المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من المتعلم إلى المثقف . خواطر للنقاش



ابراهيم الشيخ سيديا
02-04-2007, 04:27 PM
أثناء تصفحي لبعض المواقع الموريتانية على الانترنت شد انتباهي احدها ، فنقلت لكم منه المقال التالي نموذجا . و للاطلاع على باقي المقالات تجدون عنوان الموقع في نهاية المقال .


من المتعلم إلى المثقف . خواطر للنقاش

بين التنظير والتطبيق، وقف رجال الفكر عبر القرون يبحثون طورا عن المعادلة التي تحقق الانسجام وطورا عن المبررات التي تخفف وطأة الخرق أو الهوة بين الإثنين.

ودون الحصول على جواب يقطع الشك باليقين، إن لم نقل: دون الطمع في الحصول على هذا الجواب، لأن ذلك في نهاية المطاف يعني بلوغ الإنسانية مستوى الكمال الذي لن تصل إليه والهلوعة في سعيها إليه؛ ومهما اختلفت التفسيرات فالمبدأ ليس محل خلاف.
هذا الإنسان الذي لا يشبع إما من طلب العلم وإما من طلب المال؛ هذا الإنسان يعزز مواقعه الحالية باستمرار أو هو يجتهد في ذلك، ثم يبحث عن المزيد، إنما الذي يختلف الأسلوب والمنهج والوسائل.
ولأنه إنسان، فإنه لا يألو جهدا في \'\'تشريع\'\' أفعاله: أقصد إضفاء شرعية ما عليها: أخلاقية، دينية، سياسية، إلخ. وما أكثر ما يذهب التأويل بالبعض مذهبا بعيدا (أو مذاهب بعيدة).
ولأن المواطن العادي – أو الرأي العام أو أي أسماء أخرى ذات دلالة على هذا الوضع – هو المستهدف الأول من عملية التأثير عبر التأويل أوالتفسير أو أي صيغة \'\'تفعيل\'\' أخرى شريطة أن تتضمن معنى التأثير أو محاولته على الأقل، بما أنه هو المستهدف فإن العملية لا بد أن تأخذ في الحسبان ما بات يعرف "نبض الشارع" في الفترة المعنية ومختلف الأبعاد المكونة له، مصارعة أو مناغمة البعدين الفردي والمجتمعي، النفسي ولاجتماعي، التأصيلي والتحديثي، إلخ. وبين هذه وتلك وغيرهما يبقى السؤال الأهم: ما مصدر هذه "المشروعية" التي يدعي كل طرف الاتصاف بها وحده ويقصي غيره منها في مجتمعاتنا المتخلفة في العالم الثالث ليلتحق بها – مخترقا جدار الصوت بل كل جدار- \'\'العالم المتحضر \'\' أو \'\'المجتمع الدولي\'\'؟ في اتجاه عمودي أو أفقي – لا أعرف تحديدا لآن الاتجاهات نسبية ولأن الأرض تدور، وبدورانها ربما دارت المفاهيم وحتى القيم.
غير أن إحدى الظواهر – مجرد صدفة أم لا – تجعل للمكان معنى غير مطابق لتحليلنا هذا. لاحظت – مع الاعتراف بتدني مستواي في الجغرافيا على الأقل – أن حركة الحضارة الإنسانية تميزت غالبا بالاتجاه إلى جهة الغرب. وإذا سارت الحضارة كما سار الرحالة (ماجلان)، فإن طلعتها القادمة سوف تكون من الشرق (آسيا مثلا؟): حقيقة كانت هذه أم نكتة أم سخافة، فإنها لن تعني للبعض أكثر من عزاء جديد ينضاف إلى العزاءات السابقة، أو حجة أخرى من "الحجج" المشجعة على الاستكانة والخمول.

