المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مختارات من الشعر الإفريقي في ج.الصحراء



عبد الله اسلم
12-09-2007, 01:00 PM
شربل داغر ***
تصدر هذه المختارات الجديدة، "الشعر الإفريقي في جنوب الصحراء"، عن "دار أكت سود" الفرنسية، وعن منشورات الأو نيسكوفي آن ضمن مسعى معروف عند الجهتين: فالدار هي التي تعنى بنشر وترجمة أعمال أدبية غير أو ربية، ومنها العربية، وهي التي اشترت أيضا سائر العناوين التي أصدرتها "دار سندباد"، المتخصصة في التعريف بالثقافة العربية والإسلامية، بعد وفاة صاحبها ومؤسسها ومديرها، بيار برنار.

ضمن هذا المسعى تصدر المنظمة سلسلة جديدة بعد سلسلتها الأدبية الشهيرة، "آداب الشعوب"، وتختص بالتعريف بالشعر. ولقد اختارت للمختارات الجديدة تقسيما جديدا غير التقسيم الكولونيالي (المعتمد في عمليات "فرز" الشعوب والثقافات إلى "مجموعات")، أي غير التقسيمات السابقة: الشعر الإفريقي المكتوب بالفرنسية، أو بالإنجليزية، أو بالبرتغالية أو بالإسبانية وغيرها. تعتمد تقسيما جديدا، وهو قسمة إفريقيا تبعا للصحراء، بين جنوبها وشمالها. وهي قسمة ثقافية في المقام الأول، تستند- بالإضافة إلى الجغرافيا - إلى حسابات ضمنية، فتميز بين مصر والسودان والمغرب -العربي الكبير من جهة، أي الكاتبة بالعربية، وغيرها من البلدان واللغات، من جهة ثانية. ضمت المختارات بالتالي قصائد مترجمة من لغاتها الأصلية إلى الفرنسية من البلدان التالية: كينيا، نيجيريا، ساحل العاج، غانا، الجابون، الكاميرون، مالي، إفريقيا الوسطى، موزامبيق , أنجولا، بوركينا فاسو، زائير، تشاد، جنوب إفريقيا، سيراليون، مالاوي، غينيا، جامبيا، توجو، إثيوبيا، الصومال، موريتانيا ، السنغال، جيبوتي، الرأس الأخضر، تنزانيا، النيجر، زيمبابوي، غينيا الاستوائية، بنين، رواندا، بوروندي، ناميبيا، الكونغو، زامبيا، أو غندا، وغينيا بيساو. وعادت القصائد إلى الشعراء: عبداللطيف عبدالله، شينوا أشيبا، جان - ماري أديافي، كريستينا آما آتا آيدو، بيار آكند ينغويه، أو زرالدوألكنتارا، فرنندوديلمايدا، دان آناس، جاريد انغيرا، كوفي آنيدوفو، كوفي نيديفوآوونور، أمأدوهمباتيه بآ، بيار ماكومبوبمبوته، هيليودوروباتيستا، أرليندوبرباتوس، خورخي بربوزو، جاك - بروسبير بازييه، فرنسيس بيبيه، أنطوان - روجيه بولمبا، تانيلا بوني، دانييل بوردانيه، كويزي برو، بريتين برايتنباخ، وغيرهم مما يزيد عددهم على 167 شاعرا.

