المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عيون ودفاتر ...قصه قصيره



عربى افريقى
19-01-2008, 10:23 AM
عيون ودفاتر ...قصه قصيره

--------------------------------------------------------------------------------

عيون ودفاتر

قصة قصيرة.........بقلم عربى افريقى


رغم تفاهة الاشياء من حولنا (يعلق خالد ضاحكا) يظل سمير هو ذلك المشع الذى يظهر تفاهتها.. ويعترض سمير على ذلك التشبيه المغلف بسوء النية... سمير وخالد كقطبى المغنطيس يتنافسان على محيط واحد .
هذه البناية القديمة ذات الاربعة طوابق تشهد إنسلالنا منها وإليها صباح مساء...
متعبون متعبون..تقذفنا الجامعة إليها مساء وتتحمل هى صخبنا وهمسنا وعبثنا وتردنا إلى الجامعة صباحا. وهى تتنهد من عبئ حملنا لنصف يوم كامل ...داخلية الطلاب ...أمنا التى لا نحس بدفء رحمها.. ولانحمل لها من الحب إلا مقدار ما يجلو تعبنا لنصف يوم فقط تضجع فيه جنوبنا على أسرة قاسية هى أشبه مايكون بالعقاب لمعصية لم نولد حين أرتكابها
شعورا لم أدرى حقيقته بعد يربط بينى وهذه البناية القديمة وذاك السلم المترب المؤدى الى غرفتنا بالطابق الثانى الذى أ عتدت ان أعد عتباته صعودا ونزولا على مدى أربع سنوات الا قليلا .. منذ أن بدأ يشكو وقع خطواتى عليه فى أول أيامى بالجامعة .
.ويصر سمير على أنه نوع من المرض النفسى يجعلك مهووسا بالأشياء من حولك فرغما عنك تجدك تحصى درجات السلم.. ومربعات البلاط ..أو تقرأ لافتات الشارع وأنت على مقعدك بالحافلة .. وتجتهد ان لاتفلت منك يافطة لمحام . أو طبيب قد علقت على ركن منزو من الشارع فلوحت الشمس حروفها وبدت باهتة.. كئيبة وانت مسرورالخاطر لأنك نلت منها ..رغم أنها تطل على إستحياء من تحت أخريات مضيئات (بالنيون والسلك سكرين )
أنا مريض إذا... مسكون بداء الاحساس بذات الأشياء من حولى.... تعجبنى هذه التسمية
ذلك المختبئ فى قرارة نفسى لايسلم من محاولات سمير فى ان يجعله جهرا. وانا ألوذ
بالصمت .وأغمض عيناى... أوحى لنبضات قلبى ..إياك والبوح... فالسر اذا ماجاوز القلب لم يعد كذلك
وسمير يمارس فوضى إجبارى على الأعتراف فأكتم تنفسى.... تماما كما أفعل عند دخولى مبنى الداخلية وأنا اجتاز مسرعا الحمام العام على يمينى وهو يلسع أنفى ومسام جلدى بغاز الميثان ورائحة النشادر ككل المراحيض وهو يتقيأ أحشاءه فأحشر كمى على فمى حتى لا أفعل مثله وأتقيأ أحشائى وكثيرا ما أفلح ....
ثلاثة..... سبعة...... تسعة .......إحدى عشر ....
عدت أمارس ما يسميه سمير وسواسى القهرى وما اسميه داء الاحساس بذات الاشياء وأعد عتبات الدرج كعادتى كل يوم
قابلنى سعيد بمنتصف السلم يحمل ملابسه المتسخه .. هز رأسه وإبتسم ..لم أهتم به وتجاوزته صعودا
..ثمانية عشر....... تسعة عشر..... ..خمسة وعشرون..
هى ذاتها نفس العتبات لم تنقص واحده أعدهن كأنهن حريماتى..
سمير وخالد مختلفان كعادتهما غير أنهما متفقان فى أن أخلع حذائى خارج الغرفة.