لنعد إلى بداية الدائرة المغلقة: التنظير والتطبيق؛ والمشكل من حيث الوعي به ليس جديدا، إنما يتجدد التعبير عنه أو طرق التعبير عنه، فقديما كان يقال: القول والفعل، أو العالم العامل...
ومحاولات التفسير والتحليل والتأويل ليست جديدة، والأسباب الداعية إلى ذلك عديدة. عامة الناس أو غير المثقفين يريدون من العالم أن تكون أقواله صورة \'\'طبق الأصل\'\' من أفعاله، وإذ يدرك العالم صعوبة ذلك، وأكثر من ذلك صعوبة شرح الأمر من الناحية العلمية والعملية –لوجود الجوانب الإنسانية الملازمة -، يلجأ إلى القول مثلا: اقتد بأقوال العالم وليس بأفعاله، ومع الزمن تغدو المقولة "تبريرا" للفصل بين القول والفعل، بين الممارسة والتطبيق، بين الأفكار وتطبيقها على الواقع.
وفي مجتمع، كمجتمعاتنا العربية والإفريقية، إحدى أهم ميزاته قلة الألوان المركبة فإن الأمر إن لم يكن أبيض فهو أسود، وعليه فإن لم يكن خيرا كله فهو شر كله. وهذا الرؤية ليست صحيحة من الناحية الشرعية التي تستخدم غالبا ل"تمرير" مثل هذا "التحليل"، فالله ذكر أن الحديد فيه بأس شديد وأن فيه منافع للناس؛ فعلى الرغم من أن بأسه شديد فإن منافعه جاءت بصيغة "الجمع" بينما البأس جاء "مفردا". ( وعلى كل، فإن هناك في العالم \'\'المتحضر\'\' من هو أسوأ منا في مثل هذه الحال إذ هو مصاب بعمى الألوان أصلا، غير قادر على أن يَميزاللون الأبيض من اللون الأسود وإن كانت له قدرة \'\'جبارة\'\' على التمييز بين العنصرين الأسود والأبيض، ولمن يريد أن يضيف الأصفر أن يفعل ذلك ولا إشكال.)
ومع الزمن يرتقي التأويل إلى مستوى \'\'العادة\'\' – أو التعويد - في أذهان العامة وفي أذهان بعض العلماء، عن حسن نية على الأرجح؛ وسلطة العادة في مجتمعاتنا قوية جدا؛ إنها طبيعة إنسانية ولكنها في المجتمعات ذات التشكلة التقليدية شديدة الرسوخ صعبة التغيير. وفعل الزمن مرة أخرى يبقى أكثر حسما.
من النتائج التي قد تترتب عن انحسار قيمة المكان، تراجع الوطنية ياعتبارالربط الحاصل بين مفهوم الوطن ووجود الأرض (إقليم، سيادة ترابية...)، ذلك لأن الإنسان اليوم يمتلك إمكانيات كبيرة للعيش في \'\'عالم واقعي\'\' غير مرتبط بالمكان البتتة؛ فيطالع الرسائل والصحف ويرسل المقالات ويجري الأحاديث صوتا وصورة من خلال موقع \'\'افتراضي\'\' (لا مكاني أو وهمي؟). وفي بلدان كانت إلى وقت قريب تمتاز بالترحل المستمر، لم ترتبط بمكان دائم ومحدد، قد يجد الناس انشدادا سريعا إلى مثل هذا العالم \'\'المترحل\'\' \'\'الجوال\'\' الافتراضي، ولكن \'\'العصري\'\'.
وبعض الدراسات المستقبلية شديدة التشاؤم ترى أن التغيرات السريعة – بل المتسارعة – نحو محو كل آثار العقود الماضية، كل المفاهيم التي ارتكزت عليها العلاقات الدولية في القرن الماضي، بما فيها مفهوم الدوله؛ يرون فيها شبيها بالوضع العام إبان الحربين العالميتين. ويقيمون مقارنة بين \'\'تهميش دور الأمم المتحدة\'\ اليوم' بانسحاب (هتلر) من عصبة الأمم قبل الحرب العالمية.
فهل يعني انحسار مكانة المكان تطورا في مكانة الزمان؟
يبدو – حتى الآن – أن التطور أكثر ارتباطا بالزمان منه بالمكان، فهل ذلك راجع إلى أن وعاء الزمان أكثر استعصاء على السيطرة من المكان؛ وأن الإنسان أكثر تحكما في المكان منه في الزمان؟ ومن هنا يمكن تفسير أن يكون التطور، تطور العلوم وغيرها، متناسقا مع الزمن، متناغما مع حركة التاريخ، في حين تموت مدن مثلا وتولد أخرى، غير أنه ما من حضارة (ماتت؟) إلا كانت وراء بروز حضارة أخرى أكثر تطورا في الجانب المادي على الأقل؛ لعل الحضارات تحقق معنى متداولا جدا في الشعر العربي، في الرثاء خصوصا: (ما مات منها - أو منهم - سيد إلا قام مكانه سيد... ): الاستمرارية، الامتداد.
وهو تسليم أو تسلم تم عبر إسبانيا بين الحضارة العربية والحضارة الغربية؛ حلقة من التاريخ نعيش عليها اليوم حتى لكأن البعض يحيا لإثباتها والاستمتاع بترديد أمجادها؛ حلقة لا تَبَاهينا بها قادر على إعادة اللحظة أو بناء المجد المفقود، ولا بكاؤنا عليها مغير من واقع الأمر شيئا، ولا لذة اعتراف الآخرين بها مقربة لحظة الوصل، أقصد وصل الحاضر بالماضي. وإن كان لا بد من التنبيه على أن الحضارة لا تكون إلا إنسانية، وإنما تحتل الصدارة في كل حقبة أمة من الأمم بفعل عوامل موضوعية لا "دخل" للصدفة ولا التكاسل فيها.