لن نطيل التوقف حول هذا الخيار في التقسيم، مدركين أن كل التقسيمات مجحفة لهذه أو تلك من الثقافات أو الجماعات أو المجموعات في إفريقيا. هذا ما واجهه واضعوالمختارات دوما، منذ محاولة سنجور الأولى (التي قدم لها جان - بول سارتر) في العام 1948، والتي سماها "مختارات الشعر الزنجي والملجاشي". فهذه السمة التعيينية الأخيرة، أي "الملجاشية"، سقطت لاحقا من الحسابات، فما وجدناها في أي من المختارات التالية. هذا ما أصاب بدوره السمة الأخرى، أي "الزنجية"، حيث إن بعض واضعي المختارات احتفظوا بها ولكن بعد أن زادوا عليها السمة الأخرى، "الإفريقية"، فصارت "الشعر الزنجي - الإفريقي". كما أن بعضهم الآخر أسقطها مفضلا الكلام عن "الشعر الأسود". إلى هذا فإننا نعرف أن بعض واضعي المختارات قصروا الشعر المقصود بالتعريف والتقديم والترجمة على إفريقيا "الحالية" إذا جاز القول، في دولها المعروفة، فيما سعى غيرهم إلى الكلام عن الشعر الإفريقي في "الشتات" أيضا، أي عن شعراء يتحدرون من أصول إفريقية، أو منادين بهذه الأصول ضمن دعوة "الزنوجة" المعروفة، مما يعني أن "إفريقيا" (وكانت تعني فيما مضى في الكتابات العربية.. تونس الحالية وحسب) مشكلة خلافية في التعيين والفرز: فكم من واضع مختارات ضم شعراء مثل إدوار مونيك، (جزيرة موريس)، وإيميه سيزير (جزيرة "الأنتيل" الفرنسية)، ورينيه ديبسر (هاييتي) مع شعراء أفارقة الأصل والإقامة.

لهذا نقول إن واضعي المختارات الإفريقية انقسموا عموما إلى ثلاث فئات:

- فئة اعتمدت التقسيم اللغوي، فأقامت مختاراتها على أساس الشعر المكتوب بالفرنسية أو الإنجليزية أو البرتغالية أو غيرها.

- وفئة اعتمدت التقسيم الجغرافي في الفرز، فقسمت إفريقيا على أساس الصحراء، أو الشمال والجنوب.

- وفئة ثالثة وأخيرة اعتمدت، مع أحد التقسيميين المذكورين، تقسيما ثالثا، وهو إلحاق شعراء من أصول إفريقية، ولوبعيدة، بهم.

نكتفي بهذا القدر من الكلام عن المختارات، مدركين سلفا أن أي عملية تقسيم لن تشكومن صعوبات، ولا من نقد الناقدين. وما يعنينا في المقام الأول في عجالتنا هذه، هو التعريف بالمختارات الجديدة. وما يشد انتباهنا في أمرها هو أنها، بخلاف العديد من المختارات قبلها، اعتمدت اختيار قصائد من غير لغة إفريقية أو من غير لغة معتمدة فيها. فواضعها، الكاتب الفرنسي برنار مانييه، لم يكتف باختيار أشعار مكتوبة بالفرنسية، أو بالإنجليزية، أو بالبرتغالية، أو الإسبانية، أي من اللغات الاستعمارية المستمرة في بلدان إفريقيا، وإنما عمد إلى تقديم أشعار مكتوبة في لغات إفريقيا المحلية، مثل لغات: السواحيلي، والهو سا، واليوروبا، والولوف، وغيرها. ولهذا نقول إن وضع هذه المختارات لافت، حيث إن واضعها واحد، فيما ترجمها العديدون. فما هي السياسة التي اعتمدها الكاتب مانييه في ترتيب واختيار الشعراء ؟

اختار مانييه لمختاراته فترة زمنية تقيد بها، وهي السنوات 1945 - 1995، مما يجعلنا نتعرف، لا القصائد البارزة والتأسيسية في بعض الأحوال في هذا الشعر، بل نتاج بعض الشعراء الأخير، وهو ما يعطي هذه المختارات طابعا تاريخيا مفتوحا طالما تجنبته مثل هذه الأعمال عادة: فواضع المختارات يتهرب عادة من اختيار قصائد "طازجة"، صادرة للتو، خشية سقوطها أو فقدان قيمتها مع الوقت.

اخترنا تعريف قارئ "العربي". والعربية عموما، بعض الشعر الماثل في المختارات، فعمدنا إلى ترجمة بعضه، وهي قصائد للشعراء: بيراغوديوب (1906 - 1989 ) من السنغال، كيتا فوديبا (1921 - 1969 ) من غينيا، تشيكايا أو تامسي (1931 - 1988 ) من مواليد مبيلي، ومكسيم نديبيكا (1944 ) من مواليد برازافيل، في الكونغو.

