابة بالتجربة الروحية عند محيي الدين بن عربي ثم نتطرق إلى تحديد أطوار تكوّن التصوف المعرفي في الأندلس والمغرب من خلال أبرز أعلامه على نحو من الاختزال, لنخلص بعد ذلك إلى بيان الدور الذي قام به ابن عربي في نقل هذه المعرفة وما اتصل بها من فن شعري من الأندلس إلى المشرق.

الرحلة وكتابة التصوف

لقد ارتبط مسار المعرفة والكتابة في حياة ابن عربي بتنقلاته وأسفاره ورحلاته مشرقًا ومغربًا, وفي شتى الحواضر العربية الإسلامية, كما كان للأشخاص البارزين الذين التقاهم في حياته الأثر الكبير في بناء شخصيته المعرفية من أمثال أبي مدين, وعبدالعزيز المهدوي, وابن رشد, وشهاب الدين عمر السهروردي سمي شيخ الإشراق.

وعلى ذلك تبدو أغلب نصوص ابن عربي وكأنها تترجم أطوار تجربة ذاتية وجودية عميقة, فيها إعادة تشكيل لإقامة الكائن في الوجود, عبر صياغة علاقات إشكالية مع الذات والكون والمعرفة.

إننا كلما توغلنا في دراسة هذه الشخصية بدا لنا أن شواغلها واهتماماتها اليومية ليست إلا مظهرًا يخفي وراءه هما واحدًا متفردًا هو البحث عن (الحقيقة الكلية), عن طريق الاستغراق المسترسل في التأمل والتعالي الروحي وعبر تغيير مستمر للمكان من خلال سياحات وأسفار متواصلة.

لقد انتقل ابن عربي منذ حداثة سنّه من بلاد الأندلس إلى فاس بالمغرب ليلتقي شيوخ الصوفية وأقطاب العلم والمعرفة. ومن هناك امتدت به الرحلة إلى تونس وكان ذلك عام 590هـ/1193م, ثم عاد إلى الأندلس. وعلى إثر رؤية حصلت له, وهاتف سماوي خصّ به اعتزم الرحيل إلى بلاد المشرق حيث مرّ ثانية بتونس والتقى هناك الشيخ عبدالعزيز المهدوي, وأثناء إقامته بتونس زار المعالم الروحية بالحاضرة وأماكنها الدينية, ومكث بجوامعها الكبرى كجامع الزيتونة وبه حدثت له رؤى إشراقية ومكاشفات منامية خارقة, وكان ذلك سنة 598هـ/1201.

وفي شهر ربيع الأول من عام 600هـ/1203م نجد ابن عربي في مكة مجاورًا للكعبة في البيت الحرام, غارقًا في تأملاته مداومًا على العبادة والذكر ليشرح بعد ذلك ديوانه (ترجمان الأشواق) لطائفة من تلاميذه الذين كانوا يتحلقون حوله. وفي عام 601هـ نجده ببغداد مستغرقًا في الاهتمامات الروحية ذاتها. وفي السابع من رجب من العام نفسه يصل إلى (الموصل) ليتلقى (خرقة الخضر), للمرة الثالثة, من يد شيخه علي بن جامع, في مشهد مهيب, وفي 29 رمضان نجده في ملطية عند صديقه: محمد بن اسحق الرومي - والد الصوفي الشهير صدر الدين القونوي - وفي شهر شوال من سنة 602هـ يذهب إلى مسجد الخليل في الجليل, ويمضي هناك بضعًا من الوقت متأملاً في سرّ (الكلمة الإبراهيمية) ويقيم بين قبري إبراهيم ويعقوب - عليهما السلام - شارحًا أحد مؤلفاته لتلاميذه المتحلقين حوله, وفي سنة 603هـ, نجده في القاهرة, محاطًا بجمع من الصوفية في حارة القنديل هناك, مستغرقًا في مشاهداته ومكاشفاته الفائقة, ومستهدفًا في الآن ذاته من قبل حملات الفقهاء, لولا أن سعى في خلاصه, وتأول كلامه الشيخ أبو الحسن البجائي (ت 652 هـ), وتستمر رحلات ابن عربي إلى بغداد ثم بلاد آسيا وتركيا, ليعود إلى بغداد مجددًا, ثم يرتحل إلى دمشق, حيث فضل الإقامة هناك عاكفًا على كتابة مؤلفه الموسوعي (الفتوحات المكية), ومتصدّرًا لتدريس العلوم الحكمية.

