المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موضوع للنقد ... من طرف رواد الأدب (الجزء الثاني)



المُشاغب
21-06-2007, 12:47 PM
بسم الله الرحمن الرحيم أثناء ذكري لشخصيات الرواية كانت هناك شخصية لم أذكرها نسيانًا مني وهي دينبا .. فتاة وجودية .. تعقد صحبة مع أحمد وابراهيم .. وخاصة الأخير لميلهما لمبدأ العبثية .. ملخص الجزء الثاني من الثلاثية : (( كانت السيارة مسرعة باتجاه الظلام ... في خطواتٍ واثقة ٍ سارَ نحو الإمام .. أشهر ستة في السنغال .. بالحزن بالألم .. بالمآسي عاشها ... والتفت إلى الوراء .. مودعًا تاريخًا له هناك ..)) .. خلال الجزء الثاني تنتقل البطولة من أحمد إلى ابراهيم .. بما يحمله الثاني من أحزانٍ وذكرياتٍ مؤلمة .. بداية بوالده البعثيّ الذي لقيّ حتفه أثناء التعذيب في سجون ولد هيداله خلال الثمانينيات .. والده الذي لم يره في حياته إلا مرتين .. الأولى حينَ زاره في ذلك المكان المخيف الذي عرف فيما بعد أنه السجن .. والثانية حينَ ودعه محمولاً على ظهره .. راحلاً عن عالم الدنيا وإلى الأبد ...

كان البحث عن شخصية ( الأب / الشهيد ) مسيطرا على ابراهيم في كلّ فقرات الرواية .. فيرجع ابراهيم بذاكرته للوراء ..- في الفصول الأولى من الجزء الثاني – علّه يتذكر كلمة أو شيئًا من التاريخ الشخصي له .. عله يعرفه ليكونَ عزاءه .. وهو الذي ذاق القهر والذل .. ذاق مأسي عدة من فقر مقتع عاش فيه .. وتجرع فيه مرارة اليتم ..

يرجع بذاكرته معتمدًا على حكايا الوالدة والأعمام والأقربين .. ليحاول أن يجسد من والدِه بطلاً ... ولو كانت بطولتُه لا تتعدى حدودَ كلماته وصفحاته ...
هناك حيث سجناء الرأي العام .. حيثُ من قُـتلوا لا ليشء سوى انتمائهم السياسي .. ومن ذاقوا من العذاب أشدّه .. في زمن الظلم والقهر والاستبداد .. لم يكن ابراهيم بعثيًا كوالده .. ولا يساريًا كأحمد .. كانَ وجوديًا له حزنه الذي يحسه زاده .. و الحياةُ .. أن نعيش كما يحلو لنا .. والإنسان يدور في فلك .. "الغثيان" ..

(( مشكلتنا أننا لا نرى الدنيا إلى سياسة ودسائس ورذائل .. مشكلتنا أننا نعشق أن نعرف كلّ شيء .. ولكن تلك خرافة كبيرة .. الإنسان لم يوجد هنا لكي يعرف .. بل لكي يموت .. ))
أثناء عودة ابراهيم من السنغال كان مشغولاً بتكملة ما يكتبه عن والده ... لكنه كانَ أيضًا مشغولاً عاطفيًا .. بانجالا .. الفتاة الزنجية التي تبيع الساندويش عند حانوت الشيخ .. هناك تعرف عليها .. هُنَاك تعلق بها حد الجنون ..رغم أنه لمدة اسبوع لم يستطع ان يفرق بينها مع اختها الكبرى جتو التي كانت سبب تعرفهما على بعضهما البعض .. لم يلبث في موريتانيا غير ثلاثة اسبايع .. سلّمَ فيها على خطيبته .. ابنت خالته عزة .. كانت فتاة قصيرة القامة .. لم يكن يعشقها ولا يبغضها .. كان فقط مجرد إعجابٍ طفولي في زمن المراهقة .. استغله الأهل حتى لا تبقى البنت من غير زواج .. وحتى يكون هناك حدٌ لأعمال هذا الفتى الجنونية ...

