المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عودة الطريد



zeine77
16-06-2007, 03:05 PM
عودة الطريد (*)


في ذلك المساء الذي يشبه آلاف الأماسي في وقت متأخر من نهار يوم السبت عند الحد الفاصل بين انتهاء المأساة و بدايتها الساعة السادسة و ثلاث دقائق بالتحديد كان الرحيل.
ظلت الأشياء حتى اللحظات الأخيرة قبل السفر تحتفظ بذلك اللون الذي كثيرا ما دفع بي إلى متاهات التفكير و التساؤل بلا جدوى في ذلك الأمر الذي يستحث المرارة و الشعور بالتصاغر إلى حد التنكر للذات و في أحسن الأحوال خيبة الأمل و الرغبة في عمل شيء ما كالصراخ أو البكاء أو الاعتداء على كل من يتبنى فلسفة بالحياة و يتحلى بما يسمى القيم !
الصبية الذين تحلقوا حول السيارة كالهواميش و الأبراص ما زالت ملامحهم تحمل ذلك الحياد و البراءة عندما يزحفان عادة على وجوه الأشخاص في مثل هذه المرحلة المبكرة من العمر, قبل أن يخدش الإدراك دواخلهم. كانت البراءة تظهر جلية واضحة من خلال نظراتهم قصيرة المدى و أطرافهم التي تربت بتوجس على إطار السيارة و استجابتهم البدائية لصورهم الهزيلة المنعكسة على المرآة الجانبية لبابها الأيسر.
تطلعت إلى الأفق الغربي للكون كي أجنب نفسي الإمعان في قراءة تلك اللوحة الحية أو استنتاج ما قد يزيد من عمق ذلك الجرح القديم الذي بدأ يلتئم من أقل من أسبوع ,عندما وضع آخر ختم على الأوراق الشفافة البيضاء و أودعت ذلك الدرج الأزرق الكبير الذي يستحوذ على نصف غرفة الأسرار المتفشية.
الأفق ما زال رابضا للشمس التي بدت أشبه بقطعة نحاسية مستديرة متوهجة بدأ الصدأ يزحف على أطرافها, الغيوم منثورة كألحفة بنية مهملة بلا انتظام , تتداخل لتلتحم ببطء فتشكل رداءا كبيرا , الحافة السفلى للماء تلامس الأرض ثم تتجافى , تتباعد لتندثر في لحظة غير مدركة.
كنت أتابع ذلك المشهد مأخوذا بهواجس الحياة و الموت و الخلود حين استدارت السيارة على نفسها فنفذت غبارا كثيفا غطى مدى الرؤية لثوان معدودة سرعان ما انقشع عن أوجه باسمة مليئة بالود ثم اتجهت جنوبا تنهب الأرض في نهم.
كل شيء تحفز للوداع : الأشجار و الجبال الكلاب و النظرات الكل سار بمحاذاتنا جنازة تشييع مبهمة.
كومة الأطفال و المنازل بلون التراب بدأت تغوص في البعد بتدرج حتى استحالت قطعا متناهية الصغر قبل أن يبتلعها المدى المترامي.
***عند الفجر اخترق صوته الدافئ الحنون مسامعي و هو ينادي : محمد (...) محمد (...) قد حان وقت الصلاة.
كان لذلك الصوت نغمة تاريخية أعادتني في مرحلة زمنية لا أستطيع تحديدها أي عندما كنت أؤمن بالفلسفات.
عدت في ارتخاء إلى النوم مستجيبا لجاذبية الأرض فاتخذ الصوت نبرة مغايرة كان جهوريا و قويا هذه المرة و يد معروقة يستدل من خلالها على طبيعة عمل صاحبها تحف مؤخرة رأسي تدفعني إلى أعلى و الصوت يكرر : محمد (...) محمد (...) اجلس وقت الصلاة تجاوز لقد طلعت الشمس.
تحاملت على نفسي وقفت و أنا أتمطى و قد انتابني إحساس غامض بالحزن و الفرح و الخجل منذ متى لم أسمع من يناديني بهذا الاسم ؟ هل هذه حقيقة أم حلم ؟ أيمكن للإنسان أن يتنكر لماضيه لهذا الحد؟ أسئلة كثيرة ولدت للتو بلا سابق إنذار كالزلزال.
بين اليقظة و النوم مر أمامي شريط حياتي بلا زيادة أو نقصان بلا ثقوب أو رتوش لكنه مر بطريقة عكسية بدءا من الأمس القريب حين اتصل بي صديقي هاتفيا ليحدثني بشأن اتخاذه قرار تنظيم الأسرة نزولا عند رأيي و انتهاء بالأمس البعيد يوم اصطدم وعيي بوفاة أختي الصغرى بسبب الختان.
فتحت عيني على مكان مختلف بسكان مختلفين استبدت بي الحيرة و الارتباك و الخوف. أيمكن أن أكون قد أخطأت المنزل الذي وسمت جدرانه بخطوط كثيرة متقاطعة و رسومات كثيرة ملونة بالطلاء الأحمر و الأخضر و أسماء أعجمية شدتني إليها غرابتها (ليوناردو دفانشي , بابلو بيكاسو , جريكو , فان جوخ , بوركهارت ) تلك الأسماء التي ألصق بي أحدها إلى الأبد , و أين ذلك الثقب الضيق الذي كنت أسترق من خلاله النظر إلى مستودع أسرار جارتنا البدينة التي اكتشفت معها خطورة تلك الأشياء المخفية من جسدي؟
و إذا كان الزمن عبث بالحياة و التاريخ بعد غيبتي فإن , فإن صاحب الصوت لم يخف عليه ارتباكي و حيرتي فبادرني قائلا : أنا أخوك (دمين) و هؤلاء إخوتك...
لم تكد هذه الكلمات تخرج من فمه كالسهم حتى أجهش بالبكاء و كنت قد سبقته لذلك, و أختي الكبرى التي ملأ صراخها المكان عمقت من شعوري بالذنب و الحزن إذ كانت تتراءى لي و كأنها والدتي التي لم أحضر وفاتها منذ أربع سنوات, أما والدي فلم أكن سوى صورة حديثة له حسب تعبير أخواتي, رغم أنه تفصل بيننا هو تاريخية سحيقة ليس لها قرار.
لكن أين ابن أختي الذي لم يكن مسؤولا عن وجوده عندما دفعني ميلاده إلى اتخاذ ذلك القرار المشؤوم؟

________________________ ______
(*)مصطفى محمد عمر.