وقد كثرت مؤلفات ابن عربي, وتعددت مواضيع اهتماماتها, وتنوعت مداراتها الفكرية والمعرفية, ويبدو أن العدد الهائل من هذه المؤلفات يربو على المائتين مما عثر عليه, ونشر أغلبه, فكان ذلك ولايزال محل دراسة وبحث متواصل, وهو ما دفع عثمان يحيى إلى تخصيص الكتاب المشار إليه: (مؤلفات ابن عربي.. تاريخها وتصنيفها), وقد أحصى فيه ما يزيد على 900 عنوان ذكرت لابن عربي, ونسب بعض منها إليه, وهو يقول في هذا المؤلف (لقد تنوعت مصنفات ابن عربي تنوعًا سار بها من الرسالة البسيطة التي لا يتجاوز حجمها بعض صفحات إلى المؤلفات ذوات المجلدات العديدة مثل كتابه (الفتوحات المكية) الذي يعتبر دائرة المعارف الحقيقية للتصوّف الإسلامي, وهو يتكون من سبعة وثلاثين سفرًا, يحتوي كل سفر على نحو 300 صفحة, وأيضًا مثل التفسير الكبير الذي يقع في أربعة وستين مجلدًا).

ولايزال الباحثون والمشتغلون بالدراسات الصوفية, وكذلك نقاد الفكر والفلسفة مختلفين في قراءة فكر ابن عربي.

فقد ذكر المقري في ترجمة ابن عربي قائلاً: (ذكر الشيخ عبدالله بن سعد اليافعي اليمني أن بعض العارفين كان يقرأ عليه كلام الشيخ (ابن عربي) ويشرحه, فلما حضرته الوفاة نهى عن مطالعته, وقال إنكم لا تفهمون معاني كلامه). وذكر الشعراني في (اليواقيت والجواهر) أن الشيخ عزالدين بن عبدالسلام كان يقول (ما وقع إنكار من بعضهم على الشيخ (ابن عربي) إلا رفقًا بضعفاء الفقهاء الذين ليس لهم نصيب تام من أحوال الفقراء, خوفًا أن يفهموا من كلام الشيخ أمرًا لا يوافق الشرع فيضلوا).

وقال شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني (إياكم والإنكار على شيء من كلام الشيخ محيي الدين, فإنه - رحمه الله - لما خاض المعرفة وتحقيق الحقائق عبر في أواخر عمره في (الفصوص) و(الفتوحات) و(التنزلات الموصلية), وفي غيرها بما لا يخفى على ما هو في درجته من أهل الإشارات. ثم إنه جاء من بعده قوم عمي عن طريقه فغلطوه في ذلك, بل كفّروه, بتلك العبارات, ولم يكن عندهم معرفة باصطلاحه, ولا سألوا مَن يسلك بهم إلى إيضاحه, وذلك أن كلام الشيخ تحته رموز وروابط وإشارات وضوابط).

من ابن مسرّة إلى ابن عربي

يمكن اعتبار أن شخصية ابن مسرّة الجبلي (269هـ - 319هـ) تمثل أول تجربة فكرية صوفية أثرت بعمق في مسار الحياة الروحية بالغرب الإسلامي: الأندلس والمغرب وإفريقية, بل هي شخصية تأسيسية للتصوّف المعرفي أو التصوّف الفلسفي الذي استمر تأثيره إلى القرن السابع الهجري (عصر ابن عربي), وانتشر في كامل نطاق البلاد العربية والإسلامية, بدءًا من أرض الأندلس والمغرب, وصولا إلى شمال إفريقيا والمشرق.