عودته للسنغال اشتغل مع أحد أبناء عم والده .. الحسين .. كانت الصدفة رحيمة به .. التقى انجالا هناك في سنلوي .. لم تكن وحدها .. هي وحواء .. نزواتٌ جديده يحسّ بتأنيب ضمير .. عند انتهائه من كل نزوة منها .. لكن انجالا لم تكن نزوة فحسب .. لأنهما قررا فعلاً الزواج .. صارَ كلّ شيء جاهز للزواج ..
خالُها وافق على الزواج .. وأتى ابراهيم بابن عمه كوكيل .. وآخرون يشهدون على العقد بينه مع هذه الفتاة .. التي كان لسوء حظ أحدهما قد تزوجت و انجبت بنتًا ...
تم الزواج كما قال الله وقال الرسول .. لكن لا أحد باركه .. لا أحد دعا الله لابراهيم بالتوفيق .. بل كانت لعنات السماء والأرض تحل به ..
ابن عمه المحترم طرده من العمل .. الشيء ذاته الذي قابل به انجالا التي صارت هناك قرابة عليه أن يعترف بها .. عقد الزواج .. الشهود .. لم تكن شيئًا كافيًا بالنسبة للأهل حتى يباركوا هذا الزواج .. كان الحسين سيبارك علاقة غير مشروعة – رغم تدينه – مع هذه الفتاة الزنجية .. ولكن أن تكون هناك علاقة شرعية فهذه كارثة .. إنه دمٌ نجسٌ يختلط بالدم الطاهر في عروقهم ..
تدّخل خال ابراهيم لحل المشكلة .. كانت قد بلغت ذروتها .. فقد قرر ابراهيم أن يبارك لنفسه هذا الزواج .. مهما لعنه الناس .. عاد إلى نواكشوط من جديد ..المشكلة المطروحة حينها لم تكن مجرد طلاقه من هذه الزنجية الدخيلة .. هذه الزنجية التي سحرت له ...
نعم هكذا قال قارئ البخت (( في ديك أبيضٍ وضعت الزنجيةُ السحرَ .. للأسف هذا هو أشدّ أنواع السحر .. ولكني سأحل المشكلة .. )) .. هكذا قال قارئ البخت ..
عزة .. ربما وحدها كانت متضررة من هذه الزيجة الملعونة .. ستبقى عازبة وإلى الأبد .. لأسبوع واحد في نواكشوط كان ابراهيم مستاءً من تلك الأدعية التي كانَ متأكدًا أنها ليست عبادة لله أكثر مما هي مناجاة لله رب العالمين .. حتى يخلصهم من هذه الملعونة .0... كان مستاءً من كلّ شيء حتى آيات القرأن .. لأنها في نظره (( ليست سوى لعبة نمارسها بالدين .. لنحقق أغراضًا في الدنيا .. ليس تدينًا ولا حُبًّا في الدين .))
في روصو .. حيث تاريخه الذي امتلأ بالطين .. وبالحب أيضًا .. (( .. الحبيبة الاولى .. الذاكرة المستقبلية له .. بأحزانها .. بآلامها .. بما تحمله من مشاعر أنثوية جامحه .. كانَ يعشقها كما لا يحب .. سنلوي .. مرفأ الخطايا .. مركز الرذلة في قلبه .. مدينة من الفسقة والعاشقين الفاشلين .. رغم الأحباب الذين بها ..
ما أبعدها من روصو .. مدينة الحب .. مدينة القديسين .. وشوراع الطين ..)) ..
في روصو رجعَ لأيام زمان .. التقى دينبا ... وسخنة .. وصفية .. الصديقة الحميمة .. التقى (( .. كل النساء التي تركنَ في حقائبه منهن شيئًا .. شيئًا جميلاً ...))
كان الزمن صيفًا .. قبل انقلاب اغسطس بقليل .. حين كانت مشكلته .. على وشك أن تحل (( .. خاله رغم معارضته له مبدئيًا .. اقتنع حين سأله ماذا فعلتَ ؟؟
- انتم تتلكمون بالدين .. انا لم أخالف ديني ..تأكد من هذا .. حتى أنّ ما فعلته ليسَ عيبًا ..))
