المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جناح الغفران



QfarisQ
22-12-2007, 02:58 PM
الزوم الصفر: من نافذة صغيرة أعلى الجدار تتسرب أشعة الشمس مخترقة القضبان الحديدية، يتمركز ضياؤها وسط الغرفة تتراءى الأجساد المكدسة كأنها مجرد ظلال أوامتداد لقبح الجدران التي امتصت كل الالوان من حولها وكشفت عما يسكنها من حجارة وحديد واسفلت.

اللقطة الصفر : اجساد آدمية في اوضاع مختلفة يصعب التمييز بينها، في تشابكها واختلاطها أضحت كتلة برؤوس متعددة ووجوه فقدت كل تعبيراتها. انها الان مجرد أجساد ينخرها الهزال وتمتص بقايا الدماء منها جيوش القمل والبراغيث والناموس. وحدها العيون الشاخصة في السقف باحثة عن اللاشيء تمنحك احساسا ضعيفا ان الحياة لا زالت تدب في هذا المكان الموحش.

بانوراما: على حافة مستنقع نتن تنبت بناية مهترئة نسي الاستعمار الاسباني ان يأخذها معه الى متحف جرائمه التي لطخت يديه او لعله تركها عن قصد لمن سيخلفه على عرش احتلال هذه الصحراء التي طالما أغرت كل الجبابرة والطغاة. خلف الاسوار الموشومة بتاريخ الخزي والعار يقبع رجال ونساء حفرت على اجساهم واجسادهن نقوش عاهدت الدهر الا تزول.

مشهد جانبي: في تلك الغرفة من الجناح الذي يحمل ضدا على واقعه اسم "الغفران"، جلس صاحبنا يروي لرفاقه قصة الشيخ والمرآة في محاولة منه لاجتياز عبر سفينة الحكي بحر الحرمان الذي يتخبط وسط امواجه هؤلاء الرفاق الذين أحس في شخوصهم الى السقف رغبة في اقتلاعه للنفاذ الى زرقة سماء لم تعد لديهم ادنى فكرة عن شكلها.

قال صاحبنا والعهدة على الراوي : يحكى أن شيخا وقورا كان يعيش رفقة عائلة في مكان ما بالصحراء .. قاطعه الرفاق: "الغربية؟". رد صاحبنا مبتسما "طبعا الغربية" وفرك يديه ايذانا بالغوص في خبايا الحكاية التي انقذت شهرزاد من الموت. بدت له هذه الخلاصة مشجعة على الاسترسال فقال وهو يحمل صوته كل معاني الجد لشد انتباه رفاقه: "نعم ايها الرفاق كان شيخنا يعيش في مكان ما بالصحراء الغربية في خيمة من شعر الماعز يقتات واسرته من لحومها والبانها ويرعى وولده ابله التي كان يتداوى من ابوالها".

قاطعه الحارس الذي كان يسترق اليهم السمع مستفهما: "بول الابل يداوي ؟ هراء" .. تعالت اصوات الرفاق محتجة على الحارس الذي برز وجهه الحانق من الجهة الاخرى للقضبان رد عليه صاحبنا بهدوء: "بول الابل دواء، ولمعلوماتك فقد ذكره الرسول (ص) في حديث له فهل تنكر ذلك؟". تسمر الحارس في مكانه وقد حز في نفسه جهله بهذا الامر وقال في نفسه بحسرة كبيرة "آه ولو تابعت دراستي لما كنت اليوم "كارديان هذا الحبس لكحل " ..تف عليك يا الدنيا شي عطاتوا وشي زواتوا"، ثم وهو يتابع سيره في الممر الضيق بين جناحي الغفران والتوبة قال بصوت أعلى : "ايه هما قراوا ولادهم ففرانسا وحنا دفعونا لمدارس العربية وملي خرجات فرانسا كالوا لما قاري لفرانساوية أمي ..".

عاد صاحبنا الى حكايته واستطرد قائلا: "والمهم ايها الرفاق ان شيخنا كان سعيدا بحياته البسيطة ولم يكدرها عليه سوى هذا الالحاح من ابنه على الذهاب الى المدينة... قاطعه الرفاق: "العيون؟".. استوقفهم صاحبنا بابتسامته المعهودة "فليكن العيون المحتلة"، وتابع دون ان يفسح لهم مجالا لقول المزيد: "كان الشيخ يراوغ ابنه ويماطل ما استطاع الى ذلك سبيلا، لكن الحاح الابن افسد عليه كل ذلك فما كان منه الا ان رضخ لالحاحه المشفوع باستعطاف جميل. فسافر الابن وطال غيابه واشتد حزن الشيخ على فراقه وندم على مطاوعته وباءت كل محاولات اسرته التخفيف عنه مما الزمه الفراش، حتى كان ذلك المساء حيث أحاط به افراد اسرته وقد دب في قلوبهم اليأس من شفائه واعتقدوا ان ساعته قد حانت فاذا بالغائب يطل عليهم بوجه مرح جعل الشيخ يتململ في فراشه رغم وهنه.. وبعد عناق طويل قال الابن للشيخ لقد جلبت لكم معي اشياء كثيرة.. ثياب وسكر وشاي وعطور ووو...ومرآة .. قال الشيخ: مرآة ؟ نعم اجاب الابن وقربها من وجه الشيخ الذي رأى فيها وجهه الشاحب ولحيته الطويلة فأخذها بين راحتيه وادارها نحو ابنه وقال له: انظر الى وجهك هل انت من فارقنا قبل اشهر؟ نظر الابن الى المرآة ثم الى ابيه وقال مستغربا : ماذا تعني ياأبتي ؟ فاجابه الشيخ وقد أشاح عنه بوجهه: لقد أخذوا منك ماء وجهك فارجع الى المدينة واسترده قبل ان يطالونا جميعا.
المصطفى عبد الدائم