هذا المساء نزل الطلاب وباحته يتنفسان ملئ رئتيهما ...ومطر خفيف يرش أدم الارض المرصوفة فيغسل ما علق فيها من تراب ناعم... أما درج السلم فقد أصبح زلقا يتتطلب الحذر.
تلك الغرف المفتوحة تمتلئ مسام جدرانها برائحة الجوارب النتنه والعرق...و تمتلئ نوافذها بالدفاتر والكتب والحقائب ...أوراق مهملة....ورسومات رديئه..... ومواقد كهربائية متعرية الأسلاك...ورائحة الطعام تفوح من أوانى قذره كومت فوق بعضها بجانب أحد الاركان ...وأحذيه مهترئة لا تعرف غير طريق الحمام مسلكا و تحرس الابواب من الخارج ..
وغرفتنا ليست بأحسن حالا.
سطح الداخلية يشهدحضورا كثيفا ايام الحر الشديد وتلقى المراتب المهترئة عليه يسامر أصحابها النجوم ويتنفسون هواء الخرطوم الفاسد...وتقوم الابنية المرتفعة حول داخليتنا ..كالحة وميتة التفاصيل والمعالم ...إحدآهن ذات طوابق عشر.. قيل أنها آيله للسقوط المقاول الملتحى أكل من ورائها طعاما دسما وأصبح له من فضل الظهرثلاثا..ومن النساء ثلاثا ...
وعلى الجانب الاخر تقوم بناية أنيقة كزجاجة عطر ضخمة بطراز عصرى فريد ومضاءة الانوار طوال الليل لها متاريس وابواب حديدية تفتح نادرا ....وحراس آليون من ذوى البشرة المشرقة بثيابهم الأنيقة ويرفرف على ساريتها علم ملكى ذا ألوان وخطوط وتاج عند منتصفه ..هى إحدى سفارات العالم الذى لا تغرب عنه الشمس.... واهل البناية وجلون يرتابون حتى فى طيور الخريف المهاجرة... و ترصد كاميراتهم..عورات النمل الاسود
وهنالك أعلى السطح حيث تبدو زجاجة العطر الضخمة أكثر روعه حيث المراتب المهترئة تنزف قطنها عنها... فيتساقط ثقيلا ملتصقا بالسطح متسخا مع غيره من بقايا أعقاب السجاير ومخلفات التمباك وسوائل حيوية أخرى...
هنالك أعلى السطح حيث تسطيل الأعناق ليلا وتتجلى عدسات العيون المتآكلة تنفض عنها شكل الدفاتر ورائحة الادراج الرطبة
أنظار سكان السطح المتلصصة تموه كاميرات البناية الانيقة حين يتلألأء المكان بلون الفضة وتضاء مساء حول حوض السباحة ويمور ماؤها الصافى ببلورات الماس
...تعبأ الموائد والكراسى الفخيمه وترص كؤوس الزجاج المصقول بقعورها المحدبة تفصلها زجاجات ملونه بلون ما بداخلها من شراب معتق ...
فندرك أن اليوم خمر ونساء..
.وتلك العين المتلصصه باعلى السطح تظل ترقب بعيون شبقه متعبة الأجفان سمار الحفل الأنيق يتحدثون.. ويتهامسون... ويتمايلون... ويشربون
..وكثيرا من الشفاه تدمى حسدا ..ورغبه ثائرة
وأعلى السطح عيون.. وأفواه.. وإحتدام
... وصاحبات الحفل يرتدين الاشئ ... عقود الماس الرقيقة تتوه وسط هضاب بضة وأجساد بنعومة الحرير وهى تهتز نشوة وتنتشى طربا ثم وهى تنز عرقا نظيفا وثيابا لاتتسخ.. فتتهاوى الأجساد سكرى لا تقوى على حمل نفسها ..
.وهناك بالأعلى تتهاوى أجساد متعبه من فرط إحتدام النشوة فيها وهكذا هى تنطفئ سريعا عندهم وتشتعل بأعلى السطح وتمور... وتدور... ولا تجد مخرجا وتظل تحوم.... تحوم ....وتعكر ولكنها لا تعرف درب الخطيئة.