كل هذه مراحل مرت بها كل الأمم أو ستمر بها. فتاريخ الأمم متشابه تشابه الأفراد، كما هو مختلف أيضا اختلاف الأفراد. إنما نوعية ردة الفعل وسرعتها و عقلانيتها هي التي تختلف، فتحدد بالتالي مصير أمة بأكملها ومن ثم مصير البشرية.
لقد لاحظت – وأنا أدرس تعليمنا التقليدي (المحظرة) - أنه في مرحلة ما من مراحل تطور أي نظام تربوي لا بد أن يكون هناك تشابه شديد، وأن الذي يختلف، هنا أو هناك، هو كيفية الانتقال من هذه المرحلة إلى المرحلة التي تليها وكم يستغرق ذلك... ويبقى الأمر الأهم والعامل الحاسم: أي نوع من الرجال يتم تكوينه؟ ما الصورة المفترض ]أو التي نعمل على] أن يكون عليها جيل المستقبل؟
ليس طموحي (ولا غرضي) أن أجيب عن الأسئلة، بقدرما أطمح إلى إثارة النقاش. غير أني أقول إجمالا: علينا أن نجد في تكوين \'\'الرجل القادر على الدفاع عن حقوقه قدرته على تحمل واجباته ومسؤولياته؛ ذلكم – في أيامنا هذه - هو رجل الاحتراف، و أكثر من ذلك، ذلكم – في كل زمان - هو محترف الرجولة\'\'.
إن علاقة الماضي بالحاضر بالغة الدقة. فمن يحتفظ للماضي اليوم بمستوى ما من الاحترام ولا ينبت منه بشكل صارخ، فإنه يجعل نفسه – في نظر الكثيرين – ضمن \'\'المتحجرين\'\' (أوالمتخلفين – الرجوعيين – العاطفيين – الحالمين). فما من أحد يجرؤ اليوم أن يفكر في مقاومة \'\'الأفكار العصرية\'\'. ولو أننا استخدمنا نعمة الفكر لأدركنا بيسر أن \'\'العصري\'\' لم يولد من فراغ ... إنه نتاج طبيعي لسلسلة من التطورات التي مرت على كل منها صفة \'\'العصرية\'\' في يوم من الأيام؛ إنه هجين يحمل صفات هذه الحلقات وخصائصها. مكتشف السهم له دور كبير جدا في اكتشاف الصاروخ والمركبات الفضائية ...

