المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إنها تُمطِر ثلجاً



عربى افريقى
14-02-2008, 06:32 AM
إنها تُمطِر ثلجاً
كتبها عربى افريقى

مابينَ دِفءَ غُرفتي ورياحُ يناير شيءٌ من تراخِ ٍوثورةٍ
بالأمس.. حشوتُ بعضاً مِن الخُرق الباليةِ علي فراغِ النافذةِ الشماليةِ.. فأكل الفراغُ في جوفِه جوالاً من (الخَيش) وبعضاً من( إسفنج) مرتبتي القديمة
جاءَ شتاءُ يناير أكثرَ ضراوةً هذه السنة ومكثَ طويلاً يحُوم ويُزمجِر بفِناء دارُنا الواسِعة المُمتلِئة بالفراغ إلاّ مِن غرفةٍ يتيمٍة تقِف (مُتكئةٍ) علي (شِعبةٍ) من (الدوم) تُسنِد سقفِه وهي تُمارس هذا الثبات مُنذ أيامَ جِِدي الرابع... وتؤنُس وحشة غُرفتي شجرةَ نيمٍ وحيدة. تتعري كلَ شتاء وتنتصبُ بوسط الحوش كأنها شاهد موتي.
تلك الريح التي تُزمجِر بالخارج لم تكُن تقصُد غُرفتي وحدها بل تجتاحُ كل شيءٍ كالجراد .
تلُفني غُرفتي بحُضنها البارد المهزوم فأدسُ جسدي بوسَط الفراش أبحثُ عن بعضِ ِفُلول الدفءِ الهاربة وقدماي المُتسِختان المُتشقِقتان تعلقُ بهما خيوط الملاءة وكأنهما أقدام تُمساح ٍ يَخافُ الماءَ. و تتشربانُ نِصف زجاجةِ الجلسرين وتظلاّن كجروفِ الأرضِ الشبِقة لا ترتوي أبداً ومختار لم يكن يدري أنْ شِتاءَ هذا العام سوف يُقضِي علي كل زُجاجاتِ الفازلين والجلسرين المرصُوصةِ علي رفّ متجره
تتجاوبُ كل الأشياءِ من حولنِا مع (عِزيْق) الريحِ الباردةِ حتى أن (إبريقَ) الوضُْوء بالخارج تلعبُ الريحُ بجوفِه فيُجاوبها بصفيرٍ مزعج ٍ وتدخُلُ عنوةً عبَر فتحات الباب.
هذا العتيق مُتشقِق الطلاء يخونني في كل مرة.
هذا المتواطيء يُدخِل ماءَ الخريف وغُبار مايو وزمهرِير هذا الشتاء دون إذني . وأنا أُراقب من خِلال فتحاتهِ شجرةَ( النيم) في فناءِ الحوش تتلوي لتُواري سوءتُها. كالعاده جردّها الشتاءُ حياؤها فإنتصْبت عارية لم تعُد بِِكراً ولكنها تُكابر
الريح بالخارج تجُوبُ أزقةِ القريةِ الخاوية الا من أوراقِ الأشجار الميتة وأكياس النايلون وتظل تعزُف علي أسلاك الكُهرباءِ لحناً مُرعباً يأتي سحيقاً قادماً من عالم الموتي. ذلك العْالم الذي إختار(ود البكري) بعد ثمانينَ عاماً ونيف من الإنتظار الممل.
يحْكي ليّ مختار كيف أنْ الشتاءَ سكْن بعِظام (ود البكري) وفعَل فيها مافعَل فتهاوي جسدهُ كجِزعِ نخلةٍ
كلُ ذلك والريحُ مازالت تنفُخ في أزقةِ حارتِنا صقِيعاً لم نعتادُه فاكتفي بعضُهم بدفءِ غُرفِهم علي بِضعِ حسناتٍ تُحصد بقعر المقابر.
ثمانونَ عاماً وثمانونَ شتاءً ومُثلهُن صيفاً و(ود البكري) بعضٌ من عظم ٍوجلدٍ وحِفنةُ ماء.. ثمانونَ خريفاً يهزمهن شتاءٌ واحدٌ ورجلاٌ يمضي وحيداً.
أعودُ حاملاً جريدة الصباح وبالطو الصوف القديم معلقاً على يدى ومُختار كعادتِه يُحاصرُني بأسئلتِه .
- ما الجديدُ بالخارج؟
- أتشتري جريدةً ما لتخُبيء بها هذهِ الزُجاجةَ الخضراء؟
- ألن تشرح لي ما كان يقوله إبن ناظر المدرسه؟
- إنه يتحدث كمذيعى الراديو.
قلتُ ساهماً الخواجات يُصدرون الصَقيعَ إلينا يامختار.ستُمطِر سماؤنا ثلجاً ستفيض أنهارَنا بلاءً ثم تموت عطشاً وستُشوي بلاد الصقيع بشمسنا
مختار يضحك ويجوبُ بعينيهِ بين وجهي والزجاجة الخضراء الداكنة
قلت منفعلاً
يسرُقون خيراتِ أرضُنا نَهاراً جَهاراً ويدفع أمثال( ود البكري) الثمن
أولاد الأيه.
سنستورد مِنهم عُلب الفازلين وبالطُوهات الصوف والزلاجات.
مختار يضَحك ويكُح... أهو مايُعنيه إبن الناظِر بالحبسِ الإضِطراري.؟
قلتُ مغتاظاً.
إنه الإحِتباسُ الحَراريُّ أيُها الجاهِل
أشبه بالذي يحدُث لسقفِ حُجرتنا هذه
شخصٌ ما سيبيعنا المناديل الورقية والقُطن المُلون لنسد بها ثقب الأوزون وتجاويف أنوفنا.
أتعرفُ بلاداً ما ..تُسمي بالاسكيمويا مُختار؟
إنها تَغَرق تذوبُ جبالُها الثلجية كقِطع الآيسكريم
هل تعرف الآيسكريم يامختار؟
فى بلاد الاسكيمو يسكُبون العصِيرعلى الأرضِ فيصبح آيسكريماً.
أتظُن يوماً أن يجِف النيلُ ويوقف ذلك الخَصب السرمديُ؟
أتُصدِق أنْ المطر يَضِل طريق الإستواء الي الصحراءِ الكُبري فيُضاجعُ أرآضيٍ عقيمةٍ لا تُنبتُ زرعاً.
يقتربُ مُختار مني ويشُم أعلي قميصي ويعوُد ليعبث بمؤخِرة الراديو وحجارة البطارية الصدئة (تنز) سائلاً أسوداً وهو يَكاد يحُشر الراديو بِجوف أُذنيه
قال وهو ينظرُ خلسةً الي الزجاجةِ المُغطاة بالورق ...
- هل تعِرف قريةً تسمى (طيبه)
نعم أعرفها
- إنها تُمطِر ثلجاً

