المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : زينب و القرية...



this is me
29-05-2007, 09:38 PM
شقة في الطابق السفلي بابها على الشارع العام الذي لا يخلو من مارة أو إزعاج سيارة. يستوي في ذلك الليل و النهار. عندما تلج الشقة يقابلك صالون مؤثث تأثيثا يحتاج إلى ذوق إحدى بنات حواء إذ البيت يخلو منهن.مزهرية موحشة إلا من آثار شاي أقيم غير بعيد منها فأصابها منه ما يعكر صفوها و يذكرها بأزهار وضع في الحسبان أن تكون مصففة عليها .كنبة لا يبدو أنها قادمة جديدة إلى المكان الذي توجد فيه . تحيط بها من الجوانب كلها، و حتى أسفلها، أوراق يبدو أنها كانت شاهدة على محاولة أحدهم تذكر ما درسه خلال السنة الدراسية الماضية.منظر تلك الأوراق حول الكنبة يتكرر كل نهاية فصل دراسي .الهواء الخانق الذي يلف غرفة الضيوف تلك يشجع عابرها أن يجتازها بسرعة نحو غرفة نوم تحوي ملابس معلقة بطريقة توحي بعدم مبالاة و عدم توقع زوار ، و سرير نوم غير وثير و أرضية لم تذق طعم المكنسة منذ زمن بعيد، لكن هواءها قد يكون أكثر ودية من عدائية استقبال غرفة الزوار تلك.
في تلك الغرفة عاش أحمد بضع سنين أنهى خلالها المرحلة الثانوية و المرحلة الجامعية.لقد قضى كل تلك السنين غريبا فهو قادم من قرية نائية يعرف بيوتها و طرقها و الحدائق المحيطة بها معرفة طبعتها الأيام في ذاكرته و تجلت في حنين نازف-لم يدم معه لنهاية رحلته تلك -لعودة كانت آفاقها تبدو ضبابية لمن لم يكمل دراسته و لم يدخل معترك حياة يرى و يسمع عن معاناة أهله، في الصحف و عبر الشكاوي الموزعة مجانا في البقالة المجاورة و الحافلة التي يأخذها يوميا صوب الجامعة.
كان أحمد قادما من أسرة فقيرة يعيلها والده الذي يرسل له فلوسا فضلا تكاد تكفي متطلباته الأساسية في محل إقامته.تلك الحالة المادية التي لا تفارق تفكيره وابنة جيران كانت تنتظره، شكلتا عاملي ضغط و إحساس بمسؤولية أثقلتا كاهله قبل التشمير عن سواعد تستمد نحافتها من جسم مرهق يعكس شغف العيش الذي يرهق ذلك الشاب.
كان أحمد عندما وعد زينب بالزواج، بعد حب عاصف جمعهما يحلم أن يكون طبيبا يمارس مهنته في قريته الصغيرة فيضمن لنفسه مدخولا محترما ينسيه ما مر عليه من فاقة من جهة، و من جهة ثانية يساعد أبناء بلدته من سفر مرهق و منفق لما في الجيب ،عنما يضطرون للذهاب إلى أقرب مدينة طلبا للعلاج.
لكن الأمور سارت بصدمة أيقظته من حلم جميل عندما لم يستطع الحصول على منحة في الخارج و اضطر للبقاء في البلد ليجرب ما سمعه من الشكاة الذين يقابلهم كل يوم على حافة تسكع أو مزاحمة في الحافلة.
كانت زينب لا تفرق كثيرا بين طبيب و سائق سيارة الأجرة الوحيدة التي تنقل البشر و البضائع من وإلى القرية، فالأطباء عملة غير معروفة هناك. لذلك فإنه لم يكلف نفسه ليشاركها همومه عند أول محطة يأتي فيها ليجد موعد كلية الطب قد فات و قطارها قد غادر المحطة،فربما يحتاج لأكثر من جهد لكي تتصور هي ذلك الفرق.لذلك فإن زينب لم تدر بأول حلم -لهما- بلغ خريفه ،ولم تغير من لهفتها عليه و انتظارها له و تكليفٍ رمته على عاتق بنت عمها سعاد بشرف أول زغردة في أول أيام زفاف مازال في طيات العدم!

........
........
........تحت إلحاح رنات الهاتف ،أفاق أحمد من إغراقه في فاصل تفكير أخذه إلى تلك الشقة و الشارع المكتظ و ذكريات قرية لم يعد إليها منذ غادرها آخر مرة.