ومن يجرؤ، في المقابل، أن يقول إننا لا يمكن أن نعيش تماما كما كان يعيش الأولون. إنهم، في الغالب، يريدون \'\'استنساخ هذا الماضي، وينسون – وهم يضعون الساعات أو يلبسون الدراعات ... – أن آباءهم لم يستخدموا الساعات فإن كانوا استخدموها فإن آباء آبائهم لم يستخدموها، فيكون آباؤهم قد خالفوا آباء آبائهم الذين خالفوا بدورهم آباءهم بشكل ما وفي مستوى ما ... فبأي جيل أو أب يكون الاقتداء؟ أعتقد أن الرؤية ينبغي أن تكون مركبة ليكون لها أكبر مستوى ممكن من الإحاطة ومن شمولية الرؤية ومرونتها، فنراعي في ذات الوقت خصائص اللحظة ومكونات المسار، تجارب الماضي ومتطلبات الحاضر. أعتقد أيضا أن مثقفينا حين يدركون ذلك، فإنهم سيدركون انهم بذلك يحلون الكثير من الصراعات الذهنية الزائفة: صراع الأجيال، الطبقات، المصالح، الحضارات، إلخ. وصفت مجمل هذه الصراعات بالزيف لأنها، في أحسن الأحوال لا تتعدى الأذهان، وهي في أغلبها صراعات \'\'مذاهب\'\' باعتبار فهم المعري للمذاهب:
\"إنما هذه المذاهب أسبـــاب لجلب الدنيا إلى الرؤساء\".
على مستوى المثقفين – وإن كنت أفضل استخدام كلمة المتعلمين اليوم -، لا يختلف الأمر كثيرا. صحيح أن أزمة \'\'الثقافي\'\' – بل المعنوي عموما – أزمة قوية، وتراكمات هذه الوضعية في مستويات مختلفة جعلت انعدام الثقة ينتقل من انعدام الثقة بالثقافة – والسياسة أيضا – إلى انعدام الثقة بالمثقف، وهو تعقيد إضافي؛ لقد انضاف عدم الثقة بالقائل - لم يكن موجودا لارتباط القائل قديما بالمنظومة الدينية وبالنصوص التي كانت مقدسة - إلى أزمة أكثر استعصاء وأشد تعقيدا: الهوة بين التنظير والتطبيق.

في هذا السياق، أذكر أن أحد الأصدقاء من ذوي الاختصاصات العلمية قال لي مرة: لقد أضعت عمرك يا أخي في دراسة اللغة والأدب، ليؤول الأمر أخيرا إلى لغة فقدت معانيها؛ جرب أن تستمع إلى أي وسيلة إعلام عربية، وحاول أن تستبدل أي كلمة بكلمة أخرى أقوى منها دلالة، أتحداك، فإنك لن تستطيع. وأذكر أنه ساق ـ من ضمن ما ساق من أمثلةـ كلمات: الجبارة، الطغمة الضالة، العملاقة، تشابه (أو تطابق البرامج الانتخابية رغم اختلاف الأحزاب والأشخاص، إلخ. لم أقم بالتجربة، كما لم أجهد نفسي في البحث عن رد جاد لأن الحديث كان حديث الأخ لأخيه من ناحية، ولأنني، من ناحية أخرى، لم أجد في قوله ما يدعو إلى الشك فيه "كثيرا"؛ لكن أذكر أني كدت أقول له: نحن بلد المليون شاعر، وأمتنا أمة الشعر، كلنا شعراء والشعراء "يقولون ما لا يفعلون"؛ فهل لثقافة الشعر علاقة بهذا الموضوع؟ قد نتناول الشعر في موضوع منفصل، فهو أهل لذاك ولو لم نفعل.