لقد التقت في ثقافة ابن مسرّة الأفلاطونية المحدث بالعرفانية الهرمسية, وامتزج الفكر الاعتزالي بآراء إمباذقليس ليصوغ كل ذلك في رؤية صوفية إشراقية طبعها بمنحاه الشخصي في المعرفة والحياة الروحية, فابن مسرة (من طبقة جابر بن حيان في خصوص انتحال صناعة الكيمياء, وقد تقلد علم الباطن مع الكثير من علوم الفلسفة), ومن ثم كان ابن مسرّة أول صوفي أندلسي سعى إلى تأصيل أسس العرفان الصوفي في ضوء بنية فكرية متعددة الروافد, فمن خلال رسائله (الاعتبار) أو (التبصرة) و(خواص الحروف وحقائقها وأصولها), شرّع ابن مسرة لأطر معرفية جديدة, تنطلق من تأويل حروف القرآن التي في أوائل السور, ففي نظره إذا عرفها المرء صار (عارفًا محققًا), وابن مسرة أول مَن حاول أن يدرأ الخلاف القائم بين طريق العقل وطريق النقل (الوحي) في ضوء رؤية ذوقية عرفانية, فهو يرى (رغم أن الطريقين متباينان, فإنهما يلتقيان من أجل إثبات الحقيقة الوجودية المطلقة: وجود الله (كما) أن العقل الذي يقول به (ابن مسرة) ليس العقل المنطقي المجرد, بل العقل المؤيد بالوجدان أو بالبصيرة القلبية).

وتتكامل رسائل ابن مسرّة من جهة وظائفها في بيان طبيعة النظام المعرفي المميز لتفكيره الصوفي, (فمنزلة كل رسالة من أخرى هي منزلة المجمل من المفصل, فرسالة (الاعتبار) تمثل المجمل, ورسالة (خواص الحروف) تمثل المفصل, الأولى طريق العقل والتأمل الوجداني, ويتم من خلالها الصعود والتدرج من الموجودات الطبيعية إلى الماورائيات إلى الذات المطلقة. والثانية طريق الوحي الربّاني, يتم من خلالها الخروج من الماورائيات إلى الموجودات الطبيعية). إن أثر ابن مسرّة في الحركة الفلسفية والصوفية التي بدأت تتشكّل ملامحها في الغرب الإسلامي ابتداء من أواخر القرن الرابع للهجرة كبير, ذلك أن مدرسة ابن مسرّة التي انطلقت من المرية بالأندلس, سيبرز ضمن فروعها أكبر أعلام التصوّف الفلسفي. فمن المرية انتشر نوع جديد من التصوّف إلى سائر أنحاء شبه الجزيرة الأندلسية, لاسيما إشبيلية, وقرطبة وغربي البرتغال, ففي المرية ظهر شيخ الصوفية أبو العباس ابن العريف (ت537هـ), ومحمد بن عيسى الألبيري. وفي إشبيلية ظهر الصوفي أبو الحكم بن برجان (ت 536هـ) مؤلف كتاب (محاسن المجالس), وفي قرطبة ظهر أبوبكر المايورقيّ, أحد تلاميذ ابن العريف, وقد كان إمامًا في الحديث والفقه والتصوّف. وفي شلب بغرب الأندلس ثم في المريّة ظهر الشيخ أبو القاسم بن قسي (ت 546هـ), مؤلف كتاب (خلع النعلين), وكان من أبرز تلاميذ, ابن برجان), ومن أبرز ما ميّز هذه المدرسة أن ثقافة أعلامها الروحية والفلسفية (لم تقف عند الغزالي وكتبه - بعد أن اتخذوا منه أستاذًا, ومن تعاليمه دستورًا وطريقًا, لأنه كان أدنى إلى مشربهم في فهمه للدين, وموقفه من التصوّف - بل اتصلت (ثقافتهم) كذلك بذلك الجزء الضخم من التراث الفلسفي اليوناني الذي ترجم في الشرق, ثم نقل إلى الأندلس, ومن ذلك فلسفة أفلاطون وأرسطو والأفلاطونية المحدثة, كما اتصلت هذه الثقافة بمؤلفات فلاسفة الإسلام الشرقيين أمثال الفارابي وابن سينا وإخوان الصفا, وبمؤلفات كبار المتكلمين, لاسيما المعتزلة, ومؤلفات الصوفيين الشرقيين حتى عصر القشيري), وهو ما سيمهّد الإطار لظهور الآثار الصوفية النظرية والفلسفية العرفانية لمحيي الدين بن عربي وابن سبعين (ت669هـ) والششتري (ت668هـ).