*ترى هل مازالت زينب في القرية؟
هل ما زالت مؤمنة بالصبر و الإنتظار؟
حية حتى؟
أم أنها ضاعت كحلقة من حلقات شيء كان يمكن أن يحصل؟

مجموعة أسئلة لم يكن ليفكر كثيرا في أجوبة عليها،من قبل ، إذ عطَّل ذاك الجانب من مقدراته يومَ غيّّر تاريخه و طَمَر ماضيه بنسيان الإصرار على تعويض أشياء فقدها ذات طفولة محرومة و شباب لم يكتمل بضياع قطعة حلمه.

كان يجلس على مكتب وفير رُتب بعناية تامة لاستقبال زبائنه من علية قوم واحدة من أكبر مدن البلد.
حوى ذلك المكتب ما تحتاجه أطول جلسة عمل من مسببات الراحة و التخفيف من ضغوط المال و الأعمال.
تلفزيون بقنوات يتفاجأ أحيانا بعضهم بوصولها تلك البقعة من الكرة الأرضية.
ثلاجة فيها أصناف المرطبات.
في أحد الأركان يوجد سرير طَبعَت عليه نظافتُه، و نوعيةُ خشبه الأحمر،و فراشه الوثير، خمساً من النجوم تنادي من يرمي نظرة خاطفة عليه بأخذ قسط من راحة .


تدفقت الذكريات رغما عن بقية تلك الرنات التي ما لبثت أن توزعت واختفت بين شوارع القرية و زينب و الشقة.

.........
.........
.........كانت حديجة بنتا متوسطة الجمال،و زميلة دراسة،وكانت بنت واحد من أكبر التجار.
كان يعجبها في أحمد ذكاؤه و قلة اختلاطه بالبقية . قرأت من خلال صفاته الخارجية، و إصراره على اقتحام قاعة الدرس يوميا بهيأته البسيطة المكافحة، حكمة و جدية سهلت من مأموريته لخطف صيد ثمين جاءه بمحض إرادته، في ظروف لم يكن من الصعب عليه أبدا أن يتخلى عن بقية قيم جلبها معه من الريف، بسبب الإحباطات التي واجهته بعيدا عن رقيب تمثل في قوانين القرية و ناظري زينب.

بدأت تتقرب إليه بأشياء كانت تظن أنها تكفي لكسب ثقته، لكنه كان يرى فيها خطة مكشوفة للإيقاع بمن قرر الوقوع.
كان قد بدأ يرى فيها كلية طب اختفت من حلمه ذات يقظة مزعجة.
لم تكن أسئلة تتعلق بما يأخذونه في القاعة من دروس قانون بالتي ستنفره منها!
كان يبدو سعيدا بإعطاء يد العون لها، وحتى يبرهن على طيبته، لم يكن ليمانع أن يلعب دور المدرس حتى لغيرها من طلاب الفصل. تلك المهنة المملة،بعض الأحيان، كانت بالنسبة له نسيم مستقبل غني بأشياء لم يكن يتصورها.
وكلما اختلقت سبلا للإقتراب منه كلما لعب دورا سرابيا يغريها بالإقتراب قليلا من نقطة اللاعودة!
وكلما اقتربت خديجة، كلما بدا منظر القرية و زينب أصغر فأصغر حتى بدأيختفى عن ناظريه.
لحظة الغروب الزينبية شكلت شروقا خديجيا، عرض عليها فيه قلبه بضاعة ابتهجت بالعثور عليها بين ركام ضياع لم تر منه غير بريق سرابه شركا وقعت فيه، وغابت عنها تفاصيل أخرى!

.......
.......
.......بيت في أحد أرقى أحياء المدينة، و رفيقة عمر ليست في حاجة أن تمنحه إحساسا بالحاجة الملحة لجيبه، و مكتب محاماة يؤمه نجوم المجتمع، لم تكن لتمنع شفق الغروب الزينبي من لفت انتباه أحمد و تساؤله الملح عن زينب و عن القرية و عن أهله ، منذ غادرهم إلى المدينة، و سكن شقة في الطابق السفلي بابُها على الشارع العام الذي لا يخلو من مارة أو إزعاج سيارة، يستوي في ذلك الليل و النهار!

معروف1
31-05-2007, 10:42 AM
تتشكل اخلامنا ايام الدراسة ولقد والله ايقظت هذه القصه ذكريات ما منا الا له حظ (معلوم) منها

مشكور عالم التصور عالم الاحلام هو عالم اسرفت في الهروب الية كلما استيقظت علي الواقع ال---
لولاه لكنت اكثر تعقيدا من ما انا عليه اليوم

يستحق من تطابقت احلامه ايام التشكل مع واقعه الان ان يكتب اسمه بحروف من الغر ابة في كتاب غينس للارقام القياسيه

هل كنت مغفلا حين حلمت ان اكون --- وان ات----- بل حتي ان--- ولم لا؟

أحمد الحسن
02-06-2007, 11:19 AM
العزيز هذا أنت

استوقفني النص بجماليته وسلاسته.