أعتقد أن العامل الأهم في تحديد المثقف هو قدرته على تجسيد ثقافته في سلوكه وتصرفاته، أو هو امتلاكه مستوى من المرونة يجعل الثقافة قادرة على التأثير فيه. ولكن أن تكون له بالتوازن مع ذلك \'\'شبكة دفاع ذاتية\'\' تجعله لا يسلم آليا بكل ما يقرأ أو يتعلم: إنها القناعة المتحصلة من قراءاته، من تجاربه، من تاريخه، من خصوصياته، إلخ.
هذا التوازن النسبي بين الإثنين هو الذي يسميه القدماء: العلم والعمل به، ويصفون صاحبه بالعالم العامل، فهل يمكن أن نعتبر هذا تعريفا للمثقف؟
نقطة أخرى دقيقة في العلاقة بين السياسي والمثقف، وهي إحساس السياسي بأن التأثير في \'\'الجماهير\'\' من اختصاصه، وأيما محاولة قد تمسها من قريب أو من بعيد يراها اعتداء على "حوزته".
الأمر أشبه ما يكون بالغيرة في جو المنافسة ـأوالمفاضلةـ الحَدية التي كانت إلى حد قريب ميزة الشعوب \'\'النامية\'\' أو \'\'المتخلفة\'\'، ويبدو أن الشعوب \'\'المتحضرة\'\' (المجتمع الدولي) قد التحقت بالركب في أسرع من لمح البصر مخترقة \'\'جدار الصوت\'\' وكل جدار. فأنت إن لم تكن معي فإنك ضدي، إما صديق وإما عدو... وصديق الصديق وعدو العدو ... باقي الاحتمالات.... وهي مفاهيم ـشأنها في ذلك شأن غيرهاـ تحتاج إلى إعادة النظر فيها لما تلحقه أحيانا من أضرار.
الحدود ليست محددة بما فيه الكفاية، وهي بطبيعتها متداخلة. ومشاكل الحدود كانت وراء معظم الحروب السابقة. وطبيعة \'\'الترحال\'\' المتأصلة، والطموح الذي هو حق مشروع لكل أحد – بشروط طبعا – تقف أيضا وراء الكثير من حالات انعدام التوازن، ومن ثم التجاوزات.