بيراغوديوب، من مواليد 1906 في السنغال: عضونشيط وبارز في مجلة "الطالب الأسود" التي أسسها سنجور في باريس في الثلاثينيات، وأدت دورا لافتا في نهضة إفريقيا الأدبية. اشتهر بحكاياته الإفريقية التي كان ينقلها عن ألسنة الرواة في بلده، ثم يكتبها بالفرنسية، وقد نشرها في ثلاثة مجلدات. من أعماله الشعرية: "أفخاخ وأضواء"، التي اختارت منها المختارات هذه القصيدة، وهي بعنوان: "أنفاس":

" استمع أكثر
إلى الأشياء منها إلى الكائنات
يمكننا سماع صوت النار
استمع إلى صوت الماء
استمع في الريح
إلى الدغل دامعا:
إنه نفس الأسلاف.
الذين ماتوا لم يرحلوا أبدا:
هم في العتمة التي تضيء
وفي العتمة التي تتضخم.
الموتى ليسوا تحت الأرض:
هم في الشجرة التي ترتجف
هم في الغابة التي تتأو ه
هم في الماء الذي ينام
هم في الكوخ، هم في الحشود:
الموتى ليسوا موتى
استمع أكثر
إلى الأشياء منها إلى الكائنات
يمكننا سماع صوت النار
استمع لصوت الماء
استمع في الريح
إلى الدغل دامعا:
إنه نفس الأسلاف الموتى،
الذين لم يرحلوا أبدا
الذين ليسوا تحت الأرض
الذين ليسوا موتى.
الذين ماتوا لم يرحلوا أبدا:
هم في ثدي المرأة،
هم في الطفل الذي يستهل
وفي الجذوة التي تحترق
الموتى ليسوا تحت الأرض:
هم في النار التي تنطفئ
هم في الأعشاب التي تبكي،
هم في الصخرة التي تنوح،
هم في الغابة، هم في الإقامة،
الموتى ليسوا موتى.
استمع أكثر
إلى الأشياء منها إلى الكائنات،
يمكننا سماع صوت النار
استمع إلى صوت الماء.
استمع في الريح
إلى الدغل دامعا:
إنه نفس الأسلاف.
إنه يعيد كل يوم قول الميثاق،
الميثاق الكبير الذي يوثق،
الذي يوثق مصيرنا بالقانون،
بأفعال الأنفاس القوية
مصير موتانا الذين ليسوا موتى،
الميثاق الثقيل الذي يوثقنا بالحياة.
القانون الثقيل الذي يوثقنا بأفعال
الأنفاس التي تتلاشى
في سرير النهر وعلى ضفافه،
الأنفاس التي تتأو ه
في الصخرة التي تتأو ه وفي الأعشاب التي تبكي
أنفاس باقية
في العتمة التي تضيء والتي تتضخم
في الشجرة التي ترتجف، في الغابة التي تتأو ه
وفي الماء الذي يجري، وفي الماء الذي ينام،
أنفاس أقوى أخذت
نفس الموتى الذين ليسوا موتى،
الموتى الذين لم يرحلوا،
الموتى الذين ليسوا تحت الأرض.
استمع أكثر
إلى الأشياء منها إلى الكائنات،
يمكننا سماع صوت النار
استمع إلى صوت الماء.
استمع في الريح
إلى الدغل دامعا:
إنه نفس الأسلاف".

***
كيتا فوديبا، من مواليد 1921 في غينيا: معروف خصوصا بتصاميم الرقص الإفريقي التي ابتكرها في نطاق "الباليه"، والتي عرضها في غير بلد من العالم. نشر في العام1958 ديوانا بعنوان "قصائد إفريقية"، يستجمع فيه أطراف الشعر والنثر، موسيقى الآلة الإفريقية والأغنيات، المونولوجات والجوق، وهي من مميزات الأدب الشفوي الإفريقي. توفي في العام 1969. اختارت له المختارات هذه القصيدة، وهي بعنوان: " فجر إفريقي".

"كان هذا عند الفجر: الضيعة الصغيرة تستيقظ رويدا رويدا بعد أن رقصت طوال الليل على أصوات الطام - الطام. الرعاة يقودون قطعانهم إلى الوادي وهم ينفخون في شباباتهم. الصبايا، بقدورهن الفخارية، يهربن واحدة تلوالأخرى باتجاه ممر النبع المتعرج، وفي باحة مقام الوالي الصالح تنشد مجموعة من الأطفال آيات قرآنية.