تدوير القصة كأنما لتوحي بأن ماجري لأحمد يجري لغير أحمد(كأن أحمد جزء من الحلقة) وما إن تنتهي حكاية حتي تتبعها الأخري وهو أسلوب(أي التدوير) يستخدم في الشعر الشعبي حيث تنتهي الطلعة ببدايتها.

التلاعب بالزمن وتداخل الأحداث حيث يعيش أحمد زمن القرية رغم كونه في زمن آخر, زمن الرنات والأسرة الوثيرة والمكاتب المكيفة كما أن الحديث عن كلية الطب نوع من الحديث عن زمن هو لا شك قادم لكنه لم يحدث بعد إن كنا نتحدث عن كلية طبنا التي لم تكمل بعد عامها الأول.

كان من الممكن أن تحجز لفيروز ركنا من البيت تشدو بأجمل أغانيها عن الحنين "أنا عندي حنين.. ما بعرف لمين" كنوع من حديث الذات يناسب المقام والحالة التي وصل إليها بطلك أحمد.

دمت

this is me
02-06-2007, 03:28 PM
يستحق من تطابقت احلامه ايام التشكل مع واقعه الان ان يكتب اسمه بحروف من الغر ابة في كتاب غينس للارقام القياسيه


سيدي معروف:
كأن ما قلته صحيح!
أشكرك على تلك المقالة ذات الأحرف القياسية!

العزيز هذا أنت

استوقفني النص بجماليته وسلاسته.

تدوير القصة كأنما لتوحي بأن ماجري لأحمد يجري لغير أحمد(كأن أحمد جزء من الحلقة) وما إن تنتهي حكاية حتي تتبعها الأخري وهو أسلوب(أي التدوير) يستخدم في الشعر الشعبي حيث تنتهي الطلعة ببدايتها.

التلاعب بالزمن وتداخل الأحداث حيث يعيش أحمد زمن القرية رغم كونه في زمن آخر, زمن الرنات والأسرة الوثيرة والمكاتب المكيفة كما أن الحديث عن كلية الطب نوع من الحديث عن زمن هو لا شك قادم لكنه لم يحدث بعد إن كنا نتحدث عن كلية طبنا التي لم تكمل بعد عامها الأول.

كان من الممكن أن تحجز لفيروز ركنا من البيت تشدو بأجمل أغانيها عن الحنين "أنا عندي حنين.. ما بعرف لمين" كنوع من حديث الذات يناسب المقام والحالة التي وصل إليها بطلك أحمد.

دمت

الفاضل أحمد:
أشكرك كثيرا على وقتك الذي قضيته بين عثراتي!
يعني سبحان الله!
فعلا كأنك قرأت فكرة التدوير تلك وعلاقتها بالشعر الحساني. يعلم الله أنني اختلستها من هناك!
لك التقدير بقدر صفاء تفكيرك.

abdallahi_e
31-07-2007, 04:49 AM
أحيانا نتعثر بأشياء جميلة , تولد لدينا رغبة في التعثر كل حين ..

this is me :

نجاحك في اختيار الشخصيات المحيطة ببطل القصة , وكيفية إسقاطك للأحداث الفرعية على تلك الشخصيات دون ضياع الحدث المحوري المتمثل في الفشل مهما كان سببه , وما يتولد عنه.
يعطي انطباعا كبيرا للقارئ بأنك تعرف ما تقوم به ..
هذا القلم أيها الفاضل يوشك أن يتكلم , فلا تضعه في جيبك لكي لا يخنقه الحبر . دعه يعبر عن نفسه , لكي لا يؤذيك ويؤذي جيبك !


________
ما أعجبني أكثر هو (إمْردْ ليد) الأخير , فلا يقوم به إلا متمرس أو صاحب موهبة :D .

this is me
01-08-2007, 12:57 PM
abdallahi_e :
أشكر لك مرورك هنا، و أسعدتني قراءتك للنص كثيرا..
إنها شطحات، تأتي هكذا، من خير اختيار،و نجاحها يكمن في قرائها و ارتقائهم بها من خلال تحميلهم للنص معاني قد تكون أكبر منه بكثير.
لك مني كل الود.