المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حرب طروادة: هزيمة هوميروس بالقاضية الفنية!



محمد ولد عبدو
04-04-2007, 08:22 AM
ليس من الصعب أن يتنبأ المرء بما كانت تفكر فيه هوليوود عندما قررت أن تصنع معالجة جديدة لقصة "حرب طروادة"، وهى الحرب التى كانت جزءا مهما من الملحمة الشعرية المعروفة باسم "الإلياذة" للشاعر الإغريقى هوميروس، فكثيرا ما كانت السينما العالمية -الأمريكية وغير الأمريكية- تلجأ لمثل هذا الملاحم لصنع أفلام مبهرة يمكن فيها استعراض عضلات التقنيات السينمائية وعضلات الممثلين فى آن واحد، فتحث إعلانات هذا الفيلم أو ذاك بالميزانية الضخمة التى تكلفها، وبالنجوم والكومبارس الذين اشتركوا فيه، وبعدد دور العرض التى سوف تشهد عرضه الأول فى كل أنحاء العالم. وبالطبع فإن فيلم "حرب طروادة" لا يخلو من هذه المزايا جميعا، بالإضافة إلى مزايا أخرى، لكن المؤكد -إذا تصورت ما كان يدور بخلد صناع الفيلم أثناء الإعداد له أو العمل فيه- أنهم لم يعطوا اهتماما كافيا بجوهر ملحمة هوميروس، بقدر الاهتمام الذى أعطوه للنجم براد بيت، الذى سوف يظهر فى المشاهد الأولى من الفيلم وهو يلهو كما يليق بنجم يشاع عنه أنه الأكثر جاذبية من بين كل النجوم!
وهكذا إذن كان يفكر صناع فيلم "حرب طروادة": إذا كان فيلم "المصارع" قد قدم منذ سنوات نجما بحجم راسيل كرو ليحصد نجاحا تجاريا هائلا، فسوف نأتى بالنجم براد بيت، ونحشد الصحافة الفنية بأخبار عن توقفه عن التدخين وزيادة وزنه ونمو عضلاته حتى يلائم شخصية البطل الأسطورى "أخيل"، وإذا كان "كعب أخيل" هو نقطة ضعف هذا البطل -كما تحكى عنه الأسطورة- فسوف نخترع حكاية عن توقف تصوير الفيلم لعدة أسابيع بسبب إصابة براد بيت فى كعبه!! وإذا كان الكومبيوتر فى فيلم "المصارع" قد استطاع تجسيد مدينة روما القديمة على نحو افتراضى، دون ضرورة لصنع ديكورات حقيقية لها، فسوف يستطيع الكمبيوتر -بفضل التطورات المذهلة بين عام وآخر- أن يصور ألف سفينة حربية إغريقية وهى تمخر عباب البحر، متوجهة لشن الحرب على طروادة، وبالطبع سوف يحتشد الفيلم بعشرات المعارك بمختلف أسلحة العصر القديم، مما سوف يتيح للشاشة -على طريقة هوليوود فى الفترة الأخيرة- أن ترضى "متعة" المتفرج بالفرجة على الجثث والأوصال البشرية! تلك هى "القيم الإنتاجية" التى وضعها صناع الفيلم نصب أعينهم لتقديم فيلم "تجاري" ناجح، ونحن لسنا على أية حال ضد الأفلام التجارية التى تعنى مزيدا من "الصنعة"، لكن يبقى التساؤل حول إذا ما أدت تلك الصنعة إلى الاصطناع وافتقاد الأصالة الإبداعية، أو فلتقل بشكل أكثر تحديدا التساؤل حول إذا ما استطاع صناع الفيلم الإمساك بروح الملحمة الأسطورية وجوهرها الإنساني؟
سوف نحاول هنا أن نرى الفيلم بينما نلقى الضوء فى الوقت ذاته على الأسطورة، فحرب طروادة ربما لم تقع أبدا، بل ربما لم توجد مدينة باسم طروادة، فالأثر الوحيد الباقى عليها هو ملحمة الأعمى هوميروس، الذى قد يكون -وفى الأغلب هو كذلك بالفعل- أسطورة كما يحدث فى معظم الملاحم الشعبية، حين تنتقل الملحمة على الألسنة من جيل إلى جيل، وتضاف إليها طبقات فوق طبقات، حتى يستحيل أن تنسبها لشاعر معين. ولهذا السبب نفسه: غياب مؤلف واحد، والانتساب لحضارة كاملة فى حقبة تاريخية معينة، تحتوى الملحمة الأسطورية على مجموعة غير محددة من خلاصة التجربة الإنسانية، تجعل الملحمة قادرة على الحياة حتى اليوم وربما لعشرات القرون القادمة. وإذا كان