المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صورة الوطن (قصة قصيرة)



QfarisQ
22-12-2007, 02:50 PM
كان بيته مقصد الجميع صحراويين ومغاربة وأجانب، وطبعا لم تكن الأطباق الصحراوية الشهية التي يحرص على تقديمها لزواره هي السبب فقط على إقبالهم على بيته، وان كانت تلك الأطباق الصحراوية الناضجة على نار هادئة والخالية من التوابل وما يسبقها ويتبعها من جلسات الشاي الصحراوي الذي تمتزج فيه الحلاوة ب"مرورة" لذيذة تنبه العقول وتعطي للسمر طعما خاصا، شكلت دوما احد الأسباب في خلق كل الاعذار حتى الواهية منها لزيارته . لكن ما يحتويه بيته من أثاث صحراوي عتيق وتوزيعه في كل ركن من أركانه بعناية ودقة فائقين وترتيبه حسب المتعارف عليه في الخيام الصحراوية وبيوتاتهم فيما بعد، كان أهم أسباب إقبال الزوار على بيته وخاصة الأجانب منهم الذين اعتبروه اقرب إلى متحف منه إلى بيت عادي بل كان نية بعضهم اقتناء ما يحتويه من أثاث وأواني ضاربة في القدم .
ورغم أنهم عرضوا على صاحب البيت مبالغ مغرية إلا انه كان يمتنع بلباقة متناهية ويرد عليهم اغراءاتهم بقوله: (لا يمكن ان ابيع تاريخي) . وللحقيقة فبيت الرجل كان يضم كل شيء الأثاث العتيق والأواني القديمة وحتى الجدران حرص على تزيينها بلوحات زيتية لمناظر صحراوية طبيعية وشخوص صحراوية ولم تخل حتى من صور فتوغرافية لشهداء وقادة تاريخيين وحرص على وضع العلم الوطني في مكان بارز بأحد جدران فناء المنزل . كان بيته مفخرته الشخصية التي لا يجد حرجا في التباهي به أمام القريب والبعيد، وينكر على الغير تبذيرهم أموالهم في أثاث وأواني ولوحات "باردة" خالية من "الحياة"، تسلب من الإنسان معنى وجوده. بل كان يذهب في انتقاد البيوت التي فقدت طابعها الصحراوي حتى اعتبارها "سجنا مغربيا" !
ولم يقف الأمر عند هدا الحد بل ذهب به تباهيه بهذا البيت الصحراوي أن أطلق عليه لقب (صورة الوطن) ، وهو ما تناقلته الألسن بسرعة البرق، واضحي كل زائر جديد يطلب من أهل (البلدة) ان يذهبوا به الي البيت (صورة الوطن) .
وقيل والله اعلم أن المراسلات البريدية كانت تحمل عنوان (صورة الوطن) . ولشدة اشتهار بيته (صورة الوطن) وما تناقله عنه زواره خصوصا الأجانب منهم فقد حل ببيته اصناف من الصحفيين نشروا صور هذا البيت في جرائدهم وبثته تلفزيوناتهم واجروا معه أحاديث مطولة قدم فيها ما يزخر به بيته من تاريخ عريق ما جعل الرجل يزداد فخرا واعتزازا ببيته وحرصه على إبقائه قبلة للزوار حتى زارته ذات ليلة اشتدت عواصفها واصطبغت سماؤها بالأحمر القاني عجوز متكئة على عصى غليظة وبعد ان أحسن ضيافتها كالمعتاد مع ضيوفه طلبت منه بصوت لم يدر لم أحس فيه نبرة حزن عميق ان يطلعها على الصور الفتوغرافية التي يعلقها على جدران بيته لعجزها عن الوقوف وضعف بصرها .
فلبى طلبها وأمدها بالصور واحدة واحدة مع ذكر أصحابها ولم يكد يرى الدموع تنزل من عيني العجوز حتى سقطت إحداها على الإطار الزجاجي للصورة فسألها بلطف : أتبكي يا أماه ؟ نظرت إليه من وراء الغشاء البلوري وأجابت بثقة وهدوء: ( هؤلاء هم صورة الوطن .. هؤلاء الذين تخلوا عن الأثاث المريح وأواني الأكل الشهي والمشاهد الطبيعية الخلابة وقدموا أرواحهم فداء للوطن .. إنهم صورة الوطن الحقيقية ... ) وقبل أن يسعفه لسانه بالرد استجمعت العجوز ما بقي منها من قوة وغادرت البيت وسط اشتداد العواصف الرملية .. ويحكى أنها كانت آخر ليلة استقبل فيها صاحبنا زواره أكانوا صحراويين او مغاربة او أجانب، بل قال البعض انه غادر لوجهة مجهولة ولم يحمل معه غير صور الشهداء وبندقية عتيقة .
بقلم: المصطفى عبدالدائم