الوزن الحقيقي والطبيعي للمثقف ليس ماديا. إنه معنوي بالأساس. وكونه معنويا لا يعني بالضرورة – بل لا يعني البتة – أنه لا يعيش هموم المادي ولا يتأثر بظروفه المعيشية كما يقع لبقية الناس؛ أنه يعيشها مضاعفة من حيث يعيشها باعتبارها تجربة ذاتية شخصية ويعيشها في عموميتها.
إنما أردت القول إن المثقف لا ينبغي أن يكون طموحه وتفكيره وجهوده مركزة كلها على إضافة سلطة المادة إلى سلطته المعنوية، الموجودة أو المفترضة؛ لأن الجمع بين الإثنين لا ينبغي. والأمر ذاته صحيح بالنسبة إلى الساسة كما قال المغفور له المختار ولد داداه في مذكراته المنشورة السنة الماضية، وكما سمعت مرات عديدة، قبل ذلك، من أستاذنا الفاضل محمد خالد ولد عالي ولد معاويه، دون أن \'\'يثبت لي اللقاء\'\' بين الإثنين، بل إنهما لم يلتقيا بالتأكيد؛ في مثال واقعي وحي على \'\'لوقوع الشاعر على الشاعر...\'\'.
فالأمر لا يعدو كونه نوعا من التوزيع المنظم والمتوازن للوظائف والصلاحيات والمسؤوليات والسلطات؛ توازن تقع المسؤولية الأولى في حفظه وتعزيزه على عواتق رجال السياسة والثقافة والفكر، فإن "استقالوا" من مهماتهم فقدوا صفاتهم ومبررات وجودهم، وكان ما يخشى، وإن أقيلوا منها جميعهم أو إقيل بعضهم كانت الكارثة بالمعنى الحقيقي للكلمة، وأنا أعني ما تعنيه وأعنيه بالضبط. وأهم أمارات الكارثة (الفاجعة) أن تصبح هذه العلاقة مصدر إزعاج إو إحراج للأطراف كلها أو لبعضها. فهو من وجهة نظري المتواضعة الدلالة الحقيقية على أن \'\'العلاقة\'\' تحتاج إلى \'\'تصحيح\'\' أو \'\'ترميم\'\' أو إنقاذ\'\' أو إعادة بناء، لأنها، في حقيقة الأمر، تمس \'\'التوازنات الكبرى\'\'، التوازنات\'\' التي تهدد أمن المجتمع ووجوده. إنها قضية وجود أو عدمه، إنها الحكم النهائي بنوعية المستقبل (شهادة حياة أو موت). ومسألة االوجود \'\'خط أحمر\'\'، خط فاصل، أو لنقل: مسألة لها ما بعدها كما كان القدماء يقولون.
هذه العلاقة تتجلى في ثنائيتين:
· المثقف والسياسي أو المثقف والنظام أو العلماء والحكام، إلخ.
· المثقف والمجتمع أو العلماء والعامة –الدهماء، الغوغاء...- بما تعنيه هذه الكلمات في سياقاتها الزمنية أو الذهنية – الزمنية.
ووتجلى – على مستوى أشمل - في العلاقة الثلاثية الأكثر تعقيدا، لكونها تمس مختلف المكونات، إضافة إلى مكونات هذه المكونات، ولكونها تطرح مجموعة من الأسئلة التي تأخذ بعين الاعتبار مجموع العلاقات الرابطة بين مختلف هذه الأجزاء (مختلف \'\'الفاعلين\'\') ولكن في إطار الكل الذي \'\'لا يتجزأ\'\'. ما مدى العلاقة بين كل طرفين؟ وما المساحة الممنوحة للطرف الثالث؟ ما مستوى مشروعية طرف ما في نظر الطرفين الآخرين؟
عموما حين يختل التوازن الطبيعي بتجاوز الحدود أو تداخلها ينتفي التكامل الطبيعي ويحل محله الصراع؛ صراعات كثيرة هي مجرد أغلاط في التصور، مجرد أوهام أو إيهامـ(ات): صراع الأجيال، صراع الحضارات، صراع الذاتي والموضوعي. بعضها وإن كان ضروررة منهجية، فإن التعبير الصحيح هو التكامل وليس الصراع.
الحكم على الثقافة من خلال مستوى الحوار، نوعية القضايا المطروحة، إدارة الحوار، تقرير مفهوم الاختلاف ونبذ مفهوم الخلاف، تحديد المساحة والحدود، وحدة الغايات حقيقة (ومجازا)، احترام الكلمة: أعني في دلالتها وقيمتها، ومن حيث هي مستوى من العقود العرفية ومن ثم الالتزام.
وخير أنواع الالتزام، وخير أنواع التوعية، ما يكون فيه القول مقرونا بالفعل، سابقا عليه أو متزامنا معه أو متأخرا عنه؛ الحد الأدنى على أي حال ألا يناقضه.
ويروي لنا التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك. نذكر منها بإيجاز ما وقع في الحديبية (على ما أعتقد والرجاء من القارئ الكريم التصحيح إن لم يكن ذلك صحيحيا)، حيث دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أمنا أم سلمة رضي الله عنها غير مرتاح لأن الصحابة رضوان الله عليهم لم ينفذوا ما أمرهم به (الحلق والنحر)، إشفاقا عليهم لأن الأمر متعلق بالوحي لا بالرأي، وحين عرفت السبب قالت له ما مضمونه أن يبادر بالفعل فينحر ويحلق، وإذ ذاك أخذوا يتسابقون، وقد كانوا كثيري التسابق إلى الخيرات رضوان الله عليهم.
أشير هنا – لمناسبة ذكر هذه الحادثة الغنية بالدلالات – إلى مخالفتها الصارخة لما ينسبه الكثيرون إلى الحديث \"اسألوهن – يعنون النساء – وخالفوهن\'\'. كماأنه يفهم منها أيضا أن الفاضل قد يدرك من الحكم (الدنيوية) ما لم يدركه الأفضل، دون أن ينقص ذلك من أفضليته ودون أن تمنعه أفضليته من ااتباع الرأي السديد الذي يشير به من هو دونه رتبة. وأمثالها كثيرات. ( هذه الحادثة مليئة بالدروس التي قد نعود إليها مرة أخرى إن شاء الله.)
في خضم السرعة المفرطة في ورود المعلومات، في الاكتشافات، في التوازنات ... الكل يلهث وراءها حتى لا يبقى بعيدا، ونحن أولى الناس بالتطور لأن لنا صمام أمان قادرا على تمييز الصالح من الفاسد، فلم الخوف؟ لم لا نخاف الضرر الأشد، ضرر التخلف، ضرر عدم التحكم في الوافد حين يفسد ترددنا مناعتَنا؟ وإذا كان الكثيرون قد فقدوا ثقتهم بالثقافة، فإني ـ كما قلت في مقال سابق ـ لم أزدد بها إلا ثقة.
وعلى أية حال، فإن النظر إلى الماء لا يروي ظمأ، وامتلاكه، دون استخدامه، لا يزيل عطشا، وري الآخرين لن ينتقل إلى سواهم بالعدوى.
وما توفيقي إلا بالله.


http://med-denebje.info/index.html