كان هذا عند الفجر. معركة النهار والليل. إلا أن الليل خارت قواه وانطفأ ببطء. أشعة شمس قليلة مثل إشارات مبكرة تتجرجر خجولة وصفراء عند الأفق. أشعتها الأخيرة تنزلق بنعومة بين أكوام الغيوم مثل أزهار العندم الهندي.

كان هذا عند الفجر. وهناك في البعيد، في عمق السهل الشاسع ذي الحدود القرمزية، شبح إنسان منحن يستصلح أرضا: شبح نامان، المزارع. إثر كل ضربة من مجرفته، تطير العصافير المذعورة وتلتحق بخفق الجناح بضفاف "دجوليبا" الهانئة. بنطاله القطني الرمادي، يضرب العشب المبلل بالندى. لا يبالي بالتعب، يستعمل أدواته بمهارة: إذ كان عليه أن يطمر حبوبه قبل هطول الأمطار الأولى".

مكسيم نديبيكا من مواليد العام 1944، في برازافيل بالكونغو. له مسرحيتان: "الرئيس"، و"الغد المغني"، ومجموعات شعرية عدة، منها:" شموس جديدة" (1969)، "الحميض والليمون" (1975)، "علامات الصمت" (1978 ). اختارت المختارات هذه القصيدة من ديوانه الأخير، وهي بعنوان: "980000".

"سنة أخرى
تحترق تحت شمس البيض الفارغ
سنة مفرغة
سنة غير موشومة
بأية لطخة زمنية
سنة ليست بسنة
سنة مهملة
كانت تعرج بالأمس
واليوم تميل إلى القصر
سنة أخيرة
مغيرة بحجم ذرة
استولت عليها الأشباح وقضمتها
قصرت الأيام
ويكاد القمر أن يخترق الليل.
هل سنجرؤ على سؤال الشمس
عن قصر طريقها غير المعتاد
إذا كانت ممرات الليل مقفرة
هل سنقوى على طرح الأسئلة
لماذا أثداء النساء مجدبة
لماذا جفت الأنهار
لماذا ترشح إهراءات الأرض
لماذا تفرغ خزانات السماء
لماذا تنقص الحياة
لماذا تنقص الحياة هناك
وتزداد هناك
هل تغذي الجهة هذه الجهة الأخرى
من يقوى من يقوى من يقوى ؟
نحن نقوى على ذلك
نحن ال 980000
ال 980000 مجوع
ومكسور
ومخبول ".
***

تشيكايا أو تامسي (1931 - 1988 )، من مواليد مبيلي في الكونغو، والده، فيليكس تشيكايا (1902 - 1959 )، زعيم كونغولي مرموق: أول نائب عن الكونغوفي الجمعية الوطنية التأسيسية بفرنسا في العام 1954، ثم مرة ثانية في العام 1956، كما جرى انتخابه نائبا في الجمعية الوطنية الفرنسية، وهو مؤسس "الحزب التقدمي الكونغولي".

أما ابنه الشاعر فأقام في فرنسا منذ العام 1946، وما لبث أن عاد إلى بلده، ورأس تحرير جريدة "الكونغو"، واقفا إلى جانب الزعيم الكونغولي الراحل باتريس لومومبا في نضاله التحرري. عاد إلى باريس مرة ثانية وأقام فيها بصورة مستمرة، عاملا في منظمة اليونسكو، حتى وفاته في العام 1988. كرمه بعد وفاته "موسم أصيلة الثقافي" في المغرب (ومنه "المنتدى الثقافي العربي - الإفريقي") بأن خصص جائزة شعرية للشعر الإفريقي تحمل اسمه مرة كل سنتين. صدرت له، بالإضافة إلى الروايات والمسرحيات، عدة دواوين شعرية: "الدم الفاسد" (1955 )، "نار الأدغال" (1957 )، "خداعا للقلب" (1960 )، "موجز: مداخل فهرست العشق" (1962 )،"البطن، متبوعا بـ: الخبز والرماد" (1964 )، "القوس الموسيقي" (1970 )، و"السترة المنزلية متبوعا بـ: فقرات السهر" (1977 ). اختارت له المختارات قصيدتين: "ضفيرة للنسج " من ديوان "نار الأدغال"، و"احتضار" من ديوان "خداعا للقلب":

القصيدة: "ضفيرة للنسج":