من الصعب أن نقدم فى سطور قليلة تلخيصا لملحمة الإلياذة وقصة حرب طروادة، فإننا سوف نحاول الإشارة إلى الشخصيات الرئيسية لعلها تكون دليلنا إلى تذوق فيلم "حرب طروادة". تدور الأحداث فى القرن الثانى عشر قبل الميلاد، حين كانت شبه الجزيرة اليونانية تحتشد بالعديد من "القبائل" المتصارعة، تحولت على يد هوميروس -أو العديد من الشعراء الشعبيين- إلى "ممالك"، وسوف تفهم كيف اكتسى الواقع البدائى الخشن للقبائل اليونانية وزعمائها هذا الرداء الذهبى الأسطورى، إذا تذكرت أن الملحمة تمت صياغتها المكتملة بعد ستة قرون من أحداثها المفترضة، دون أن تكون هناك بالطبع حينذاك وسائل لتوثيق ما يفترض أنه تاريخ، ناهيك عن الصورة البطولية الضخمة التى يرسمها الأحفاد دائما لأسلافهم الأوائل! وبالقرب من أطراف شبه الجزيرة اليونانية -فى المنطقة التى تفصل اليوم بين تركيا واليونان- كانت هناك قبيلة أخرى تعيش فى مدينة هى التى جعلتها الملحمة تحمل اسم طروادة، وربما جرت بين القبائل اليونانية من جانب، ومدينة طروادة الحصينة من جانب آخر، حروب طويلة كانت القبائل فيها تحاول غزو المدينة -والكثير من الحروب الإنسانية تعبر دائما عن هذا الصراع بين البداوة والحضارة، وفى "العهد القديم" خير مثال على ذلك- وبعد عشر سنوات من الصمود سقطت طروادة فى أيدى الغزاة، بتلك الحيلة الأسطورية، حين زعم اليونانيون أنهم صنعوا حصانا خشبيا هائلا يقدمونه هدية على المدينة، بينما كان الفرسان يختبئون بداخله. ومثل العديد من الملاحم الأسطورية، ولنذكر على سبيل المثال سيرة أبى زيد الهلالى وفتح العرب لشمال أفريقيا وقصة حبه مع عزيزة، فإن قصة حرب طروادة تحولت بدورها إلى قصة حب مستحيل، ينتمى طرفاها إلى الفريقين المتصارعين.
إنها القصة التى تبدأ بالأمير الطروادى باريس (أورلاندو بلوم) وشقيقه الأكبر هيكتور (إيرك بانا) وقد أرسلهما أبوهما بريام (بيتر أوتول) ملك طروادة إلى ملك إسبرطة -إحدى "ممالك" أو قبائل اليونان- مينيلاوس (بريندان جليسون) لعقد معاهدة سلام بين البلدين، لكن "باريس" يرى ملكة إسبرطة الشابة الجميلة هيلين (فتاة الإعلانات الألمانية ديان كروجر)، فيقعان فى الحب من النظرة الأولى، ويهربان إلى طروادة معا فى نزوة جامحة، وهما يعلمان أن ذلك سوف يجر على بلديهما الويلات والمصائب!! وهكذا يثور مينيلاوس العجوز الشرس لشرفه الضائع، فيحرض أخاه اجاممنون (بريان كوكس) على جمع ملوك القبائل اليونانية لشن حرب على طروادة لاستعادة هيلين، فيصادف ذلك هوى اجاممنون فى تحقيق أحلامه الإمبراطورية بتوحيد القبائل اليونانية المتفرقة تحت إمرته، وأحلامه التوسعية بالسيطرة على ما هو خارج شبه الجزيرة اليونانية أيضا، وبالفعل، سوف ينجح فى جمع الاثنى عشر "ملكا"، الذين يبرز من بينهم أوديسيوس (شون بين)، الذى نعرفه فى ترجماتنا العربية باسم "أوليس"، صاحب العقل المتحايل على المصاعب والذى سوف يبتكر فكرة حصان طروادة، كما سوف تكون له ملحمة منفصلة تصور الأهوال التى يراها خلال رحلة عودته إلى وطنه بعد الحرب. وأخيرا يأتى أكيليوس (براد بيت)، الذى نعرفه باسم أخيل، المتغطرس الذى لا يحارب من أجل أية قضية بل من أجل مجده الشخصى، مؤمنا بأنه لن يموت أبدا بفضل تحصين جسده ضد الطعنات، لولا أن لديه نقطة ضعف واحدة قد يتغافل عنها أحيانا -ككل المتغطرسين الذين ينسون أنهم لهم نقاط ضعف- وتلك هى "كعب أخيل" الذى يمثل النقطة الوحيدة التى يمكن أن يلقى حتفه إذا تم طعنه من خلالها.