هناك حيث سكان السطح بقايا من شهوه تقتل خلسة.. يسرق نسيم منتصف الليل حديثهم ..بعض آهات تُحكى ..وبعضها يؤول وكثيرمنها لا يصدق ...حكايا عشق طاهر وغرام مترف ...حكايا خداع غير محتشمة تصل إلينا همسا صاخبا
...أحدهم يكشف أوراقه بفجور.. لعله لم يفعل ذلك لكنه يدعى ...
تصل إلينا همسا متقطعا
...رأيتها ....تمنعت ...
أحدهم يصيح ويضرب بقدميه هواء السطح الفاسد
----- أوعدنا يا الله
مبنى الداخلية متسخ طوال العام وأطارات الخشب المتسلخة تشتكى لطوب الارض من قلة إكترات الطلاب ... إنها عالم مصغر ..نحبه ونبغضه...ننفر منه ونشتهيه
عقب العطلة الصيفية عاد محمدزين من البلد مخضب اليدين والقدمين بالحناء تشع عيناه بريقا صافيا ...سيزف الى ابنة عمه الاسبوع المقبل ...ليس مهما ما يحمله من شهادات ما يهم ما يستطيع ان يغطيه من( أقداح مكشوفه)..... مثنى وثلاث ورباع
ويقف سمير متحمسا يدعو الجميع للاحتفال بهذه المناسبة ولكنه يأبى أن يغنى..كهدنا به (حلبيا) مغرورا يستفذه الدم التركى الذى أوشك أن يبهت بعروقه والذى يؤيد روايته بأن والد جده لأبيه جاء الى السودان برتبة( قائم مقام) عظيم بجيش محمد على باشا وهو الذى بصم عليه ذاك اللون الصافى..وجدته لأمه( جعليه )وبنت ملوك تنام بخديها شت شلوخ عراض وهى التى أورثته هذا العناد المقيم
عند السطح راح سعيد يغنى لحنا شايقيا خالصا وخالد يؤازره برقصة الحمامة ويمتعض شيخ يحى طالب الدراسات الدينية مستهجنا التشبه برقص النساء وتحت إصرار الجميع ينشد شيخ يحى بعضا من أشعار الحكامات.
بالأمس أفاق سمير على الكارثة
طالبةالاداب الحلوة يشع من خنصرها لونا ذهبيا براقا ...
أحدهم اشار... إليها عصفورا آخرا يطير..
وسمير الذى تمتلئ حقيبته بروايات الطيب صالح.. والبرتو مورافيا ..ودى ماركيز وأحلام مستغانمى ..أحب كل هؤلاء لأجلها وإحتمل تراهاتهم وأبداعاتهم وهاهى ترحل بدونهم وبدونه.
هذا العالم المحصور بتلك البناية القديمة المتسخة يشهد صراخنا وهمسنا وضحكنا... طلابا طلابا كنا...تلاحقنا الأحداث... إعتصامات ..مظاهرات ..نؤيد وندين ونتناقش ...أسطورة الجنجويد خلقتها منظمات المجتمع العارى...بن لادن متزوج بجنيفر لوبيز...عربا نحن حملناها ونوبه...ود الدكيم اضاع فرصة عمره...يرفض أن يتزوج بكافرة...بينشات الجامعة وستات الشاى. ..وبنات الداخليات...هذا العالم الصغير نحن أبطاله.... وطلابه
.....وضحاياه

أمين
20-01-2008, 06:01 PM
و ذلك العالم الصغير يشهد ميلاد كاتب جميل،

لقد ابهرتني تلك القصة لبساطة الأسلوب و ميزة السرد الممتع،

ليس ذلك مني مجاملة، بل لأنك تستحق علينا أن نشجعك على الاستمرار،

عربى افريقى
21-01-2008, 07:04 AM
اسعدنى كثيرا مرورك يا امين
صدقنى انا احتاج لنقدكم وتعليقاتكم كثيرا واثق تماما فى سعت افقكم وانكم لا تجاملون..... لهذا انا هنا
شكرا يا امين على كلماتك الطيبه
يا اصدقائى ....
ارجو ان لاتقرأوا القصه فقط ....فأنا فعلا احتاج لكتابة آرآؤكم وتعليقاتكم