"بعد أن أفشى سر الشمس
رغب في كتابة قصيدة حياته
لماذا البلوريات في دمه
لماذا الكريات في ضحكاته
كانت روحه يانعة
حين صرخ أحدهم في وجهه
أيها العبدالأسود
احتفظ بضحكته العذبة
وبشجرة ضخمة من تمزقه العنيف
الذي هو وطنه
يسكن فيه مثل المتوحش
خلف المتوحشين أمام المتوحشين
نهره كان القصعة المأمونة
لأنها كانت من برونز
لأنها كانت لحمه الحي
عندها قال لنفسه
لا حياتي ليست قصيدة
ها هي الشجرة ها هي المياه ها هي الأحجار
ثم قراءة الأيام القادمة".
القصيدة "احتضار":
"اسمي أفضل مفتاح للأحلام
كل عصفور يغني
في بركة من الدم
كان البحر بجانبنا يرقص
بالجينز.
جداف أسود
عارف بالنجوم
يقول إنه قادر على شفاء البرص من البرص
بوحل عيونه الحزينة
إذا حرر حب قوي ذراعيه
اسمي مفتاح الأحلام
لست برصاء
اعطني هذا النهر قبل أن أتفوه باسمي
وتنحل ذراعاك
عندي مجداف مغن
أين هو النهر للعبور
أهي بركة الدم هذه
اتبعني
أغمض عينيك
افتكر بالقمر
تأمل نهري
لنعبر
أنشد الرجل والعصفور
قضيا ثلاثة نهارات وثلاث ليال
في عبور
السرير الملوث لأحد الأنهار
اسمعوا
الموج يهدهد الجداف
إنه ينام
إنه يحلم
ركام من الجثث يبسط وليمة
يتم فيها أكل الأحشاء ليلا
ثم السواعد ثم ذاكرته.

كاتب و شاعر و باحث لبناني من أبرز كتاب مجلة العربي الكويتية

أبوبكر ول كريم
12-09-2007, 01:44 PM
شكرا لك أخي عبد الله على هذه الإلتفاتة النبيلة إلي أدبنا الإفريقي ،فهو أدب رائع وثري ،والمتحدث عن الشعر الإفريقي لايمكن أن يغفل قامة كقامة اليوبولد سيدار سينغور (1906-2001)وقدصادفت السنة الماضية(2006)الذكرى المأوية الأولى لميلاد ه0
ولد ليوبولد سدار سينغور يوم 9 من اكتوبر سنة 1906 لأب حديث عهد بالمسيحية، ينتمي إلى أقلية "سرير" التي تقطن في السنغال ، في قرية يطلق عليها "جول" على بعد مائة كيلو متر تقريباً جنوب "داكار"، كانت في يوم الأيام مرفأ للتجار البرتغاليين، وفي سن السابعة من العمر تم إرساله إلى البعثة الكاثلوكية في مدينة "جالور" لتلقينه التعاليم المسيحية، وتعليمه اللغات الفرنسية واللاتينية واليونانية، وستتداوله بعد ذلك مدارس الكنائس والأديرة والبعثات التبشيرية في رحلة طالت خمس عشرة سنة ستتكلل بنجاح مؤزر في شهادة الباكلوريا ومنحة تقديرية إلى فرنسا.
وهو صانع استقلال السنيغال الماهر وقد أصبح رئيسها الأول.

تغوص أصول شعره في المناظر الطبيعية وأنغام وأساطير طفولته الإفريقية التي يعيد سحرها بغنائيةٍ تَخْلِق وحدة العالم ثانيةً. كما يحتفظ هذا الشعر الإفريقي العميق بسِمة الإنسانية الغربية، التي اكتشفها شاعرنا خلال دراساته العليا في باريس.

من مؤلفاته:

ـ أناشيد الظلام 1945).

ـ القرابين السود 1948).

ـ أغانٍ لِناييت 1949).

ـ إثيوبيات 1956)

ـ ليليَّات 1961).

ـ رثاء الصابيات 1969).

ـ رسائل شتوية 1973).

من شعره:

حديقة فرنسا

حديقة هادئة،

حديقة وقورة،

حديقة عيناها مسدلتان مساءً

للَّيل،

الآلام والشائعات

كل كروب المدينة المدوِّية

تصل إليَّ، منزلقة على السطوح الملساء،

تصل إلى نافذتي

المائلة، تخفِّف من حدتها أوراق رقيقة وناعمة ومتأمِّلة.