من ابن عربي إلى صوفية المشرق

لقد كان لابن عربي من خلال تلك الرحلات والسياحات التي قام بها في شتى أرجاء العالم العربي والإسلامي الأثر البارز في نقل مجمل الآراء والأفكار والآداب الصوفية, وما اتصل بها من فلسفات إشراقية إلى مختلف أنحاء هذا العالم. كما كان لإسهاماته النظرية والأدبية الشعرية المهمة دور كبير في التأثير في حركة الفكر الصوفي والفلسفة, ومسارات الكتابة الشعرية في المشرق العربي والإسلامي. لقد بدأت الآثار النثرية لابن عربي تدرس في أوساط المتحمّسين للتصوّف في مختلف حواضر بلاد المشرق, كما أن أشعاره أصبحت تدرس وتنشد منذ نزوله بالشرق.

إن انتشار فكر ابن عربي وآدابه في الشرق, يرجع أساسًا إلى صدر الدين القونوي (ت672هـ), وهو أحد أعلام الصوفية الذين شرحوا مؤلفات ابن عربي, ولقد ألف عددًا من آثاره لإيضاح عقائد أستاذه.

كما كان صدر الدين القونوي من المقرّبين إلى جلال الدين الرومي (ت672هـ), الذي أطلق كثير من متأخري الصوفيين على ديوانه (مثنوى) اسم (فتوحات الشعر الفارسي), ولعله ينبغي للباحث أن يقتفي عن طريق صدر الدين أثر الحلقة التي تربط بين ابن عربي والرومي, كذلك كان صدر الدين أستاذًا لقطب الدين الشيرازي الذي كتب أشهر الشروح على (حكمة الإشراق) لشهاب الدين السّهروردي (ت587هـ), مستلهمًا في ذلك فكر ابن عربي, كما أنه راسل نصير الدين الطوسي, أستاذ قطب الدين الشيرازي, حول بعض المسائل الميتافيزيقية. كذلك ألف فخر الدين العراقي, أحد عظماء شعراء التصوّف ببلاد فارس كتاب (اللمعات), ويدور هذا التأليف على بيان أفكار ابن عربي, وقد ساعد هذا الأثر أكثر من أي كتاب آخر في إدخال ابن عربي إلى عالم الثقافة الفارسية.

وفي هذا السياق بالذات, لابد أن نبيّن أنه كان لحلول ابن عربي في أرض مصر الأثر البارز في انتشار التصوّف الفلسفي والشعر الرمزي الذي كان ابن الفارض من أبرز أعلامه في تلك الرقعة من بلاد المشرق عند مقدم ابن عربي إليها, وممن تأثر بابن عربي هناك, وسار على نهجه, نذكر إسماعيل بن سودكين (ت 646هـ), الذي وضع مؤلفًا بعنوان: (كتاب التجليات الإلهية), كذلك نلمس تأثير ابن عربي في الشيخ والعالم الشعراني مؤلف (اليواقيت والجواهر) و(لواقح الأنوار القدسية).

ويدخل في عداد تلامذة مدرسة ابن عربي, جميع شرّاحه النابهين, كعبدالرزاق الكاشاني (ت736هـ), وعبدالغني النابلسي (ت1143), ومحمود شبستري, والشاعر عبدالرحمن جامي, الذي كتب شروحًا عدة على آثار ابن عربي وعلى (لمعات) العراقي, عرفت بـ(أشعة اللمعات).

كذلك تجدر الإشارة إلى ما ألفه عبدالكريم الجيلي مستلهمًا في أفكار ابن عربي ككتاب (الإنسان الكامل) الذي يعتبره بعض الدارسين بمنزلة عرض منسق (لفصوص الحكم).

كما أن عبدالرحمن ابن خلدون (ت808هـ) اهتم بفكر ابن عربي, وعلق عليه في الفصل المتخصص للتصوّف الذي عقده بمؤلفه (المقدمة), كذلك اهتم في كتابه (شفاء السائل), الذي ألفه عند إقامته بمصر بمناقشة اراء ابن عربي المتعلقة باعتماد الكشف الصوفي وسيلة للمعرفة, وفي السياق ذاته, برزت جهود العالم والصوفي أحمد زروق عند إقامته بشرق إفريقيا (طرابلس) في وضع تعاليق كثيرة على مؤلفات ابن عربي, ومن نحا منحاه كابن سبعين, والششتري اللذين ارتحلا بدورهما إلى المشرق, واستقرّا به.