سوف يذهب أخيل إلى الحرب عازفا فى البداية عن الاشتراك فيها، حتى يجعل رفاقه يشعرون بمزيد من الحاجة إلى مهارته فى فنون القتال، فيرسلون إليه أوديسيوس لكى يرجوه ويقنعه، وهكذا يوافق أخيل على دخول ساحة المعركة بعد أن اشبع غروره الذاتى. تلك هى المقدمات الدرامية لأحداث "حرب طروادة"، وهى المقدمات التى كانت تحتاج إلى قدر أكبر من الرهافة فى المعالجة للإمساك بالتفاصيل الإنسانية، ولكن لأن الطبع يغلب التطبع، لم يستطع هذا الفيلم الهوليوودى أن يفلت من أسر "التوليفة" التى تنص على أن أفلام الملاحم تهدف إلى "التسلية" من خلال مشاهد الحرب الطاحنة، مع بعض المشاهد الحوارية الحائرة بين بلاغة لفظية خاوية واستخدام تعبيرات معاصرة، وهو ما جعل الفيلم -إذا نظرت له متأملا من بعيد- يفشل تماما فى الإيحاء بأن حصار طروادة استغرق عشر سنوات طويلة ثقيلة، وكأن هذه الحرب الضروس لم تستغرق إلا أسابيع قليلة! ولولا بعض لمحات عابرة من تأمل المشاعر الإنسانية، ووجود ممثل بحجم بيتر اوتول، وممثلة بقدر جولى كريستى فى دور ثيتيس أم أخيل، لفقد الفيلم أهم مشاهده. إن ثيتيس -فى مشهد وحيد لا يتعدى الثلاث دقائق- تظهر اللوعة على ابنها أخيل الذى يتصور أنه لا يقهر لكنها لا تنسى نقطة ضعفه ومقتله -كما يذهب بريام- الذى قام بدوره بيتر اوتول - لكى يستعطف أخيل من أجل أن يستعيد جثة ابنة هيكتور، فى نبل ممزوج بالألم. على النقيض، فإن أداء براد بيت يبدو كأن "النجم" قد تقمص بالفعل شخصية أخيل -ربما كان هذا عيبا ومزية فى آن واحد، إذا افترضنا أن أخيل كان ينظر إلى نفسه باعتباره "نجما" قبل اختراع السينما بأكثر من ثلاثين قرنا!!- فكلاهما يمتلئ بالغطرسة والغرور والثقة فى الخلود، وبأن أية إيماءة قد تصدر عنه سوف تجعل الجماهير تردد صيحات الاستحسان فى كل مكان، ولا ينسى أن يطوح بشعره المسترسل فى الهواء كلما خلع خوذته الحديدية! لكن أكثر الأمور إثارة للسخرية والدهشة هى اختراع قصة حب لم تخطر لحظة واحدة على بال هوميروس، لكى يجعل الفيلم من براد بيت عاشقا!! فتنشأ تلك القصة "الجنسية" الملتهبة بينه وبين الأسيرة الطروادية والعرافة العذراء بريسيس (روز بيرن) لتحفل الصحافة الفنية الأمريكية بأسخف الأخبار حول الممثلة التى نالت شرف الظهور على الشاشة وهى فى أحضان براد بيت!