أياد بيضاء،

إيماءات رهيفة،

إيماءات مسكِّنة.

لكن نداء التام ـ تام

الواثب

عبر الجبال

و

المحيطات،

من الذي سيهدِّئ، قلبي،

عند نداء التام ـ تام،

الواثب،

العنيف،

المُضَايِق؟



أشعار غير مطبوعة.

امرأة سوداء

يا امرأة عارية، يا امرأة سوداء

ترتدين لونكِ الذي هو الحياة، وشكلك الذي هو الجمال؟

لقد كبرتُ في ظلك؛ وكانت نعومة يديك تعصب

عينيّ.



وها أنا في "قلب الصيف" في "الظهيرة"، اكتشفِك أيتها الأرض

الموعودة، من أعلى ممرٍ جبلي متكلِّس

ويصعق جمالكِ صميم فؤادي، مثل وميض عُقَاب.



يا امرأة عارية، يا امرأة غامضة

ياثمرة ناضجة ذات لحم ركين، نشوة النبيذ الأسود القاتمة، الثغر

الذي يجعل ثغري غنائياً

سافانا آفاقها صافية، ترتعش

لمداعبات "رياح الشرق" المتيَّمة.

تام ـ تام منقوش، تام ـ تام ممدود يزمجر

تحت أصابع "المنتصر"

صوتكِ الرَّنانْ الخفيض هو أغنية "المحبوبة" المرهفة.



يا امرأة عارية، يا امرأة غامضة

الزيت الذي لا يغضِّنه أي هبوب، الزيت الهادئ على خاصرتيّ الرياضي،

على جنبيّ أمراء "مالي".

غزالة ذات القيود السماوية، واللآلئ نجوم على ليل بشرتك.

لَذَّات الألعاب الفكرية، بريق الذهب الأحمر على بشرتكِ

التي تتموج

في ظل شَعْرِك، يستضيء جَزَعي على ضوء شموس عينيكِ القادمة.



يا امرأة عارية، يا امرأة سوداء

أغنِّي جمالك الزائل، الشكل الذي أثبِّته في "الخالد"،

قبل أن يحولك "القدر" الغيور إلى رمادٍ لتغذية

جذور الحياة

من أناشيد الظلام ـ

ليلــــة إفريقـــــية

هاهو القمر المتعب يميل نحو المجرى البحري الهادئ.

هاهي القهقهات تهدأ والرواة أنفسهم

يحرِّكون رؤوسهم برفقٍ كالطفل على ظهر أمه.

هاهي أ قدام الراقصين تثقل، وتثقل ألسنة الجوقات

المتناوبة.



إنها ساعة النجوم واللَّيل الذي يحلم

ويتَّكئ على تلة الغيوم هذه، المختالة بمئزرها الحليبي الطويل

وتشع أسطح الأكواخ برقة. ماذا تقول، سراً، للنجوم؟

في الداخل، تنطفئ نار الموقد في أُلْفَةِ الروائح الحِرِّيفة والعذبة



- من أناشيد الظلام ـ

صلاة الطفل الزنجي الصغير



إلهي، إني تعبٌ جداً،

وُلِدْتُ تعباً،

ومَشيتُ كثيراً منذ صياح الديك،

والتلّ الصغير(1) الذي يقود إلى مدرستهم عالٍ جداً،

إلهي، أرجوك، لا تدعني أذهب إليها أبداً!..

أريد أن أتبع والدي في مجاري السيول النديَّة

فيما لا يزال الليل يخفق في غموض الغابات

حيث تنزلق الأرواح التي يأتي الفجر ليطردها.

أريد السير وقدماي عاريتان في الممرَّات الحمراء الضيِّقة

التي تحرقها لُهُب الظهيرة.

أريد النوم وقت قيلولتي عند أقدام أشجار المانجو الثقيلة؛

أريد أن أستيقظ

عندما تَجْأَر هناك صفارة البِيِض

والمعمل

على مدى من القصب

كمركب مربوط إلى المرساة،

يتقيَّأ في الحقول طاقمه الزنجي...

