المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حيرة العائد/محمود درويش



أبوبكر ول كريم
10-08-2007, 02:08 PM
(حيرة العائد-مقالات مختارة) كتاب جديد للشاعرمحمود درويش صدر حديثا عن دار رياض الريس يضم الكتاب مقالات كان درويش كتبها في مناسبات شتى، وتتناول شخصيات سياسية وأدبية مثل: ياسر عرفات، إميل حبيبي، فدوى طوقان، نزار قباني، سعدي يوسف، محمد الماغوط، سمير قصير، ممدوح عدوان، جوزف سماحة... والكتاب في ثلاثة أقسام: هموم الوطن وشجون المنفى، إضاءات على أعلام في النضال والأدب والشعر والفن والسياسة، كلمات في مناسبات تكريمية. وأعادت الدار نفسها إصدار كتاب «يوميات الحزن العادي» في طبعته الرابعة. وهو كتاب يرصد فيه درويش نثراً ما آلت اليه حالة الشعب الفلسطيني وما يعانيه من العدو الإسرائيلي الشرس في الوطن المحتل وفي المنافي، حتى باتت أيامه يوماً طويلاً من القهر والحزن. ومن عناوين الكتاب: القمر لم يسقط في البئر، الوطن بين الذاكرة والحقبة، يوميات الحزن العادي، من يقتل خمسين عربياً يخسر قرشاً، الفرح عندما يخون، صمت من أجل غزة، ذاهب الى العالم غريب عن العالم... وفي الكتاب الجديد(حيرة العائد) وهو عبارة عن شهادات وكلمات في مناسبات مختلفة، يقدم محمود درويش نفسه على أنه شاعر يعمل بقليل من العشب اليابس والملح والغيوم.. وهذا حسب قوله يكفي للقلب وللإبداع وحتى للمزاح مع العدم.ويخلص الي ان كل شيء تغير والوحيد الذي بقي في مكانه القلب 0وهو يلقي الضوء على نفسه شاعراً. يقول: «قليلون هم الشعراء الذين يولدون شعرياً دفعة واحدة. أما أنا، فقد ولدت تدريجاً وعلى دفعات متباعدة. وما زلت أتعلّم المشي العسير على الطريق الطويل الى قصيدتي التي لم أكتبها بعد». يقول درويش: ''غائباً آتي إلى غائب، فلا أدري إن كنت هناك أم هنا، ولا أدري هل جسدي هو كلامي أم كلامي هو جسدي، ولكنني في الحالين غائب! لا صورة للمعنى بلا مبنى، ولا أرض للقصيدة غير تلك الطعنة التي تحفرها السماء بقرن غزال، على حافة الأرض. هل دخلت من هناك؟ أم خرجت إلى ما أنت فيه، بحثاً عن أمثالي العائدين في عربات المهاجرين إلى صورتهم، وهي تكبر وحدها، في الليالي القديمة، دون أن تنتبه إلى تدخل الشبح أو الشاعر''. مشهد البداية يختزل كل المشاهد الأخرى. هل كانت للحيرة نكهة أخرى؟ الأمل بأن يكون ثمّة أمل: ''لم أعرف كلمة ''المنفى''، إلا عندما ازدادت مفرداتي. كانت كلمة ''العودة'' هي خبزنا اللغوي الجاف. العودة إلى المكان، العودة إلى الزمان، العودة من المؤقت إلى الدائم، العودة من الحاضر إلى الماضي والغد معاً، العودة من الشاذ إلى الطبيعي، العودة من علب الصفيح إلى بيت من حجر. وهكذا صارت فلسطين هي عكس ما عداها، وصارت هي الفردوس المفقود إلى حين...''. القلب والموت بعد جراحة معقدة، وصاعقة، في القلب. هل أصبح الشاعر نصفه لـ''محمود درويش'' ونصفه لفلسطين؟ هنا قلب. لا شيء آخر، ويستحق أن يكون حزيناً، ووجلاً، عندما يكون الرحيل هو النهر أو عندما يكون النهر هو الرحيل. هذه هي الأوديسة الفلسطينية. هل يشعر محمود درويش أن الموت يطارده، يطارده هو، ولو بالأزهار الجريحة، مع كل أولئك الذين غابوا: ''ياسر عرفات''، ''فدوى طوقان''، ''أميل حبيبي''، ''محمد الماغوط''، ''ممدوح عدوان''، ''سمير قصير''، ''إسماعيل شموط''، ''توفيق زياد''، حتى إنه يتكلم عن ذكرى ''بدر شاكر السيّاب''. يكتب درويش لممدوح عدوان: دلتني عليك تلك الضوضاء التي أحدثتها نملة بين الخليج والمحيط، حين نجت من المذلة، واعتلت مئذنة لتؤذن في الناس بالأمل. ويضيف: لا جلجامش ولا أنكيدو، لا الخلو هو المبتغى، ولا قوة الثور، فنحن الخفيفين الهشين، كواقعنا هذا، لم نطلب أكثر من وقت إضافي لنلعب بالكلمات لعباً غير بريء، هذه المرة، أو لنورث ما لم نقله بعد مَن لم يقل بعد. ولنجعل من الشعر مزاحاً مستحباً مع العدم...''. وعن الماغوط يكتب: هو فضيحة شعرنا، فعندما كانت الريادة الشعرية تخوض معركتها حول الوزن، وتقطعه إلى وحدات إيقاعية تقليدية المرجعية، وتبحث عن موقع جديد لقيلولة القافية: في آخر السطر أم في أوله.. في منتصف المقطع أم في مقعد على الرصيف، وتستنجد بالأساطير وتحار بين التصوير والتعبير. كان محمد الماغوط يعثر على الشعر في مكان آخر. كان يتشظى، ويجمع الشظايا بأصابع محترقة، ويسوق الأضداد إلى لقاءات متوترة. كان يدرك العالم بحواسه، ويصغي إلى حواسه وهي تملي على لغته عفويتها المحنكة، فتقول المدهش والمفاجئ. كانت حسّيته المرهفة هي دليله إلى معرفة الشعر.. هذا الحديث الغامض الذي لا نعرف كيف يحدث ومتى؟. وفي الباب نفسه يكتب درويش: ''ما زال مطر السيّاب يتساقط على جفاف أيامنا''، ـ واجه بغضب، لدى توقيع كتاب ''كزهر اللوز أو أبعد'' في رام الله، الذين انتقدوا تحوله ـ أعلم أيضاً أن مجموعتي الشعرية الجديدة، كسابقاتها، ستزوّد خصومي الكثيرين بمزيد من أسلحة الاغتيال المعنوي الشائعة في ثقافة الكراهية النشطة. سيقال - كما قيل ويقال - أنني تخليت عن ''شعر المقاومة'' وسأعترف أمام القضاة المتجهمين بأنني تخليت عن كتابة الشعر السياسي المباشر محدود الدلالات، دون أن أتخلى عن مفهوم المقاومة الجمالية بالمعنى الواسع للكلمة.. لا لأن الظروف تغيّرت، ولأننا انتقلنا من ''المقاومة إلى المساومة''، كما يزعم فقهاء الحماسة، بل لأن على الأسلوبية الشعرية أن تتغير باستمرار، وعلى الشاعر ألا يتوقف عن تطوير أدواته الشعرية...''. حيرة العائد هي الحيرة الخلاقة: ''كأنني لم أنتبه إلا الآن إلى ما فعل الزمن بي. أما كان في وسعه أن يعلمني الحكمة، كما علمني التاريخ السخرية بثمن أقل من الرحيل؟''. إذاً، لا تبحثوا عن بطاقة هوية أخرى لمحمود دروش: ''وهكذا أجد نفسي هنا، لم أذهب ولم أرجع، لم أذهب إلا مجازاً ولم أعد إلا مجازاً''