رغم كل الحلول التي ساعد بها الخالُ ابراهيم .. إلا أنّ (( دعاوى الصلاة لم تترك مجالا للمتابعة ..)) فقد جاءه اتصال من زوجته انجالا تخبره فيه أنها تريد الطلاق .. لم تكن سوى نزوة نسائية قذرة .. هكذا كلام .. أول ما تبادر لذهنه .. سألها عن السبب .. كان الجواب قاسيًا كالسؤال تمامًا ..
(( - البيض سحروا لي .. سِحرُ الابيضِ هو أقوى أنواع السحرِ ...
عَلَتْ ضحكته في سخرية من القدر الذي يحيط به .. تبًا له .. تبًا لنا .. تبًا لكل شي ء .. ))
وكان يظن البيض أنّ سحر الزنوج أقوى سحرٍ .. مفارقة كبيرة تلك التي اكتشفها .. ويظن الزنوج أن البيض عنصريين .. ويظن الزنوج أننا نودُّ قتلهم جميعًا .. ويظن السود أننا متكبرون ... ونظن نحن نفس الشيء .. ولا شيء من هذا ...
(( .. عاد إلى دينبا متعبًا .. يحمل كل حزن الدنيا ..
- وهل قررت الموت أنت أيضًا ..
- وتسخرين ثانية ... قررتُ أن أموتَ .. سأتزوج الاسبوع القادم ..
- مرة ثانية .. - وثالثة ورابعة .. نحن شرقيون يا هذه .. أنسيتِ أنّه يحل لنا أربعة وأكثر ؟؟.))
ابنة عمه عزة .. مرة أخرى خطيبة وزوجة أيضًا .. لم يكن زواجهما سوى ردة فعلٍ قاسية انتهت بعد اسابيع قليله ليطلقها وإلى الأابد .. يطلقها لأنه يريد أن يظل حرًا وإلى الأبد .. في الفصل الأخير من الجزء الثاني .. كان الصدفة هي التي تعجل من الاصدقاء القدامى في زحمة الفراغ يلتقيان ثانية .. لكن في مكان غير المكان .. وزمان غير الزمان .. فقد وقعت أشياء لم يكن يتوقعها أي منهما ...فزينبُ صديقة أحمد لقيت حتفها في ظروف غامضة .. نعم لقد ماتت هكذا قرأ كلاهما في الجريدة .. من خلال الاسم والصورة ..
وتوتو وأختها تزوجتا ومشاكلٌ كبيرة تتعرضان لها بسببهما .. ولعنة الماضي تلاحقهما .. مهما ابتعدا ..
وهاوا .. على الوتر الإفرقي الجديد يرى ابراهيم أحمد يواصل نفس الطريق .. في حين يقسم ابراهيم أن لا يعرف زنجية أخرى مهما كانت هناك لعنة سمواية على البنت البيضاء ..
لكن ذلك الصوت الأثنوي الذي ظلّ لمساءات رمضانية عدة يسمعه لم يعد سوى ذاكرة .. وهو يفتش عن .. (( خيال امرأة .. مجرد خيال ...رآه في لحظة تجلي .. ولحظة حلول أسمى من كل أشياء عالمنا هذه .. فتاة بلون اللبن .. بلون الحسن ..))
وأحمد حزينٌ لا يدري لماذا ؟؟ وكيف لهاوا زوجة الضابط المالي الأصل الموريتاني الجنسية أن تحكي مأساة احمد .. هكذا أسئلة طرحا ابراهيم على نفسه .. وهو يشاهد أحمد يسقط في هاوية .. وينهار كل يومٍ أكثر مما مضى .. وهو الذي كان عليه أن ينهار بدل أحمد ..
وكأنها في مسابقة نحو الانهيار نحو القاع ... ونحو لا شيء .. نحو بوتقة العدم ..
وحدها دينبا بقيت في ذاكرته .. فقد ذهب كلاهما إلى الجامعة إضافة إلى أحمد ... ذهبا كانت هي بتوجهها الوجودي تسيطر على قلب ابراهيم .. وحدها بقيت في قلبه .. بعدما ما صارَ أبًا لطفلٍ وُلِدَ وأبواه مطلقان .. وهو يشهد تفكك البنية الاجتماعية لهذا المجتمع النخرة ...
يتبع بإذن الله ..
الْمُشَاغِبُ