إلهي، لم أعد أريد الذهاب إلى مدرستهم.

أرجوك، لا تدعني أذهب إليها.

يقولون إنه يجب على الطفل الزنجي الذهاب إليها

كي يصبح مماثلاً لسادة المدينة،

السادة بمعنى الكلمة.

إنني أفضِّل التسكّع بمحاذاة معامل السُّكَر

حيث الأكياس المنفوخة

التي يملؤها سكَّرٌ أسمرٌ مثل جِلدي الأسمر.

أفضل الساعة التي يتكلَّم فيها القمر العاشق

بصوت منخفض في آذان أشجار جوز الهند المائلة،

وسماعَ ما يقوله في اللَّيل

الصوت المبحوح لعجوز يحكي وهو يدخِّن،

قصص "زامبا" و"الأرنب المكَّار".

والعديد جداً من الأشياء أيضاً

غير الموجودة في الكتب.

الزنوج، كما تعلمون، لم يفعلوا سوى العمل الكثير.

فلماذا، يجب، زيادةً على ذلك، الدراسة في الكتب

التي تحدِّثنا عن أشياء لا تخصُّنا هنا إطلاقاً؟

ثم إنَّ مدرستهم حزينة جداً، حقاً.

حزينة مثل سادة المدينة،

هؤلاء السادة، بمعنى الكلمة

الذين لم يعودوا يعرفون الرقص، مساءً، على ضوء القمر،

الذين لم يعودوا يعرفون المشي على لحم أقدامهم،

الذين لم يعودوا يعرفون رواية القصص في السهرات،

إلهي، لم أعد أريد الذهاب إلى مدرستهم!

عبد الله اسلم
20-09-2007, 03:31 PM
شكرا لك بتالي على الإطلالة وهذه إحدى قصائد ليبولد
الغائبة :لسينغور
أيتها الصبايا ذوات الحناجر الخضراء، لا تغنوا أبدا بطلكم ، ولا تغنوا للمشتاق .
لست شرفكم ، ولا الأسد
الجسور، الأسد الأخضر
الذي يهدر بشرف
السنغال.
ليس رأسي من ذهب ، ولايكتسي بمصائر سامية
يداي من دون دمالج ثقيلة ها
هي ، يداي العاريتان !
لست القائد الموجه . لم
أخطر تلما واحدا، ولا عقيدة
مثل القائد المؤسس .
المدينة ذات الأبواب
الأربعة، ولم أنطق بأي كلمة
للنقش على الحجر.
أقول فقط أنني دبالي(1).
***
أيتها الصبايا ذوات الأعناق
الطويلة أعناق القصب ،
أقول غنين للغائبة
للأميرة في الممرات .
لا يقيم مجدي في النصب
، ولا في الحجر.
مجدي هو أن أغني فتنة
الغائبة
مجدي أن أفتن فتنة
الغائبة، مجدي أن أغني
زبد الرمل غبار الموج
وبطن النوارس ، الضوء
على الروابي .
كل اللأشياء غير النافعة
ثمن المنسف ، كل

الأشياء الباطلة في الريح
ورائحة ركام الجثث .
كل الأشياء الهزيلة في
ضوء الأسلحة، كل
الأشياء الأخاذة في روعة
الأسلحة .
مجدي هو أن أغني جمال

الغائبة .
***
الا انها كانت ليلة شتوية
حين نما الجليد في
الخارج ، وتآخى الجسدان .
صفير القطارات السريعة
اجتاز قلبي طويلا،
وتمزقات بطيئة بمد الماس
.
أيقظت محظياتي حوالي .
آه ! هذا النعاس الأصم
المزعج حين تصبح
كل خاصرة والظهر مثل جراح
المصلوب .
يرزح الصدر تحت ألغاز
جسيمة، وأموت
من كوني لا أموت ، وأموت من
كوني أحيا
بقلب غائب .
حدثتني بنعومة عن
الغائبة.
بنعومة غنت لي في الظل
نشيد الغائبة، مثلما
تهدهد المولود الجميل ،
مولود لحمها الأسمر.
على أن تعود ملكة سبأ، مع
تباشير العندم
الهندي .
من بعيد، على الروابي ،
الخبر السعيد، أعلنه
الجمالون فوق المحطات
الخمسة، في الممر
الطويل.