محمدسالم
28-02-2008, 03:39 AM
أيها العربي الإفريقي،
أهلا بك في عالم القصة و أمطار الثلج..
مواضيعك مميزة دائما..

ابراهيم الشيخ سيديا
29-02-2008, 10:17 AM
شكرا جزيلا لك أيها العربي الإفريقي :)

و أتمنى عليك أن تترك للقارئ حرية اختيار الميسم الأنسب لوسم الحروف .

عربى افريقى
02-04-2008, 09:04 AM
شكرا لمروركم الكريم يا سادتى
لكم التحيه

الدكتورة ليلى
14-04-2008, 09:14 AM
عربي أفريقي انت كاتب قصصي مبدع
أجدت في الوصف .. .. وكان أيضاَ جميل ماذكرت في النهاية وأنت تخاطب صديقك
أعجبتني جداً هذه القصة ..أتمنى لك التوفيق

عربى افريقى
05-05-2008, 10:56 AM
شكرا يا دكتوره ليلى على كلماتك المشجعه وعلى قرائتك لقصتى
اطمع فى مواصلة بوسترى
ولك تقديرى

مصطفى الكتلوني
07-05-2008, 10:51 PM
شكرا لك يا عربي افريقي على هذا الموضوع الجميل

عربى افريقى
12-05-2008, 11:14 AM
شكرا يا مصطفى على تشريفك لى بالحضور الجميل
دمت بخير

efyfe
12-05-2008, 10:00 PM
العربي الإفريقي العزيز :
أسلوب ساخر أخذتني الذاكرة خلاله في موسم الهجرة الي الشمال وصعيد السودان والطيب صالح
أبدعت...

عربى افريقى
20-05-2008, 08:00 AM
استاذ عفيفى
شكرا لمرورك الكريم
الطيب صالح مره واحده ...هذا كثير جدا
اتمنى ان اصل الى ذلك

abdallahi_e
24-06-2008, 06:23 AM
شيء جميل ورائق فعلا ..
عربي إفريقي سأتذكرك هذا الاسم .


شكرا لك .

عربى افريقى
07-07-2008, 05:58 AM
شكرا يا عبد الله على المرور الكريم
يسعدنى ان تقرا ما اكتب
لك تحياتى