تلك إذن هى "القيم الإنتاجية" التى سيطرت على صناع فيلم "حرب طروادة"، فكان من أكثر عيوب الفيلم افتقاده إلى أية "بؤرة" درامية، وتحول فى التحليل الأخير إلى مجموعة مشاهد منفصلة تم تنفيذها جيدا على يد المخرج الألمانى فولجانج بيترسين، الذى قدم من قبل أفلاما أكثر إحكاما مثل "القارب" و"العاصفة المدمرة"، لكن سيناريو ديفيد بينيوف لم يستطع أن يحاكى الإلياذة فى مادتها الثرية، حتى أنه بدا أحيانا كأنه يقتبس عن الأفلام الهوليوودية التى قدمت معالجات قديمة للملحمة، بدلا من أن يكون اقتباسا مباشرا عن الإلياذة ذاتها. وعلى الرغم من ذلك فإن السيناريو يحتوى على بعض "النيات الطيبة"، التى تظهر -على سبيل المثال- فى الاستغناء عن تأثير الآلهة الإغريقية الأسطورية الذين كانوا يلهون فى ملحمة هوميروس بمصائر البشر، وهو ما سوف يجعل "الأبطال" أكثر قدرة على اختيار مصائرهم، لولا أنهم عادوا فوقعوا أسرى للآلهة الهوليوودية التى تضع كلا منهم فى قالب نمطى واحد. كما تظهر هذه "الينات الطيبة" فى محاولة ت خبطت كثيرا فى الاستطرادات غير الدرامية أن يجعل الفيلم كلا من أخيل وهيكتور طرفين لصراع درامى، فأخيل يمثل المحارب "النجم" الذى لا يؤمن بقضية سوى مجده وشهرته وخلوده، أما هيكتور فإنه على النقيض "رجل عائلة" يحب زوجته أندروماك (سافرون بوروز) وطفله الرضيع، وأباه الملك العجوز بريام، بل وحتى أخاه باريس الذى جر كل تلك الولايات على طروادة بسبب نزوته العاطفية. وبالطبع سوف تكون ذروة الفيلم -الذى يستغرق ثلاث ساعات إلا ربعا- هى المواجهة الدامية بين هذين الرجلين، والتى تدور على قرع الطبول المدوية. إن صناع الفيلم يبرزون هنا نقطة قوتهم الوحيدة، فهم يفهمون أن أحداث ملحمة هوميروس -مثل كل الملاحم الشعبية والأسطورية الأصلية- تقود إلى المبارزة الفاصلة بين بطلى الملحمة، المتكافئين فى قوتهما الجسمانية والأخلاقية، حتى أنك لا تستطيع أن تتعاطف مع أحدهما دون الآخر. إن الملحمة الأسطورية تفصل هنا بين الشعارات السياسية المعلنة، وحقيقة "المأساة" الإنسانية، وكأنها تشير إلى أن هناك من "يخترع" الحروب اختراعا، من بين أصحاب النفوذ والغطرسة والجشع لكى يموت فيها الملايين بلا حساب.
ربما لم يقدم الفيلم من داخله تفسيرا أصيلا وخلاقا لتلك "المأساة" الإنسانية الخالدة، لكن أرجو أن تتأمل تصريح المخرج بيترسين لوكالة الأنباء الألمانية حول مصادفة أن يتزامن البدء فى تصوير الفيلم مع شن المؤسسات الأمريكية الحروب الدموية فى أنحاء مختلفة من العالم، يقول بيترسين: "لقد اكتشفت أمرا كان يصعب تصديقه، لقد اكتشفت أن ثلاثة آلاف عام لم تغير شيئا، فلا يزال هناك أناس يستخدمون الخداع من أجل توريط الشعوب باسم الانتقام. إن الملك أجاممنون رفع شعار استعادة هيلين الجميلة ليشن حربا طاحنة يحقق من خلالها أطماعه التوسعية، تماما كما استطاع جورج بوش الصغير أن يخفى دوافعه الحقيقية وراء غزو العراق"، هكذا بالنص والحرف الواحد. للأسف فإن الفيلم لم يستطع أن يقدم هذا المعنى من خلال الدراما، ونحن نفهم أن هوليوود ما كانت لتسمح بذلك أبدا، فبدلا من هذا الضوء الذى يستخدم الملحمة الأسطورية لتفسير الواقع الراهن، تم تفصيل فيلم "ملحمي" على مقاس النجم براد بيت، الذى انتصر فى معركة غير متكافئة على الشاعر الإغريقى هوميروس!





منقول ... الكاتب : أحمد يوسف

طرم برم هم
30-05-2008, 07:18 PM
اخباااااااااااااار الحلوين......... والله انا تعبت واجد واناااااااااااااا ادور حااااااااااااااااجة